كيف تخوض رحلتك مع الاكتئاب؟

في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، دخلت عيادة الطبيب النفسي لأول مرة، وخرجت وأنا أعرف تشخيصي، فأنا أمر بالاكتئاب. وأكثر ما علَق في ذهني بعد الزيارة الأولى جملة قالها الطبيب بعدما استرسلت في الحديث حول ما أشعر به: "إزاي عايش والغضب دا كله جواك؟"

انتهت الزيارة، وانتهى نوفمبر، ومرت شهور على رحلة التعافي التي خضتها برفقة طبيبي، والتي بدأت بزيارت متواصلة مكثفة، ثم زيارات متباعدة بعد تحسن حالتي. لم أشف تمامًا ولكني على الأقل لم أعد مصدر تهديد لحياتي.

في بداية جلساتي مع طبيبي كنت قلقًا للغاية من أن أروي أسراري وأكشف ضعفي ومخاوفي لشخص لا أعرفه، لكن الطبيب استطاع أن يستوعب مخاوفي وأن يحصل على ثقتي من الزيارات الأولى.

أخبرته أنني قلق من فكرة أنه يسجل الجلسة دون علمي، على طريقة خالد الصاوي في فيلم "كدا رضا"، واستقبل هذا التخوف بابتسامة، ودعاني لتفتيش الغرفة إذا كان ذلك سيجعلني أكثر ارتياحًا. كانت الجلسة وما تتضمنه من حكيّ تجعلني أكثر حيوية، وبعد الجلسات كنت أشعر بحماس كبير.

ولكن ظل أصعب شي هو الالتزام بالعلاج الدوائي، خاصة أنني اعتقدت فترة أن الدواء يقيدني ويغير من طبيعتي، ويجعلني أرى الدنيا أجمل. وربما يرجع ذلك إلى أنني كنت مقتنعًا أن الدواء يذكرني بأنني ناقص، وأنني من دونه لا أقوى على شيء.

كان رد الطبيب على ترددي من العلاج الدوائي هو قوله إنه لا ينفصل عن العلاج بالحوار، قاومت هذه الفكرة لبعض الوقت، لاعتقادي أن الاكتئاب نابع من عدم رضاي عما يحدث حولي، ولا علاقة لجسدي بالأمر، ولكني اكتشفت بعد ذلك خطئي، وذلك بعد صبر شديد من الطبيب.

كانت أهم الأسباب التي قادتني إلى الاكتئاب هي الضغوط الدراسية، ورغم أنني استطعت التعامل مع الضغوط الكبيرة التي مثلتها الثانوية العامة، إلا أن ضغوط الجامعة كانت أثقل. التحقت بكلية الهندسة بإحدى الجامعات الخاصة، وأصبحت طالبًا مثقلًا بالواجبات والمشاريع والتسليمات. والذي يزيد الضغوط هو طريقة تعامل الأساتذة الجامعيين معك، والذين يشعرك بعضهم أنهم يتصدقون عليك بعلمهم، وبسب الضغوط الدراسية والأوضاع العامة السيئة وأسبابي الشخصية تهاويت في حفرة الاكتئاب.

ولأنني تخلفت عن أحد الامتحانات، وطلبت إعادة الفرصة لدخوله، طُلِب مني أن أتوجه إلى طبيب الجامعة للحصول على عذر طبي، كان من المعروف عن الطبيب بأنه غير ودود وغير متعاون مع الطلبة. ذهبت ومعي الأوراق التي كتبها طبيبي المعالج، واستمرت المقابلة ربع ساعة، كانت مقابلة باردة وجافة، واقتصر حديثه على الطرق التقليدية لتجاوز الاكتئاب، وهي إنكار وجود المشكلة والتعامل وكأن كل شيء على ما يرام، وأنه عليّ أن أكون أقوى وأواجه مشكلاتي. وفي نهاية الحديث سألني "هل تصلي؟"

في تلك اللحظة عرفت أن الحوار مضيعة للوقت، وأنني أواجه أشهر كليشيه عن الأمراض النفسية في مصر، وهو أن سببه عدم الصلاة أو الابتعاد عن الله. خرجت وأنا مثقل بالمزيد من الضغوط، كانت هذه أول مرة أواجه هذا الكليشيه مباشرة، وهو كليشيه يَحرِم الكثيرين من العلاج النفسي، ويجعل بعض أهالي المرضى يلجأون للدجالين لمحاولة علاج ذويهم.

على الرغم من خطورة مرض الاكتئاب إلا أنه لا يحظى باهتمام كاف، و يتم تجاهله بشكل كامل في مصر، رغم وجود حوالي مليون ونصف مريض بالاكتئاب في مصر. ولكن معظم مرضى الاكتئاب في مصر لا يحصلون على المساعدة خوفًا من أحكام البعض، ونتيجة لعدم وجود المعرفة الكافية، وهذا يجعلهم غير قادرين على إنجاز أبسط الأعمال اليومية.

