آرسين فينجر

فينجر.. جون ناش الذي تخلى عنه الجميع

سخرت الصحف الإنجليزية من قرار تعيينه مديرًا فنيًا لآرسنال. صحيفة "إيفنينج ستاندارد" كان عنوانها Arsene who . مَن هذا الرجل الذي تعاقدت معه الإدارة فى تلك الظروف القاسية التى يمر بها الفريق.

رحل جورج جراهام إثر فضيحة مدوية حيث تم الكشف عن حصوله على أموال من أحد وكلاء اللاعبين. ثم رحل بروس ريوتش الذي لم يستمر مع الفريق سوى موسم واحد فقط. كان آرسنال يمر بفترة سيئة للغاية. لم يكن آرسين فينجر آن ذاك هو الاسم الذى يرى فيه الجمهور منقذًا للفريق.

كنت مستعدًا لكسر ركبتي ويدي لصالحه حتى نفوز بالمباريات، لقد اعتنى بي كما لو كنت ابنه" جورج وايا عن آرسين فينجر.

من هو؟

طفل طويل القامة. عنيد. اعتاد أن يصطحبه والده إلى المطعم الذى يديره بستراسبورج. فى يوم رأى آرسين بعض لاعبي فريق دوتلنهايم فذهب إلى والده وسأله: من هؤلاء؟ وماذا يفعلون؟ أجابه: هؤلاء لاعبو كرة قدم.

لم يدرك آرسين معنى الإجابة. لم يكن يعلم ماذا تخبئ له الأيام مع تلك اللعبة، وأن هذا السؤال مجرد نقطة البداية في مسيرة طويلة مع اللعبة.

تعلق فينجر بكرة القدم. دراسته للهندسة الكهربائية على غرار جون ناش العالم الذي ساهم فى بناء اقتصاد الولايات المتحدة، وحصوله على ماجستير العلوم الاقتصادية لم يمنعاه من ممارسة كرة القدم.

مسيرته كلاعب ليست حافلة. فبعد التحاقه بنادي ميلوز الذي يلعب في الدرجة الثانية انتقل لاعب الوسط إلى نادي ستراسبورج؛ ليحقق معه لقب الدوري الفرنسي. وهو الإنجاز الوحيد في تاريخه كلاعب، ولكنّ "قليلًا من الإنجازات يكفى" هكذا عودنا فينجر.

البدايات

بعد اعتزاله توجه للتدريب. والبداية كانت مع نادي نانسي عام 1984. كانت هذه الفترة كارثية بكل المقاييس. ثلاثة مواسم قاد فيها الفريق إلى مؤخرة المسابقة قبل الهبوط إلى الدرجة الثانية، لكنّ الإحباط لم ينل من الرجل العنيد. انتقل بعدها إلى موناكو ومن هنا بدأت رحلة النجاح.

حقق لقب الدورى فى أول مواسمه مع فريق الإمارة موسم (1987-1988) وكأس فرنسا موسم (1990-1991).

فينجر وجورج وايا

بدأ في تلك الفترة في ممارسة هوايته المعتادة؛ فقيمة كرة القدم عنده ليست فقط في حصد الألقاب. اكتشاف المواهب الجديدة متعة لها مذاق خاص عند فينجر.

أحضر جلين هودل من الدوري الإنجليزي والثعلب الألمانى يورجين كلينسمان ويوري دجور كييف من ستراسبورج. وكان جورج وايا هو النجم الأبرز في هذه الحقبة. جلبه فينجر من ليبيريا للدوري الفرنسي مباشرة مقابل ما يعادل 5 آلاف جنيه إسترليني.

"كنت أبذل جهدًا كبيرًا داخل الملعب من أجله. كنت ألعب لأجل فينجر. أحاول أن أرد له الجميل. كنت مستعدًا لكسر ركبتي ويدي لصالحه حتى نفوز بالمباريات، لقد اعتنى بي كما لو كنت ابنه". جورج وايا يتحدث عن آرسين فينجر.

رؤية مختلفة

جون ناش العالم الأمريكي الذي سار فينجر على نهجه الدراسي كان مصابًا بالفصام. يرى أشخاصًا وأماكن ليس لها أي وجود سوى فى مخيلته. ويبدو أن فينجر وصل به الأمر إلى ما وصل إليه ناش؛ فالسير على خطى الرجل الاقتصادية وتأثره بدراسة الهندسة الكهربائية أكسباه رؤيةً مختلفة للأمور.

