هذا المساء.. لعبة الحب وأشياء أخرى

يبدو أن ما يجمع كلا من أكرم وسمير وهما يتنقلان بين العالمين هو وقوفهما متلصصين على حافة الحياة. بينما يبحث أكرم عن اللذة بشروطه هو، يقف سمير متفرجًا على لذات الآخرين.

"اللي مالوش في اللعب ما يلعبش".

ينسج لنا مسلسل "هذا المساء" خيوطًا سحرية لعالمين متوازيين؛ عالم الأعمال/المجتمع الأزرق٬ وعالم الحي الشعبي/الحارة والمسمط، الذي يتسلل إليه أكرم للتعرف على مباهج الحياة٬ من خلال سمير السائق وعائلته وأصدقائه. ينكشف لنا تدريجيًا بحث أكرم عن اللذة الضائعة في مجتمعه الأزرق، حيث كل شيء مرسوم ومخطط في حياته التي تبدو في أفضل حال سواء من جهة الوظيفة المرموقة٬ التي لا نفهم ماهيتها تحديدًا لكن نفهم أنه وصل توًا الى أعلى السلم الذي صعده عبر اجتهاد الطبقة الوسطى/الوسطى العليا من أوله٬ أو الزوجة الفاتنة ابنة رئيسه في العمل٬ والأسرة ذات الصورة المثالية التي لا توحي بانهيار علاقته الحميمية بزوجته.

يوم يحصل أكرم على المنصب الأعلى في الشركة يبدو أن ما يشغله حقًا هو مهاراته في لعب الكرة. مشاهد لعب الكرة في الحلقات الأولى توحي لنا كيف يريد أكرم لعب الكرة بشروطه٬ حتى وهو "مالوش فيها". لا نفهم سوى قرب نهاية المسلسل مغزى جملة دَوَت في ملعب الكرة في الحلقة الأولى: "اللي مالوش في اللعب ما يلعبش".

يبدو أن ما يجمع كلا من أكرم وسمير وهما يتنقلان بين العالمين هو وقوفهما متلصصين على حافة الحياة. بينما يبحث أكرم عن اللذة بشروطه هو، يقف سمير متفرجًا على لذات الآخرين، دون أن يجرؤ على انتزاع مساحة له وسط مباهج الحياة. وفي حين يشعر أكرم أن كل شيء هو حق له طالما اتبع بعض الشروط٬ يبدو سمير مسكونًا بعقدة ذنب أبدية بسبب نقطة ضعف/ مرض أدت لإلحاق الأذى بصديقه حامد وزوجته القتيلة ونور.

يبدو كلا من أكرم وسمير "مالهمش في اللعب".

تدريجيًا نتعرف على شخصيات العالمين الذين بديا حتى الحلقات الأخيرة لا رابط بينهما سوى شخص أكرم ورحلته في البحث عن اللذة المفقودة، الا أنه بمهارة وحساسية وبلا أي افتعال ينجح صانعو المسلسل في نسج تضافر بين العالمين بشكل كاشف لشخصيات العالمين والتناقضات داخل كل منهما وبينهما.

مع الانهيار المكتوم لعلاقته بزوجته، يقع أكرم في حب عبلة وما تقدمه من طعم مختلف للحياة. تُظهر لنا مشاهد تتبع أكرم لعبلة في ضريح السيدة نفيسة وزيارة أهلها في المقابر زاوية غير مألوفة لرومانسية تمتزج بروحانية تبدو غائبة تمامًا في المجتمع الأزرق.

أكرم وعبلة

أكرم مثله مثل سوني محروم من الحب غير المشروط الذي تمنحه أسرة دافئة أو شخص فائض الحنان مثل عبلة. بينما يبدو سوني أكثر تفتحًا من شريف شقيق أكرم في تسامحه مع شرط العذرية في الفتاة التي يمكن أن يتزوجها. سوني يفهم أن تقى ليست أم عبير وليست مروة، بينما شريف لا يفهم أن سارة الفتاة المتحفظة يمكن أيضًا أن يكون لها ماضٍ كحبيبته التي تركها لأنه لا يستطيع التصالح مع حقيقة أنه "مش أول واحد".

