تصميم: المنصة

الدين الخارجي المصري.. رسالة اعتذار إلى حفيدي العزيز (يقرأها بعد خمسين عامًا)

لم تكن زيادات الاحتياطي النقدي نتاجًا لتحسن في الإنتاجية أو ارتفاعات ملموسة فى النشاط التصديري أو تحسن فى الدخل السياحي أو غيره من المؤشرات الاقتصادية الحقيقية، بل جاءت على خلفية لجوء الحكومة إلى الاقتراض بكثافة غير مسبوقة فى التاريخ المصري المعاصر.

أعلم تمامًا يا حفيدى العزيز أنك تتعجب بشدة حين تقرأ في الصحف القديمة التي ورثتها عني كلام كبار مسؤولي الدولة بكافة مؤسساتها، بداية من السيد محافظ البنك المركزي عبورًا بوزير المالية ووصولًا إلى الرئاسة ذات نفسها، وهم يبشروننا صبيحة كل يوم على صفحات وقنوات أبواقهم الإعلامية بآخر أخبار ما حققته سياساتهم الاقتصادية والنقدية من نجاح باهر على الأصعدة كافة، وكيف كانت مصر تسير على طريق الرخاء المؤكد والرفاهية التي ما بعدها رفاهية، وحديثهم الدائم عن ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي وزيادة نسب النمو وما شابه.

أغلب الظن أن سبب تعجبك هذا سيكون أنك علمت مساء أمس فقط بوصول كيلوجرام اللحوم إلى 2500 جنيه أو أكثر، وأن السيد وزير المالية والداخلية (بعد دمج الوزارتين فى وزارة واحدة عام 2039) قد صرح بأن ظروف البلاد ومحاربة الإرهاب هي العناصر التي تحول دون موافقة الحكومة على إقرار حد أدنى للأجور 1200 جنيه شهريًا حتى لا ينفر عنا المستثمرون الكرام المعافون من الضرائب بعد أن أخذوا الأرض بالمجان. لا بد وأنك تتساءل بعد خمسين عامًا من تاريخ كتابة هذه الكلمات عن مصير هذا الثراء الفاحش الذي وعدوا به، ولماذا لم يتبق لك منه شيئًا، وصرت في زمنك حتى أفقر منا في زماننا.

حفيدي العزيز؛ يؤسفني إبلاغك بأن جزءًا كبيرًا جدًا من كل ما كنا نسمعه عن زيادات وارتفاعات وإيرادات.. إلخ ذهب، ليس فقط لتمويل عجز الموازنة المتفاقم، ولكن أيضًا لخدمة الدين الخارجي الذى وصل فى أيامنا الغابرة إلى مستويات كان لا بد معها وأن تحل الكارثة علينا قريبًا، ولكن هذا هو ما لم يكن يقال إلا بصوت خافت، ولولا ضرورة وجود حد أدنى من الإفصاح كانت تطالب به المؤسسات المالية الدولية لما قيل على الإطلاق.

ويكفى كى تدرك حجم المأساة التى كنا نواجهها عام 2017، أن تعلم أن الدين الخارجى المصرى زاد فى خلال عام واحد فقط بنسبة 40% بالدولار، بينما زاد الاحتياطى النقدى فى نفس الفترة بنسبة 47.5% بالدولار. هذا وقد ارتفع الاحتياطي النقدي مرة أخرى في شهر مارس/آذار 2017 ليصل إلى 28.6 مليار دولار، بينما لم تصدر حتى لحظة كتابة هذه الكلمات أرقام الدين الخارجي لما بعد 2016، وبالتالي لا أستطيع الحكم على آخر التطورات بعد، ولكن أغلب الظن أنه سيكون قد زاد بنسب مشابهة هو الآخر.

أتصور أن قدراتك الحسابية ربما لن تسعفك كثيرًا وأن نظرك قد يكون ضعيفًا فتعجز عن رؤية شاشة الآلة الحاسبة، لأن مجلس النواب الذي انعقد عام 2057 غالبًا ما سيظل يقول إن الأوضاع الاقتصادية المتأزمة لا تسمح برفع موازنة التعليم والصحة والبحث العلمي إلى النسب المُقررة فى دستور 2014. لذا دعنى أقول لك إن "على أيامنا" اعتبر البعض أن تلك الأرقام إيجابية وليست سلبية، إذ كادت نِسب الارتفاع في الدين الخارجي وفي الاحتياطي النقدي أن تكون متطابقة، بل وتزيد الثانية عن الأولى في بعض الأحيان.