تحديد جودة اللاعبين له عند فينجر معايير خاصة. يرى ما لا يراه غيره. ويؤمن بمواهب لا يؤمن بها سواه.

البروفيسور الفرنسي امتلك عقلية من نوع خاص جذبت الأعين إليه؛ فتلقى عرضًا وقتها لتدريب بايرن ميونيخ الألماني والمنتخب الفرنسي لكنّه آثر الاستمرار مع الفريق الذى بناه فى تلك الفترة. ورغم ذلك قررت إدارة موناكو الاستغناء عن خدماته بعد بداية سيئة للفريق في موسم (1994-1995)

"حاولنا الحصول على خدماته في بايرن عدة مرات. ذهب فرانس بيكنباور إليه بعد رحيله عن موناكو وتحدث معه لكن بعد نهاية اليوم قرر فينجر السفر إلى اليابان. كانت مفاجأة كبيرة جداً أن يذهب إلى هناك ثم يعود من بوابة آرسنال" أولي هونيس رئيس نادي بايرن ميونيخ.

ذهب آرسين إلى اليابان. قضى هناك 18 شهرًا مع ناجويا جرامبوس. قاد الفريق في موسمه الأول من المركز قبل الأخير إلى مركز متقدم في الترتيب. ونجح في الموسم الثاني في الفوز بلقبي كأس الإمبراطور وكأس السوبر.

هذه الفترة القصيرة الناجحة كانت كفيلة بإقناع نائب رئيس نادى أرسنال ديفيد دين بالتعاقد مع فينجر في أكتوبر/تشرين الأول عام 1996، لتبدأ من تلك اللحظة حقبة آرسين مع الجانرز.

بدأ آرسين مهمته. بات آرسنال يلعب كرة أكثر جمالية.أنهى الفريق موسمه الأول مع المدرب الفرنسي في المركز الثالث بفارق الأهداف عن نيوكاسل الثاني. وفي الموسم التالي فاز آرسنال بالدوري محققًا اللقب بفارق 12 نقطة عن مانشستر يونايتد كما توّج بالكأس أيضًا.

دخل فينجر قلوب مشجعى الفريق من أوسع الأبواب. لا تبدأ مباراة إلا ومدرجات هايبري تمتلئ بتلك اللافتات “IN ARSENE WE TRUST”.

في موسم (2003-2004) حقق آرسين المعجزة. تلك التي جعلت آرسنال فخر لندن وبحق. فاز النادي باللقب دون أي هزيمة. إنجاز لم يتحقق من قبل ويصعب أن يتكرر. كما حقق المدفعجية أطول سلسلة انتصارات في تاريخ الدوري الإنجليزي بـ49 مباراة. بعد هذا الموسم عرف الجميع من هو آرسين الذي تساءلوا عنه فور توليه المسؤولية.


مع عامه العاشر كمدرب للفريق استطاع فينجر عام 2006 الوصول لنهائي دوري أبطال أوروبا لأول مرة في تاريخه. وكان قاب قوسين من التتويج به. تقدم آرسنال على منافسه برشلونة بهدف في الشوط الأول. وفي الدقائق الأخيرة من المباراة قلب البارسا الطاولة وأحرز لاعبوه هدفين واقتنصوا البطولة.

يقول فينجر: "خسارة نهائي دوري أبطال أوروبا أكبر أحزاني. لم أنجح في التخلص من هذه المشاعر الحزينة. كنا على بعد 13 دقيقة فقط من الفوز باللقب. سيبقى هذا الحزن ملازماً لي حتى الموت، لا زال يؤلمني إلى الآن".

جلب فينجر للمدفعجية خلال 10 سنوات الدوري ثلاث مرات، وكأس الرابطة أربع مرات وكأس الاتحاد الإنجليزي أربع مرات، ولولا تلك الخسارة المتأخرة التى لحقت بالفريق على ملعب الأمراء لحقق كل شيء للنادى الإنجليزي.

اقرأ أيضًا: مأساة آرسنال.. أحلام تتبخر بين أوهام الجودة والنوعية

يسير وحيدًا

بعد هذا العام تغيّر كل شيء. عجز الفريق عن التتويج بلقب الدوري حتى يومنا هذا. اعتاد الخروج مبكرًا من دوري أبطال أوروبا. لم يحصد إلا لقبي كأس فقط.