بين العالمين٬ يقدم لنا المسلسل أفكارًا طازجة حول مفاهيم المجتمع للشرف والخيانة.

"الخيانة ما تبقاش خيانة غير لو الست عرفت".

هكذا قال حازم مذيع البرنامج الجماهيري الشهير الذى توسمت فيه تقى مساندتها في مشكلتها، ولكنه اتهمها بأنها هي التي "فضحت نفسها" في مجتمع شرقي متحفظ. حازم لا يرى مشكلة في أن يخون هو زوجته مع سارة، أو أن يخون أكرم نايلة من باب "العط"، لكنه يرى في زواج أكرم من عبلة صاحبة المسمط على "نايلة هانم" جريمة لا تغتفر.

أكرم أيضا لا يرى غضاضة في خيانته طالما أنه خان زوجته في إطار زواج شرعي بينما كل أصدقائه يخونون زوجاتهم خارج ذلك الإطار الشرعي، وطالما أن لا شيء أضر بحياتهما مثالية الشكل وذات الصورة البراقة. لا نعرف على وجه التحديد ما إذا كانت نايلة أيضًا قد خانته٬ ولكننا نعرف أنها في انتقامها لكرامتها لم تجد غضاضة في الكذب عليه وإلحاق الأذى به ببرود كريه. نعرف أيضًا أن مستر كامل والد نايلة أمكنه الإفلات بما لم يتمكن أكرم من الإفلات به من خيانات، ربما لأنه كان أغنى وأقوى وأكثر نفوذًا. خلال محاولاته المستميتة للدفاع عن حياته المرسومة ومكتسباته في المجتمع الأزرق بعد أن انكشفت علاقته بعبلة، يبدو أكرم كأنه يحاول أن يحاكي نموذج والد زوجته في المجتمع الأزرق لكنه يفشل.

مع اقتراب نهاية المسلسل يغرق العالم الأزرق في الشك والكذب والألاعيب بينما تتكاثف المواجهات وتنكشف الحقائق في عالم الحي الشعبي حتى تصل الى ذروتها في مشاهد التطهر. يكشف سوني –في أحد أروع مشاهد الدراما كتابة وأداء- عن غيرته من سمير "أيوة بغير.. بس بحُب"، يبدو لنا سوني دائمًا الأكثر تصالحًا مع نقائصه وتناقضاته بل ومع شره. ففي الوقت الذى كان يحيك فيه الأذى لسمير على قدم وساق٬ كان على استعداد لافتداء تريكة بروحه. يقدم لنا المسلسل أيضًا تصالحًا غير مألوفًا مع استخدام الشر، إذ كيف كان يمكن مواجهة فياض وتهديداته دون استخدام نفس سلاحه؟

"مفيش حد فينا مابيغلطش..كلنا بنغلط ولازم نسامح"


يمنحنا تامر محسن انشراحًا حين يسامح سمير نفسه وتسامح تقى نفسها ويسامحان بعضهما. يمنح الحب تقى قوة البوح، ويمنح البوح سمير قوة الخروج من على حافة الحياة إلى قلب الملعب حين يواجه حازم في برنامجه على الهواء دفاعًا عن تقى. بينما يضع نهاية منطقية لقصة أكرم وعبلة التي لم يكن يمكن أن تعيش بشروط أكرم وحساباته في اللعب.

وفضلًا عن طزاجة الأفكار والشخصيات والعلاقات، قدم لنا صانعو المسلسل اختيارات موسيقية مرهفة على ألفتها٬ وصور بصرية مبهرة على بساطتها. كان استخدام الألوان والإضاءة -الزرقاء في المجتمع الأزرق والبرتقالية والحمراء في الحي الشعبي- هو البطل. بدا كل شيء في العمل حيًا وحقيقيًا بشكل جعل متابعوه يعيشون مع قصص الأبطال كما لو كانت تحدث حقيقة. كما أهدانا محمد فريد وتامر محسن وفريق العمل إتقانًا لم نعهده سابقًا في البناء الدرامي وتفاصيل الشخصيات وربط بداية المسلسل بنهايته، وجملًا حوارية ستعلق بوجدان مشاهدي المسلسل طويلًا.