ولكن للأسف كان هذا اعتقادًا خاطئًا تمامًا، إذ أن زيادات الاحتياطي النقدي لم تكن نتاجًا لتحسن في الإنتاجية أو ارتفاعات ملموسة فى النشاط التصديري أو تحسن فى الدخل السياحي أو غيره من المؤشرات الاقتصادية الحقيقية (لا سمح الله)، بل جاءت ببساطة على خلفية لجوء الحكومة إلى الاقتراض بكثافة غير مسبوقة فى التاريخ المصري المعاصر وصلت جملته إلى مبلغ 32.22 مليار دولار منذ منتصف عام 2013 وحتى منتصف عام 2017، بما في ذلك الشريحة الأولى من قرض صندوق النقد الدولي والذي من المفترض أنه تبقى منه 9.25 مليار دولار أخرى على مدار السنوات الثلاثة القادمة(1).

هكذا كنا يا حفيدى العزيز فى دولة ذكرتنى كثيرًا بمصر فى عصر رئيس قديم اسمه أنور السادات (قد تكون سمعت عنه أو لم تسمع) وهو الذى كان يتقمص دور الأب عديم الحيلة، ويستلف النقود من الغرب يمينًا ويسارًا فى مقابل تنازلات سياسية من العيار الثقيل للدول الدائنة، ثم يلقي بجزء من هذه الأموال للشعب ثمنًا لاستمرار تأييده وحفاظًا على هدوء البلاد، وعندما أراد التخلي عن هذا النهج فى الفترة من من أواخر 75 وحتى أوائل 77 قامت عليه ما تُعرَف بـ "ثورة العيش". ولكن هذه قصة أخرى ربما سأحكيها لك فى خطاب قادم.

الفارق الوحيد بين ما كان يحدث منذ حوالى 40 عامًا بالنسبة لي، و90 عامًا بالنسبة لك، هو أن النظام (الجديد القديم أو القديم الجديد) لا يلقي للشعب ولو بجزء ضئيل من الأموال التي يحصل عليها، ولكن يُفَضِّل إنفاق معظمها على مشروعات لا معنى لها ولا تؤدي إلى تنمية مستدامة حقيقية، وأنت أدرى بذلك مني لأنك ستكون رأيت بعينيك النتيجة التي توقعتها أنا وغيرى في لحظتها.

تقوم الحكومة بالإنفاق على مشروع "العاصمة الإدارية الجديدة" من نقود ليست موجودة من الأساس.

وليس أَدَل على ذلك من مشروع أطلقوا عليه بجرأة شديدة "العاصمة الإدارية الجديدة"، وهو المشروع الذي أجزم شخصيًا، بما يصل إلى حد اليقين، أنه لن يكتمل أبدًا – وهو ما سيكون قد تأكد على أيامك أيضًا – وهرب منه المستثمرون الأجانب كافة – خاصة الإماراتيين والصينيين - لعدم جدواه وشبه استحالة تنفيذه وفقًا للمخطط الموضوع له.

هذا المشروع الذي يجافي العقل والمنطق بسبب تكاليفه الخيالية (نحو 637.5 مليار دولار، بما يساوى بسعر صرف اليوم حوالي 11 تريليون و570 مليار جنيه، أو ما يوازي إجمالي الموازنة العامة المصرية لمدة عشرة سنوات قادمة(2)) ومستحيلاته اللوجيستية (نقل الملايين من الناس وإنشاء بنية تحتية تستوعب 6.5 مليون نسمة، كسكان مستديمين فقط بخلاف الزائرين)، وعدم وجود أي تخطيط تفصيلي له بعد ما يزيد عن عامين من الإعلان عنه إلا نموذج مُصغر جميل ذو إضاءة بنفسجية، أقول إحقاقًا للحق إنها جذابة للغاية.

