جامعة يونيتييرا

استعادة حريتنا في التعلم

"التعلم الحقيقي ليس إلا ممارسة متأنية للأُناس الأحرار".

إيفان إيليتش

يقدم هذا المقال، الذي كتبه الناشط المكسيكي جوستابو إستبا، تجربة مختلفة في التعليم الجامعي في المكسيك، وهي تجربة جامعة يونيتييرا في وﻻية واهاكا. يكشف المقال الدوافع التي تأسست بسببها تلك الجامعة ذات التجربة الفريدة والتي تذكرنا بمدى التقارب بين دول العالم الثالث أو لنقل بين هنا وهناك، وأن فقط ما ينقصنا أن نعبر تلك المسافة التي تفصلنا عما هناك.


منذ عدة سنوات، بدأنا في رصد رد فعل جذري ضد التعليم والمدارس في القرى واﻷحياء وبخاصة بين السكان اﻷصليين. وقد أغلق بعضهم مدارسهم وسرحوا مدرسيها، بينما تجنب أغلبهم هذا النوع من المواجهة السياسية واستعاض عن ذلك بتجنب التعليم المدرسي، ولجأ لاستعادة وإحياء المناخ الذي يتعلم فيه الناس تقليديًا بوسائلهم الخاصة.

يعلم سكان القرى جيدًا أن المدرسة تَحول بين أطفالهم وبين تعلم ما يحتاجون معرفته لمواصلة العيش في مجتمعاتهم المحلية، والمساهمة في الازدهار العام والذي يعود على بيئتهم ومكان إقامتهم. وأن المدارس ﻻ تعدهم للحياة أو العمل خارج مجتمعاتهم. ففي العديد من المجتمعات في واهاكا وتشياباس في المكسيك، لم يعد الأباء يوكلون للمدرسة تعليم أطفالهم.

علّمتهم التجربة ما يحدثُ عادةَ للذين يهجرون مجتمعاتهم للحصول علي "تعليمٍ عال"، إذ يضيعون في المدن ويعملون في وظائف متدنية. فقد كشفت دراسة رسمية حديثة أن 8% فقط من خريجي الجامعات المكسيكية هم الذين يستطيعون العمل في مجالات دراساتهم الجامعية. في حين يقود محامون ومهندسون سيارات أجرة، أو يعملون باعة في أكشاك. وعلى الرغم من إدراكهم لتلك المشكلة، ما زال الناس يتمسكون بوهم أن التعليم العالي يقدم شيئًا ذا قيمة لأبنائهم، ولا يشعرون بالراحة تجاه حرمان أبنائهم من هذه "الفرصة".

عالم بلا مدرسين

أحدُ أهمِ الاستنتاجات التي توصلنا إليها من خلال النقاش هي الإدراك الواضح بأننا نتعلم بشكل أفضل عندما لا يتولى أحدهم تلك المُهمة.

قمنا ذات مرة بتجربة فكرية مستوحاة من الكاتب جون ماكنايت الذي تخيل عالمًا بلا أطباء أسنان، وتخيلنا عالمًا بلا مدرسين. ولعدة دقائق، انهالت علينا العديد من السيناريوهات الكارثية عندما تخيلنا عالمًا خاليًا من المدرسين ومهنة التدريس. ولكن شيئًا مختلفًا تمامًا بدأ يتسلل إلى النقاش، إذ تصورنا العديد والعديد من الطرق التي يمكن من خلالها أن يُخلِّق الناس بأنفسهم نموذجًا لحياة مختلفة.

وكان أحدُ أهمِ الاستنتاجات التي توصلنا إليها من خلال النقاش هي الإدراك الواضح بأننا نتعلم بشكل أفضل عندما لا يتولى أحدهم تلك المُهمة. يمكننا ملاحظة ذلك في كل طفل وفي تجاربنا الشخصية. إذ أننا نتعلم مهاراتنا الأساسية بالممارسة وبدون أي تلقين. وبعد الانتهاء من التجربة، واجهنا سؤالًا عمليًا للغاية. لقد تعلمنا من تجربة الزاباتيستا أن تغيير العالم صعب للغاية، بل ربما مستحيل، في حين أن خَلْق عالم جديد بالكامل أمر ممكن. وهذا بالضبط هو ما قامت به حركة زاباتيستا في جنوب المكسيك. إذًا، كيف يمكننا أن نخلق عالمنا الخاصّ الجديد بحيّزنا الإنساني الصغير، هُنا في ركننا المتواضع بواهاكا؟ كيف يُمكننا أن نُحرر أطفالنا وذواتنا من التعليم النظامي في هذا العالم، حيث ما زالت المدارس تُهيمن على العقول والقلوب والمؤسسات؟

