من فيلم "القضية 68"

خمسون عامًا على الهزيمة | أفلام النكسة.. ثورات السينما الصغيرة

ساهم كبار المخرجين وصغارهم سنًا في صنع أفلام عن النكسة ولكن اختلفت رؤيتهم إذ نرى أن المخرجين الكبار كانوا أكثر تفاؤلًا من المخرجين الصغار، إذ أكدت أفلامهم أن على المصري أن يقف مرة أخرى، بل وأن يفتح الشبابيك والقفص الذي حُبس فيه.

السينما فن جماهيري أي أنها انعكاس لاهتمامات الجمهور. ولهذا السبب اهتمت السينما اهتمامًا كبيرًا بالنكسة حينما احتلت إسرائيل شبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية وأجزاء من الأراضي الفلسطينية في الخامس من يونيو/حزيران عام 1967. بل أن عدد الأفلام المصرية التي تناولت نكسة 1967 أكبر من عدد الأفلام التي تناولت حرب أكتوبر نفسها، وهو أمر إيجابي من ناحية الاهتمام بأسباب الهزيمة حتى يتسنى لنا علاجها وعدم تكرارها وأمر سلبي لأنه يعكس مدى جلد الذات من قبل الفنان المصري الذي عانى كثيرا حينما استيقظ يومًا من نومه ليكتشف أن جيشه انهزم من العدو وأن أرضه اُحتلت.

جاء هذا الاهتمام السينمائي بالنكسة عبر عدة طرق مختلفة: أولها عبر الأفلام نفسها، إذ صنع الفنانون عدة أفلام تتناول النكسة بشكل مباشر أو بغير مباشر. وثانيها عبر تكوين كيانات مختلفة هدفها صنع أفلام كـ"جماعة السينما الجديدة" والتي تأسست بعام 1968 وشاركت في إنتاج فيلمين وهما "أغنية على الممر" للمخرج علي عبد الخالق و"ظلال في الجانب الآخر" للمخرج الفلسطيني غالب شعث. وثالثها هي الأفلام الكثيرة التي صُنعت بعد النكسة كرد فعل على النكسة إذ اتسمت بالهروب من الواقع إلى الخيال والكوميديا واعتبار النكسة كأنها لم تكن. فالفن من الممكن أن يكون أداة لتفسير الواقع من أجل تغييره ومن الممكن أن يكون أداة للهروب منه مثلما يقول الكاتب الأمريكي توم وولف، وكلها محاولات تنبع من فكرة رفض الفنان للواقع والواقع هنا واقع هزيمة صدمت وهزت الجميع.

ما قبل وما بعد النكسة

عزت العلايلي وسعاد حسني في فيلم "الاختيار"

الفنان المصري كان مثله مثل كل مصري يحاول مقاومة الاحتلال الإسرائيلي بكل الطرق الممكنة، وطريق مقاومة السينمائي هو السينما وهو ما يحدث دائما بعد الأحداث الجليلة والتي تقلب المجتمع رأسًا على عقب مثل ثورة 1919 و23 يوليو ونكسة 1967 وحرب 6 أكتوبر وانتفاضة 1977 وأخيرا ثورة 25 يناير.

وتنقسم الأفلام التي تناولت النكسة إلى:

  • أفلام تناولت أسباب النكسة كفيلمي "الاختيار" و"العصفور" للمخرج يوسف شاهين، وفيلمي "ميرامار"، و"الرجل الذي فقد ظله" لكمال الشيخ، وفيلم "زائر الفجر" لممدوح شكري، و"الكرنك" لعلي بدرخان، و"احنا بتوع الاتوبيس" لحسين كمال، "ووراء الشمس" لمحمد راضي.
  • وأفلام حربية تناولت النكسة كفيلم "الرصاصة لا تزال في جيبي" لحسام الدين مصطفى و"أغنية على الممر" لعلي عبد الخالق.
  • وأفلام تناولت النكسة عبر الرمزية كفيلم "القضية 68" لصلاح أبو سيف، و"شيء من الخوف" لحسين كمال، و"المتمردون" لتوفيق صالح، "وغروب وشروق" لكمال الشيخ، و"الأرض" ليوسف شاهين
  • وأفلام تناولت مرحلة ما بعد النكسة كفيلم "ثرثرة فوق النيل" لحسين كمال، و"العمر لحظة" لمحمد راضي، و"المذنبون" لسعيد مرزوق، و"عودة الابن الضال" ليوسف شاهين.

وقد ساهم كبار المخرجين وصغارهم سنًا في صنع أفلام عن النكسة ولكن اختلفت رؤيتهم إذ نرى أن المخرجين الكبار كانوا أكثر تفاؤلًا من المخرجين الصغار، إذ أكدت أفلامهم أن على المصري أن يقف مرة أخرى، بل وأن يفتح الشبابيك والقفص الذي حُبس فيه طوال المدة التي سبقت النكسة وذلك لكي يتحرر ويطير في السماء كالعصفور (الأفكار لها أجنحة مثلما يقول يوسف شاهين في "المصير")، بينما كانت أفلام المخرجين الصغار تمتلئ بالخيبة وتنتهي بالتشاؤم من المستقبل، ومن أي أمل في الانتصار، مثل حصار الدبابات الإسرائيلية للجنود الذين انقطع اتصالهم بالجيش المصري وانقطعت أسباب حياتهم وارتباطهم بالمجتمع ليصبحوا مجرد ذكرى من ذكريات الهزيمة في فيلم "أغنية على الممر".