ربما يكون قد دخل فيه بعد وفاتي مستثمرون جدد من نيبال أو مدغشقر لا يهتمون بالربح ولا الجدوى الاقتصادية، ولكن ما حدث حتى الآن هو أن قامت الحكومة، مُكلفة من رئيس الجمهورية، بتأسيس شركة مساهمة بين جهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة برأسمال 6 مليار جنيه، وبدأت بالإنفاق على المشروع ببذخ شديد حيث تكلف إلى اليوم فعليًا جزءًا صغيرًا فقط من الأسبقية الأولى للمرحلة الأولى (12 آلاف فدان من إجمالى 170 ألف فدان)، مقابل حوالى 5 مليارات جنيه من أموال الدولة، أي أموال الشعب، وتم بالفعل رصد مبلغ 12 مليار جنيه أخرى لهذا المشروع العجيب فى موازنة الدولة للعام المالي 2017/2018. وبالطبع جاء ويجيء وسيجيء الجزء الأكبر من تلك التكاليف من الأموال المُقترضة. بعبارة أخرى: تقوم الحكومة بالإنفاق على المشروع من نقود ليست موجودة من الأساس، ويتم فى الواقع توفيرها نهشًا فى لحم الناس. وقس على ذلك بقية الأمور.

أعرف جيدًا يا حفيدى العزيز أنك ما زلت تعاني من سداد هذه الديون المُستحقة لصندوق النقد الدولي ومؤسسة التمويل الدولي والبنك الدولي، وربما يكون قد زادت عليهم في زمانك "جمعية التسليف الفضائي"، بالرغم من أنهم قالوا لنا إن هذه القروض كافة قروض مُيسرة ويجب ألا تقلقنا لأنها ذات فائدة منخفضة وآجال طويلة للسداد.

نعم كنا نعرف أن حتى هذه النسب البسيطة التى تتراوح بين 3 – 5% سنويًا على 10 سنوات ستصل بإجمالي تكلفة خدمة دين لا يقل بحال عن 50 مليار دولار - وغالبًا ما سيزيد إذا ما استمر النظام على نفس وتيرة الاقتراض الحالية - إلى 20 مليار دولار على أقل تقدير، وأنا هنا أتحدث عن الفوائد فقط ولم أدخل فى سداد أصل الدين، والتي تعلم أنت في زمنك أنه حلم بعيد المنال. ولكن بالرغم من علمنا هذا لم يستطع معظمنا الحديث في الأمر بما فيه الكفاية، لأننا عندما كنا نفعل كانت معظم المنصات الإعلامية تُغلق فى وجوهنا ونُتهم بالعمالة والخيانة ويُقال عنا إننا لا نريد الخير والتقدم لهذا الوطن.

أعتذر لك يا حفيدي العزيز عن إخفاقنا فى منع ما حدث، وأتمنى أن تتمكن أنت وأبناء جيلك من مسامحتنا على ذلك وأختتم خطابي هذا بأحد الشعارات الرنانة التى كانت تستخدمها الحكومة فى زمننا لإقناع الناس بنهجها الاقتصادى حيث كنا نقرأ على بعض اللوحات الإعلانية بشوارع المحروسة الكلمات التالية: "لما قررنا نواجه نفسنا، المليارات كل يوم بتزيد عندنا".

رغم تشاؤمى الشديد، ما زال بداخلي بصيص من الأمل أن تكونوا قد تمكنتم من مواجهة أنفسكم بحق وأن تكون أموالكم فى ازدياد، ليس بالضرورة بالمليارات ولكن حتى لو بعشرات الجنيهات.

والسلام أمانة للست الوالدة.


(1) 41 مليار دولار هي مجموع القروض في الفترة المذكورة، ثم خصم 16.03 مليار دولار جاءت على شكل منح لا ترد، وإضافة 3 مليارات دولار من البنك الدولي، بخلاف ما قيمته مليار ونصف المليار دولار من بنك التنمية الأفريقي ثم 2.75 مليار دولار قيمة الشريحة الأولى من قرض صندوق النقد الدولي. هذا مع العلم بأن المساعدات الخليجية تتضمن مبلغ 9 مليار دولار ليست بمنح ولكن ودائع لآجل مستحقة السداد بالفوائد.

(2) تبلغ التكاليف المُقدرة للأسبقية الأولى من المرحلة الأولى (12 ألف فدان) 45 مليار دولار، كما يذكر موقع الهيئة العامة للاستعلامات، ولو افترضنا استمرار نفس الوتيرة – وهو أضعف الإيمان – سنصل إلى المبلغ الوارد بأعلى أو أكثر، حسب نسب التضخم.