عن الحية التي تقضم ذيلها

قبضوا على كمال خليل.

كان كمال خليل، ومازال، شجاعًا؛ كتب علانية على صفحته في فيسبوك عن دعوة للنزول في يوم الجمعة من المساجد وإلى الميادين، دفاعًا عن مصرية الجزيرتين

كنت في ندوة نقابة المهن التمثيلية عن اتفاقية ترسيم الحدود المشؤومة، وتسليم تيران وصنافير للسعودية. قال الرجل بأسلوب هادئ إن الدعوة العلنية للتظاهر في ميعاد ومكان بعينه أضحت أشبه بالفخ، وإنه يعتقد أن ما يفعله"شباب الثورة"-الرجل من ثوار السبعينات- هو المهم فعلًا: التجمع في فيصل والتوفيقية فجأة وإرباك الأمن.

لم استطع تحديد عما كان يقصد عشوائية مبررة أو اتفاق متكتم. وفيما بدا كتأمين فوري على ما قاله، ذكر المحامي الحقوقي والمرشح المحتمل لانتخابات رئاسة الجمهورية خالد علي بعده بلحظات قليلة أن هناك أنباءً عن مسيرة في الجيزة، لا يعرفون أين بالتحديد، ولكنها تحدث الآن، بينما هو يواصل حديثه.

كان كمال خليل، ومازال، شجاعًا؛ هو الوحيد الذي كتب علانية على صفحته في فيسبوك عن دعوة للنزول في يوم الجمعة من المساجد وإلى الميادين، دفاعًا عن مصرية الجزيرتين، دفاعًا عن حق وطني، "التهمة"التي واجهته بها النيابة، نزولًا على "تحريات" مباحث الانترنت.

أقر الرجل بشجاعة اخرى انه كتب ما عرض عليه، ولكن المحقق فاجأة بالسؤال عن هوية رمزي الذي كتب عنه في (ستايتس) فيسبوك "اعتصام رمزي".

بالطبع هي نكتة لفت ارجاء فيسبوك، نكتة حقيقية في متوالية نكات سوداء نعيش فيها جميعًا، ولكن ما استرعى انتباهي هو ما كٌتب عن واقعة قديمة، في السبعينيات، تشبه هذه النكتة حد التطابق: غالب هلسا، الأردني الذي صار مصريًا لدرجة الاعتقال، حكى أثناء اعتقاله، عن عامل مصنع أبو زعبل للزيوت في الإسكندرية، وكمية الضرب الذي تعرض له للاعتراف عن هوية "أبو زعبل" الذي يعمل معه.

في الستينات أبو زعبل، وفي الألفينات رمزي. في الخمسينات تحالف ثم سحق للإخوان، وفي الألفينات تحالف ثم سحق للإخوان، ثم، وبربك، هم يعتقلون ثوار السبعينيات الآن.

لم يتوقف الأمر عند هذا، بل إن هناك من اتهم كمال خليل بـ"قلة الأدب"، صحيح أن النيابة وجهت إليه تهمة إهانة الرئيس، لكن من اتهموه بقلة الأدب هم من "المعارضة" أو هي بحذف النقطة. جعلني هذا أفكر في اللقب الأثير الذي أطلقه السادات على معارضيه في السبعينيات: "الأراذل".

سيبقى كمال خليل شجاعًا، وسنبقى أوفياء، وستبقى العساكر، وسيبقى الشيوخ، وسيبقى الشباب، وسيبقى هيكل وسيبقى إبراهيم الجارحي

حية تلتف حول نفسها، لتقضم ذيلها.

الآن نحن في سحق الاخوان، ثم يجيء رئيس ما (دعكم من التشاؤم يا رفاق، سيأتي يوم ما رئيس ما)، ليطلق المعتقلين من التيارات السياسية كافة، لنقول نحن—إن اعطانا الله وإياكم طولة العمر— إنه قد أطلق الإخوان وأعطاهم قبلة الحياة، وبالطبع ربما سيساعدهم لا في مواجهة الشيوعيين واليساريين، بل ربما في مواجهة حزب النور.

لن أمد الخط على استقامته، لكن في انهزام ثورة مصدق كان مخاض ثورة الخميني.

سيبقى كمال خليل شجاعًا، وسنبقى أوفياء، وستبقى العساكر، وسيبقى الشيوخ، وسيبقى الشباب، وسيبقى هيكل وسيبقى إبراهيم الجارحي، سنبقى نحن، وسيبقون هم، وربما هذه هي المشكلة، بحلوها ومرها، ثم تأتي الفاجعة، في افتراض أن الحل يكمن في قنبلة نووية مزروعة بحذق في ثنايا الشرابية أو دار السلام، لتأكل الحية جسدها أخيرًا، لا أن تعقره فحسب.

قبضوا على كمال خليل، وعاد ابراهيم سعدة للكتابة.