اكتشفنا من خلال تلك التجربة أن الدرس الأكثر درامية هو معرفة احتياج مجتمعنا الحضري إلى تهيئة ظروف التتلمذ، فحينما نُطالب بنظام ومؤسسات تقوم بتعليم أبنائنا وشبابنا، فإننا نحجب أعيننا عن رؤية الفقر الاجتماعي المُحزن الذي نعيش فيه، حيث أنهم ليست لديهم فرصة حقيقية للتعلم في مناخ حر.

في العديد من الحالات، لم يعد باستطاعتهم التعلم من آبائهم أو أعمامهم أو أجدادهم بمجرد الحديث معهم والاستماع إلى قصصهم أو معايشتهم في حياتهم اليومية، فالجميع مشغولون بأمور الحياة، ولم يعد لدى أحد الصبر ليشارك الجيل الجديد الحكمة التي تراكمت عبر السنين، ما نحتاجه حقًا بدلًا من التعليم النظامي هو توفير ظروف ملائمة لحياة كريمة.. ما نريده حقًا هو مجتمع.

وأصبح التحدي الذي يواجهنا الآن هو إيجاد سبل لإحياء الروابط الاجتماعية في المدينة، وخلق نسيج اجتماعي يمكن من خلاله أن نتعلم جميعًا بمختلف أعمارنا، وفيه تزدهر كل أساليب التتلمذ.

ونحن بصدد هذا البحث الجذري نندهش من أنفسنا كل يوم عندما نكتشف كم يسهل خلق بدائل وكمّ البشر المهتمين بخوض تلك المغامرة.

ولذلك أنشأنا جامعتنا "يونيتييرا" حيث يمكن أن ينضم إلينا شباب من الجنسين غير حاصلين على أية شهادات ويُفضل أﻻ يكونوا تلقوا أي تعليم ليدرسوا كل ما يريدون من الحرف العملية، مثل الزراعة الحضرية أو إنتاج الفيديو أو البحث الاجتماعي وكذلك من مجالات الدراسة كالفلسفة والإعلام، فيكتسبون تلك المهارات على أيدى أشخاص يمارسون تلك النشاطات ويتدربون على استخدام أدوات وتقنيات حديثة غير متوفرة في مجتمعاتهم.

يبدأ الشباب في العمل بوصفهم متدربين بمجرد وصولهم إلى يونيتييرا، فيكتشفون أنهم بحاجة لمهارات معينة لتعلم ما يريدون إتقانه. وغالباً ما يكتسبون هذه المهارات بممارسة الحرفة عمليًا سواء بمساعدة موجهيهم أو بدونها. وقد يختار المتدربون حضور ورش عمل محددة لتقصير الوقت اللازم لاكتساب تلك المهارات.

يتعلم طلابنا أسرع مما نتوقع، وبعد بضعة أشهر، نطلب منهم العودة لمجتمعاتهم لتطبيق ما تعلموه، ويبدو أن لدورهم أهمية كبيرة هناك؛ فيدمج بعضهم بين مختلف ما تعلموه بطريقة مبتكرة. وعلى سبيل المثال، جمع طالب بين الزراعة العضوية وتجديد التربة (اهتمامه الأوّلى) والعمارة العامية. وهو لا يقدم خدمات تتيح له الانتقال بمعيشته لمستوى الطبقة المتوسطة من خلال بيع السلع وتوفير الخدمات بشكل مهني، بل يتعلم، مثله مثل الفلاحين، كيف يشارك في نشر المعنى الحقيقي لأن يصبح عضوًا فعالًا في مجتمعه وأفراده كما كان يحدث قديمًا قبل الفجوة التي خلفتها الحداثة.