الوحدة/النكسة رايح جاي

تحية كايروكا وعزت العلايلي في فيلم "زائر الفجر"

في منتصف الستينيات وما بعدها، كانت تسيطر الأفكار اليسارية على عقول أغلب الفنانين في مصر. هذه الأفكار تظهر في أفلام الكبار حيث نجد أن رؤيتهم لحل الأزمة التي تواجه البلاد والمجتمع هي عبر فكرة الاتحاد، وهو ما يحيلنا إلى اتحاد العرب. فهذا هو الجيل الذي شهد الاتحاد الحقيقي الوحيد بين الدول العربية حينما اتحدت مصر وسوريا معًا. فنجد أفلام الكبار تعبر عن ذلك حينما يتحد الشعب كله في فيلم "العصفور" على رفض الهزيمة فينزل إلى الشوارع بلا سابق اتفاق، ولكن عبر وعي جمعي ووطني نابع من داخل كل ذات مصرية تعرف جيدًا أن وطنها وهويتها في خطر. أو حتى اتحاد الشيخ أحمد مع الصحفي رغم خلافاتهما من أجل سند "بهية" (رمز مصر) والتي سقطت في أحد المشاهد، أو عبر توقف الفلاحين عن الشجار في فيلم "الأرض" بسبب نقص مياه الري واتحادهم حينما وقعت الجاموسة (مصدر الرزق والخير إذ أنها تساعد في سقي الأرض رمز الأرض المحتلة) في الساقية. أو عبر اتحاد الجموع في فيلم "شيء من الخوف" من أجل التخلص من الطغيان المتمثل في "عتريس"، وأيضًا اتحاد الجيل القديم مع الجيل الجديد في عدة أفلام من أجل بناء الوطن بعد أن سقط مثل فيلم "القضية 68"، أو حتى عبر اتحاد الذات وتصالحها مع نفسها في فيلم "الاختيار".

بينما نرى تفاؤل جيل الكبار في نهاية فيلم "العصفور" حينما نرى الجموع وهي تسير معا من وجهة نظر العصفور الطائر في السماء. واستطاعة الناس التغلب على الطغيان في فيلم "شيء من الخوف". أو الأمل في بناء البناية مرة أخرى في فيلم "القضية 68". بينما ما يشهد على التشاؤم هو نهاية فيلم "أغنية على الممر" حيث نعرف جيدًا أن الجنود سيموتون فداء للوطن وأنهم لن يعودوا لأحبائهم مرة أخرى، أو في "ثرثرة فوق النيل" حيث انحلال المجتمع يصل إلى قتل الفلاحة نفسها والتي ترمز إلى مصر لتكون كلمات "أنيس أفندي" الأخيرة "الفلاحة ماتت ولازم نسلم نفسنا"، أو في فيلم "المذنبون" حيث الجميع مذنب ويجب أن يُحاسَب من أكبر لأصغر شخص في هذه البلاد التي شهدت نكسة بسبب فسادها الداخلي قبل أي سبب آخر.

سنوات الثورة والتردي

محمود المليجي ويحيى شاهين في فيلم "الأرض"

أفلام النكسة تعتبر ثورات صغيرة حاول مبدعوها عبرها حث الجماهير على تخطي هذه الأزمة عبر معرفة الأسباب ثم الاعتراف بها ثم علاجها في رؤية تتخلص في "إصلاح الداخل وتوحيد الصف من أجل القضاء على العدو". وهي فلسفة قُضي عليها بالفشل من الساسة وخاصة مع الرئيس الراحل أنور السادات والذي كان اتفاقه مع إسرائيل عبر معاهدة كامب ديفيد هو شهادة وفاة لأي محاولة لرأب الصدع وتوحيد الصف بين الدول العربية. وهي الأزمة التي ما زلنا نعيش تحت نيرها خاصة بعد ثورة 25 يناير والتي عكستها الأفلام التي تحدثت عن الثورة والتي كان أغلبها يتسم بحالة من التشاؤم والعدمية بداية من "فبراير الأسود" للمخرج محمد أمين حتى فيلم "اشتباك" لمحمد دياب و"آخر أيام المدينة" لتامر السعيد. وكلها أفلام تؤكد أننا وبرغم انتصارنا على العدو الإسرائيلي في حرب أكتوبر إلا أن مجتمعنا ما زال يعاني من الحكام الذين يخذلون شعوبهم باستمرار، والفساد الداخلي الذي ينخر في جسد الوطن مع التهديد المستمر من الإرهاب الذي يحركه الأعداء في الداخل والخارج، وكل ذلك يهدد بحدوث نكسة جديدة بعد نصف قرن من نكسة قصمت ظهر المصريين.