تحوّلت فكرة تشجيع آرسنال إلى كابوس يؤرق محبي الفريق. لافتات دعم فينجر اختفت إلا قليلاً وحلت بدلاً منها لافتات أخرى تطالب برحيله؛ لكن ماذا حدث؟

جون ناش وأرسين فينجر

أواخر عام 2005. اجتمعت إدارة آرسنال بالمدرب. وكشفت عن رغبتها في بناء ملعب جديد للفريق. طلبوا منه أن يوفّر قرابة 60 مليون جنيه استرليني سنويًا بداية من عام 2006 وحتى 2012؛ لتدبير النفقات اللازمة لبناء الملعب.

أبلغوه أيضًا أن الشركة التي ستقوم ببناء الملعب اشترطت لتنفيذ المشروع أن يحافظ الفريق على تواجده في المراكز الأربعة الأولى بترتيب الدوري؛ حتى يضمن الفريق التأهل لدوري الأبطال ويحصل على عوائد المشاركة في البطولة. كما طالبت البنوك التي قامت بتمويل المشروع باستمرار المدرب في منصبه 5 مواسم كما كشف فينجر لاحقًا.

منذ تلك اللحظة، وعلى عكس أغنية You'll Never Walk Alone الشهيرة التى يتغنى بها جمهور ليفربول. تركت إدارة الجانرز آرسين يمشى وحيدًا وسط ضغوط الجماهير والإعلام.

تذكر آرسين دراسته للاقتصاد. وعاد إلي الأيام الخوالى التى تذكرنا بـ"فينجر ناش" صاحب الرؤية المتفردة والعالم الافتراضي. وضع خطة اقتصادية محكمة تتمثل في التعاقد مع لاعبين صغار يصنع منهم فينجر نجومًا ويتم بيعهم لاحقًا. ونجحت الخطّة بامتياز وعلى مدار سنوات.

قائمة طويلة يمكن ذكرها في هذا السياق بداية من نيكولاس أنيلكا وتيري هنري وسيسك فابريجاس وكولو توريه وإيمانويل أديبايور وسمير نصري وغيرهم كثيرين.

اقرأ أيضًا: مأساة آرسنال.. متى يفيضُ النهر؟

بعد أن أنتهت الست سنوات العجاف. تضاعفت الضغوط على فينجر. الآن تتوفر الأموال للنادي لشراء النجوم الكبار والعودة للمنافسة على اللقب مجددًا. لكنّ إدارة النادي ارتضت سياسة فينجر خلال أعوام التقشف. ارتضت أن يكتفي الفريق بمركز يضمن له المشاركة في دوري الأبطال. أمّا الفوز والتتويج بالألقاب فلا يعنيها. وهو أمر لم يخجل ستان كرونكي رئيس النادي من إعلانه في مؤتمر صحفي في لوس إنجيليس الشهر الماضي.

اتخذت الإدارة فينجر ستارًا تحتمي خلفه من الانتقادات الجماهيرية التي بات المدرب الفرنسي صانع أمجاد آرسنال يتحملها وحيدًا.

في فيلم A Beautiful Mind الذي يسرد قصة حياة جون ناش. قررت زوجته الانفصال عنه. لم تستطع السيطرة على أفعاله. الأمر ذاته حدث مع فينجر. ففي عام 2008 قال المدرب الفرنسي إنه وعد زوجته بالاستمرار في التدريب خمس سنوات فقط قبل الاعتزال نهائيا؛ لكن آرسين لم يقدر على منع نفسه من التفكير فى كرة القدم. لم ينجح في ذلك منذ ذلك اليوم الذى رأى فيه لاعبى فريق دوتلنهايم لأول مرة.

أني بروسترهوس زوجة فينجر

في سبتمبر/أيلول 2015. أعلن فينجر انفصاله عن زوجته آني بروسترهوس إثر خلافات دبت بينهما بعد زواجهما في عام 2010 بسبب "حبه الزائد لكرة القدم".

رحلت الألقاب. ورحلت زوجته. ورحل أيضًا حب الجمهور وتعلقهم بمدربهم العبقري.

يقول فينجر: "عند وصولي إلي أبواب السماء، سيسألنى الله: ماذا فعلت فى حياتك؟ سأجيب: حاولت الفوز بكلِ المباريات التي خضتها".