اﻻنضباط والحرية

لا نسعي لإعداد مهنيين في يونيتييرا. فلقد هيأنا مناخًا متجانسًا حيث نستمتع جميعًا بينما نتعلم معًا. وما يلبث أن يكتشف الطلاب ومجتمعاتهم أن الإقامة في يونيتييرا لا تعد عطلة. صحيح أن الطلاب ليس عليهم حضور فصول دراسية أو تقديم مشاريع بل في الواقع ليس عليهم أي نوع من أنواع الالتزام الرسمي. ففي يونيتييرا لا يوجد نشاطات إلزامية، ولكن هناك انضباط وإصرار والتزام مع مجموعاتهم (الطلاب) والآخرين (المشاركين في كل أنواع الأنشطة لخدمة يونيتييرا) ومع مجتمعاتهم.

طلابنا لا ينتمون لمجتمعات بل هم نواة مجتمعاتهم. بالطبع يمكنهم الاستمتاع بوقتهم وقضاء ليالٍ طوال في حفلات الباشنجا الساهرة وفي غيرها من الاحتفالات. لكنهم يحملون أيضًا مسؤولية تجاه مجتمعاتهم، وبالتالي تجاه أنفسهم وأملهم. وهذا ما يبث فيهم روح الانضباط والإصرار والالتزام.

يملك طلابنا البنية الداخلية والاجتماعية التي تمثل شرطًا أساسيًا للحرية الفعلية. إذا لم تكن تملكها وكنت ذرة مفردة وسط كتلة جماعية ستحتاج إلى شخص مسؤول عن التنظيم. إذ يحتاج عمال النقابات وأعضاء الأحزاب السياسية ومرتادو الكنائس ومواطنو الدول -جميعهم- إلى عوامل خارجية للحفاظ على تماسك جمعهم، وتحت مزاعم الأمن والنظام يضحون بحريتهم. فالأشخاص الصادقون مثل العقدة في شبكة العلاقات، يمكنهم أن يحافظوا علي بقائهم معًا، بحرية.

قال إيفان إليتش ذات مرة: "التعلم الحقيقي ليس إلا ممارسة متأنية للأُناس الأحرار". وكما نوّه أننا فى المجتمع الاستهلاكى إما أسرى للإدمان أو سجناء للحقد. بدون إدمان أو حقد، و بدون أهداف تعليمية، فقط بالحرية وحدها يمكننا التمتع بتعلم حقيقى.

فى يونيتييرا، اتبعنا بشكل مثمر اقتراح بول جودمان، صديق إيفان إليتش ومصدر إلهامه. قال جودمان ذات مرة: "تخيل أن الثورة التي طالما حلمت بها تحققت بالفعل. وتخيل أن كفة أنصارك رجحت وحظيت بالمجتمع الذي أردت. فكيف ستعيش، أنت شخصيًا، فى هذا المجتمع؟ ابدأ تلك الحياة الآن. بغض النظر عما كنت ستفعله، افعله الآن! حينما تواجه عراقيل، وأُناس، وأشياء تحول دون تلك الحياة، ابدأ بالتفكير فى كيفية مجابهتها أو التحايل عليها، عندئذ ستكون سياساتك متماسكة وعملية".

نصف يونيتييرا بـ"الجامعة" من منطلق السخرية وللعبث برموز النظام التعليمي. بعد عام أو اثنين من التعلم، حينما يعتقد رفقاؤهم أنهم تمكنوا من حرفة معينة، نمنح "طلابنا" شهادة جامعية من الدرجة الأولى. وبالتالي فنحن نقدم لهم الاعتراف الاجتماعي الذي سلبه التعليم النظامى منهم. بدلًا من التصديق على ساعات (الاستحمار) المعتمدة كما تفعل الدبلومات التقليدية، نصدق بدورنا على حرفة معينة، تلقى ترحيبًا من المجتمعات على الفور وتحمي طلابنا من أن يطالهم التمييز المعتاد. ومع ذلك، أغلب خريجينا يفاجؤننا عندما يتغاضون عن طلب أي شهادة لأنهم لا يشعرون بأي حاجة لها.