وكشخص يتعافى من الاكتئاب، فهذه هي نصائحي في التعامل مع المرض:

1. اذهب إلى طبيب فورًا

عندما تشعر بتزايد الضغوط حولك، وعندما تشعر بأنك تتجه للانعزال وفقدان الاهتمام بالأشياء التي كنت تحبها، توجه فورًا إلى طبيب ليساعدك مبكرًا. الاكتئاب مثل الأمراض الجسدية، كلما اُكتشِف مبكرًا كلما زادت فرص تحسن المريض.

2. اختر الطبيب الذي سيساعدك حقًا

زرت ثلاثة أطباء نفسيين، أولهم أخصائي، ورغم ارتياحي معه ذهبت لطبيبين آخرين بسبب طلب الأهل ثم الكلية، كان الطبيبان الأخيران أستاذين في قسم الطب النفسي بالجامعة، ولكن لم أشعر بالارتياح معهما، رغم أنهما أكثر خبرة وحاصلان على العديد من الشهادات.

بالتالي لا تجعل الشهادات والألقاب هي من تتحكم في اختيار الطبيب الذي سيشاركك الحرب على الاكتئاب.

3. اطلب المساندة ممن تثق بهم

كلنا في حاجة لمن نستند إليهم، وهذا لا يعني أنك شخص ضعيف، ولكنه يعني إنك إنسان عادي يحتاج المساعدة مثل كل البشر، بالتالي لا تتردد في طلب المساندة من الأشخاص الذين تحبهم وتثق فيهم.

4. الاكتئاب ليس عارًا

الاكتئاب مرض مثل غيره من الأمراض، فإذا أصابك لا يعني ذلك أنك أقل من الآخرين. أنت فقط تحارب وحشًا وسوف تتغلب عليه، وستجعلك هذه التجربة شخصًا أفضل، وربما ستمد يدك لمساعدة من يخوضون حروبهم مع الاكتئاب.

5. لا تستسلم أبدًا

الاكتئاب خصم شرس، سيكرر تسديد ضرباته لك، وسيحاول إقناعك بالاستسلام، (قد يصل الأمر بأن يصوّر لك أن الانتحار هو الحل الوحيد). لا تعطه هذه الفرصة، وتذكر دومًا الأشخاص الذين يحبونك بصدق.

6. قاتل قدر المستطاع

أثناء هجومه، سيحاول الاكتئاب أن ينتصر بأي معركة، سيحاول أن يجعلك أسير غرفتك، ويمنعك من التواصل مع أحد. عليك أن تواجه ذلك بقدر استطاعتك، وأن تمارس نشاطاتك المعتادة بقدر الإمكان، وخاصة النشاطات التي تجعلك سعيدًا.

7. قم بما تحلم به

أنت مثل الجميع لديك أحلامك وطموحاتك، وكثيرًا ما تقيدنا مخاوفنا من تحقيق تلك الأحلام. السعي في تحقيق أحلامك حتى لو بخطوات صغيرة سيساعدك على محاربة الاكتئاب.

بالنسبة لي كانت الكتابة من ضمن أحلامي، وطالما كنت خائفًا من الفشل فيها، ولكني مع الوقت بدأت أكتب وبدأت مقالاتي تُنشَر، مما جعلني أكثر سعادة.

8. إياك أن تصدق هؤلاء

ثقافة الصحة النفسية غائبة في مصر، وبالنسبة لمعظم الناس فطالما حصلت على المأكل والمشرب والملبس والمسكن، ولا تعاني من أمراض عضوية، فأنت في حال ممتازة، أما الاكتئاب فهو وهم في خيالك، أو "دلع"، أو محاولة لاكتساب تعاطف الناس وطلب المزيد من العناية.

لا تدع هؤلاء يسقطونك في هاوية الشعور بالذنب، لأن هذا سيزيد من صعوبك التعامل مع المرض. تذكر أن الاكتئاب مرض نفسي وعضوي، واستمر في رحلة علاجك.

9. أما هؤلاء فلا يخدعونك

هناك الكثير من الأمور الطيبة في العالم، التي تستحق أن تقاتل من أجلها، سيجعلك الاكتئاب غارقًا في الظلام، ستشعر أن لا شيء يستحق الحياة، وأنك بلا أصدقاء، ولكن الحقيقة ستجد العديد من الناس الذين سيساعدونك.

بالنسبة لي كان هناك الطبيب الذي ساندني طوال الوقت، وأستاذتي في الجامعة التي داومت على الاتصال بي لتطمئن عليّ.

هناك دومًا أشخاص يسعون لجعل العالم مكانًا أفضل، وبمقاومتك للاكتئاب يمكن أن تتحول لشخص منهم، يحاول أن يرى كل ما هو طيب في العالم.