مُطرانية مغاغة والعدوة بمحافظة المنيا- تصوير: صفاء سرور

القاهرة- المنيا وبالعكس.. رحلة بحثٍ عن منفذٍ للمواطنة

"محتاجين نفهم ليه المُجتمع المصري فيه طائفية؟ وليه في المنيا بالذات؟ وليه فيه مُشكلات تتعلق بالمواطنة؟ وفيه انتقاص لحقوق مواطنين؟" رامي صبري أحد مُنسقي قافلة المنيا.

من قلب القاهرة وفي ساعة مُبكرة من صباح الجمعة الماضية، انطلقت الحافلة على الطريق المؤدي إلى صعيد البلاد برُكّابها الذين بالكاد تجاوز عددهم أصابع اليدين، نحو محافظة المنيا التي صارت في الأعوام الأخيرة محلاً للاضطرابات وأحداث العُنف الطائفي.

على كل اختلافاتهم، اجتمع المسافرون العشرة على تحقيق هدفين من الزيارة، أولهما تقديم العزاء والمواساة لأهالي ضحايا حادث دير الأنبا صموئيل المُعتَرف، عندما استهدف مسلحون تابعون لتنظيم الدولة الإسلامية حافلة تابعة للكنيسة معظم ركابها من الأطفال، في أواخر مايو/أيار الماضي، ما أسفر عن مقتل 28 شخصًا- بينهم طفلين، وثانيهما العمل على التعريف بالمواطنة ومحاولة تفعيلها ونشرها بين الناس، كحق دستوري.

وردت "المواطنة" في مُفتتح الدستور المصري 2014، باعتبارها أساس تقوم عليه الدولة، وتعني المساواة بين المواطنين أمام القانون في الحقوق والواجبات، دون تفرقة بينهم لأي سبب كان، سواء عقائدي أو عرقي أو نوعي أو أيديولوجي، أو أي سبب آخر، وهو ما ورد في المادة 53 من الدستور نفسه.

إلى دير الجرنوس

قرابة الساعة الحادية عشرة، وصلت الحافلة إلى وجهتها الأولى، مُطرانية مغاغة والعدوة، المبنى الضخم بمُلحقاته الموزّعة على شارع رئيسي، دون فواصل عن البيوت المحيطة إلا بقدر ما فرضته الإجراءات الأمنية، وبصورة لم تؤثر على الأسر التي حرصت على حضور القُدّاس الصباحي.

في المطرانية، وجد الوفد القاهري بجانب حفاوة الاستقبال، حضور الضحايا بملصقات تحمل صورهم، لم تجد لنفسها مساحة في باحة المطرانية فحسب، بل على جدران مبانيها الداخلية، وفي أيادي عامليها، الذين أهدوا بعضها للزائرين.

أحد هؤلاء العُمال هو صموئيل قاعود، الذي قضى خمسة عشر عامًا في خدمة المطرانية، "أنا اللي بجهز كل حاجة للقداسات، وكمان مُشرف عًمال"، يقول الرجل لـ"المنصّة" بعد أن فرغ من توزيع صور الضحايا على الزوار.

بعد استراحة قصيرة في المُطرانية، رافق "قاعود" الزوار إلى وجهتهم الثانية، قرية دير الجرنوس، مسقط رأس غالبية الضحايا.

في الطريق، كان خادم الدير قليل الكلام إلا من عبارات الترحيب ووصف الوجهة للسائق. فقط يبتسم ويُرحب، إلى أن سئل عن الضحايا، فحكى نبذات قصيرة عن كل واحد فيهم، لكن بعبارات تبديه وكأنه كان لهم صديقًا "ده كان هيتجوز في شهر 9... أما ده فكان في ثانوية عامة علمي.. وده كان..." يقول "قاعود" وهو يُشير إلى وجوه مُكللة بتيجان ذهبية، أدنى كل واحد منها اسم يسبقه لقب الشهيد أو الشهيدة.

لافتة شهداء دير الأنبا صموئيل تجاور صورة للبابا شنودة في باحة مطرانية مغاغة- تصوير: صفاء سرور

بين بيوت معظمها تزين أبوابها بصور للعذراء مريم، تقع كنيسة العائلة المُقدسة بقرية دير الجرنوس ذات الأغلبية المسيحية. وفيها سلّمنا صموئيل لقساوسة لم يشغلهم عن الوفد القاهري فعاليات "مدارس الأحد"، التي تصادف تنظيمها وقت الزيارة.

وسط جلبة الأطفال الذين كانوا يتفاعلون مع عرض عرائس، بينما بقية أقرانهم يلعبون في ساحة الكنيسة، وقف القس متّى يشرح للزوار تاريخهاالذي يعود للقرن الرابع عشر، متجولاً بهم بين أركانها التي ينُم بعض منها عن حاجتها للترميم، وذلك بعد حوالي ساعة قضاها الوفد مع عدد من أهالي الضحايا، لم تقتصر على المواساة فقط، بل وامتدت في جلسات بعضها ثنائي والآخر جماعي، للحديث عن سُبل تعامل الأهالي المسيحيين مع الأوضاع غير المُستقرة، وإرشادهم لكيفية المطالبة بحقوقهم، ومن أي الجهات وبأي وسيلة، في تبسيط لفكرة المواطنة.