نحتفي كذلك بكبار السن وحكماء مجتمعنا في استخدامنا للمظاهر الحديثة وبالتالي نقدم شهادات الدبلوم من يونيتييرا لأناس ربما لم يسبق لهم أبدًا الالتحاق بأي مدرسة أو جامعة، فيتم التصديق على أهليتهم من قِبل أقرانهم ومجتمعهم. مرة أخرى فإن الفكرة هي كيف نستخدم مظاهر الهيمنة بطريقتنا الخاصّة وبكثير من المرح والفكاهة، أو كما قال إيليتش فإن المسألة تدور حول كيفية التلاعب بما تنتجه الدولة أو السوق لتحقيق أغراضنا الخاصة.

لا قيمة لشهاداتنا لأولئك الذين يتمنون أن يتباهوا بها أو أن يستخدموها للحصول على عمل أو أي امتياز آخر. فهذه الشهادات تعبر عن استقلالية الناس، وبوصفها رموزًا فإن هذه الشهادات تمثل التزامًا من قِبل "طلابنا" تجاه مجتمعاتهم، وليست حقًا للمطالبة بأيّ شيء. وعلى الرغم من ذلك فإن 100% من خريجينا يقومون بعمل مُنتج في المجال الذي تعلّموه.

لكنّ التلاعب بالمظاهر التي يمارسها النظام ليس مجرد تعبير عن الفكاهة فحسب، بل يُعبر كذلك عن نمطٍ من الحماية. فما نقوم به هو عملٌ تقويضي. بمعنى أننا نقوّض كل مؤسسات المجتمع الاقتصادي الحديث. حين نقوم بإخفاء نشاطاتنا في واحدٍ من أكثر الرموز المقدسة والمُبجلة للحداثة -التعليم- فنحن نحمي حريّتنا من هجمات النظام.

في موضعي هذا فكلّ أنا هي نحن، وبالتالي فنحن نعيش معًا في حاضرنا، المتجذر في تربتنا الثقافية والاجتماعية ونرعى الآمال مستلهمين تجربة الزاباتيستا حيث نخلق جميعًا عالمًا جديدًا كليًا.


كتب جوستابو استبا هذا المقال في إصدار الشتاء من مجلة "ياس! Yes!" عام 2008. يعتبر جوستابو ناشطًا على مستوى قاعدي ومثقف متراجع عن احتراف الفكر. وهو مؤلف للعديد من الكتب والمقالات، ومستشار سابق للزاباتيستا، وعضو في العديد من المنظمات المستقلة والشبكات المكسيكية والعالمية، ويعيش بين السكان الأصليين في إحدى القرى الصغيرة.

تعقيب: تمت ترجمة هذا النص "استعادة حريتنا في التعلم" بشكل جماعي في إطار بيداجوجي ضمن "أعمال مختبر الترجمة بمعهد القاهرة للعلوم والآداب الحرة". هدفت هذه الورشة إلى إعادة التفكير في طبيعة فعل الترجمة بصفتها فعلًا ومجهودًا ذهنيًا فرديًا، ومحاولة اختبارها كفعل جماعي تعاوني. ترجم المشاركون جميعًا النص نفسه واختبروا من خلال ذلك مستويات مختلفة من فعل الترجمة، إذ ينعقد حوار بين المترجم ونفسه أثناء ترجمته الأولى للنص ثم ينتقل مستوى الحوار ليكون بينه وبين زملائه في مقارنة الترجمات والمراجعة الجماعية، إلى أن يصلوا إلى مرحلة التحرير فيعود المترجم بنتائج النقاش والتعديلات لينفرد بنفسه مرة أخرى، محاولًا التوفيق بين رؤية المشاركين ورؤيته لهذه الترجمة. فتُغزل ترجمة النص في النهاية بين مستويات متباينة من الفردي والجماعي.

شارك في الترجمة والتحرير: أحمد المنجي ، إسلام كرّار ، السيد محمود ، إيمان صفوت ، رحاب سليمان ، عبد الرحمن عادل، مريم سامح ، نزيه هلوده، هند الغزالي.