"الهدف الأساسي من الزيارة هو توصيل رسالة للناس (أهالي الضحايا)، إنهم مش لوحدهم، وإن فيه ناس غير تابعين للحكومة أو الكنيسة جايين يزوروهم، وإن العمل الميداني غير متركز على هاتين الجهتين فقط، ﻷ من المجتمع المدني، علشان الوضع ده (التمييز والعنف الطائفي) مايفضلش مُستمر"، يقول الدكتور رامي صبري، أحد مُنظمي القافلة، لـ"المنصّة"، عن القافلة التي يُفترض أن يتبعها ورش عمل لتأطير مُبادرة المواطنة، حتى تؤتي ثمارها.

دقائق مع الأنبا مكاريوس

عاد الوفد من دير الجرنوس إلى مغاغة، للقاء أسرة الشقيقين جرجس وكيرلس محروس، وهما من ضحايا الهجوم، ومنها إلى مدينة المنيا، وعلى بُعد خطوات من كورنيش المدينة، اتجه الزائرون إلى مقر مطرانية المنيا وأبوقرقاص، للقاء أسقفها العام الأنبا مكاريوس.

وفي اللقاء السريع، كان الحديث عن إشكاليات الجلسات العرفية التالية على الاعتداءات الطائفية، والتي لا تلق قبولاً في أوساط القوى المدنية، باعتبارها تُهدر مبدأ المواطنة، ما دفع عدد من المشاركين في الوفد لشُكر الأنبا على مقاطعته ﻷحداها، والتي انعقدت بعد الاعتداء على سيدة الكرم.

ودار خلال لقاء الأنبا والوفد، نقاش حول سبل مُساهمة القوى المدنية في القضاء على الإرهاب، وخلالها أكد الأنبا ضرورة التفريق بين الأجهزة والسلطات وبين الدولة "الوطن"، كما تطرق للوضع المخيف الذي تعيشه المحافظة.

وشهدت المنيا، في عامين أو أقل، أحداث طائفية وإرهابية تستهدف مسيحيين، كان أبرزها تعرية سيدة الكرم، والاعتداء على مسيحيين في كوم اللوفي بسبب أدائهم الصلاة، وأخيرًا حادث دير الأنبا صموئيل".

"محتاجين نفهم ليه فيه مُشكلات تتعلق بالمواطنة؟ وفيه انتقاص لحقوق مواطنين؟ والسياق الحالي لعملنا هو مشكلة الطائفية، التي فجّرتها حوادث متكررة مثل التهجير والإرهاب والقتل على الهوية"، يقول "صبري" الذي سبق وأن شارك مع عدد من شباب القوى المدنية، سواء الحزبيين أو المستقلين، في قافلة إعاشة للنازحين قسريًا من شمال سيناء، "جزء من المُشاركين في القافلة خرجوا بفكرة وجود مبادرة مستمرة، للعمل على فكرة المواطنة ونشرها".

اقرأ أيضًا: البيوت وجهاز البنات.. مسيحيو العريش النازحون يبكون شقا العُمر

بعد قافلة العريش، أطلق شباب المبادرة، التي لاتزال "حالة" أكثر منها حراكًا تنظيميًا على حد وصف "صبري"، قافلة لحضور أربعين ضحايا "أحد الشعانين" بالأسكندرية، نظموا بعدها فيما بينهم حلقة نقاشية عن المواطنة والطائفية، كخطوة لوضع أُطر للمبادرة.

تأمين جبري

في تمام الثامنة مساءً غادرت الحافلة مقر مطرانية المنيا وأبوقرقاص، في رحلة إياب للقاهرة لم تكن بسلاسة مغادرتها، إذ فوجئ الوفد بسيارة شرطة فرضت عليه إجراءات أمنية، صارت مؤخرًا أمرًا مُتّبعًا مع الرحلات الكنسية.

أعضاء القافلة عقب لقائهم الأنبا مكاريوس- تصوير: صفاء سرور

تعطلت الحافلة في رحلة الإياب أكثر من مرّة، على الرغم من مسارها الذي لم يكن إلا طريق شبه خالٍ بين الجبال.

وكان العامل الرئيس في اتعطل الرحلة هو الوحدات الأمنية، التي غاب عنها التنسيق، وهو ما بدا أثره جليًا عند بوابات محافظة المنيا "الكارتة"، حيث توقفت الحافلة بناءً على طلب وحدة التأمين المُرافقة لها، التي أكدت انتهاء زمام عملها، وضرورة انتظار المسافرين في هذا النقطة، حتى تتسلمها وحدة أخرى ستأتي من محافظة بني سويف.

بعد اتصالات بين الوحدات وبعضها، تخللّها وصف أحدهم لتأمين الرحلة بأنها "مُهمة دينية"، ومفاوضات من الوفد للمغادرة، نجح الأخير في التحرك من آخر نقطة في المنيا على أن ننتظر وحدة التأمين الجديدة في نقطة مُحددة، حين بلغتها الحافلة لم تجد أحدًا.

وعلى هذا المنوال، وباتصالات ووصف تفصيلي لنقاط مرور الحافلة، واتفاق على لقاء النقاط الأمنية في أماكن مُحددة، لم يُنَفّذ أغلبها، سارت رحلة العودة بطيئة، حتى وصلت وجهتها النهائية في القاهرة.