صراع العروش | العدو قادم من شمال الشمال

سنو ودينيريس لا يكتفيان بالتأقلم مع الهامش بل يتعلمان منه أيضًا. وحين تقول ياجريت وتعيد لسنو "أنت لا تعرف شيئًا يا جون سنو"، فهي تنبه الشخص القادم من المركز بأن أفكاره عن الهامش قاصرة، وبالتالي أفكاره العامة عن الحياة قاصرة.

"الشتاء هنا".

هذا هو العنوان والهاجس الأساسي الآن في مسلسل "صراع العروش"، وخاصة في الموسم الجديد، بعد أن كان الهاجس هو شعار عائلة ستارك "الشتاء قادم"، وهو اسم أول حلقة في الموسم الأول من المسلسل. ومثلما يقول جورج ر. ر. مارتن في رواية "أغنية الجليد والنار" فكل عائلات السبع ممالك لديها شعارات حماسية لتحفيز أفراد العائلة أو وصفية لإظهار فرادة العائلة عن بقية العائلات، باستثناء عائلة ستارك والتي يحمل شعارها غموضًا وترقبًا، هذا الذي يشير إلى أنها العائلة المنوط بها صد تهديدات الشمال، سواء تهديد وايلدينجز، أو التهديدات المحتملة والمجهولة الأخرى، وأبرزها تهديد الوايت ووكرز.


ولكن ما الذي يهدد عالمنا الواقعي المعاصر، هذا القادم أيضًا من الشمال، والذي يتسبب في برودة مستمرة، والذي إذا لمس شخصًا يحوله إلى ثلج ويتفتت بعدها؟ إنه التهديد الذي اُصطلح على تسميته بـ "التغير المناخي"، والذي يؤدي إلى جعل المناخ مضطربًا، حيث الصيف أكثر حرارة والشتاء أكثر برودة. وإذا كانت كل مواسم المسلسل تُعرض في فصل الصيف، إلا أن حرارة الصيف التي ترتفع عامًا بعد عام تذكرنا بأن الشتاء أيضًا تنخفض حرارته عامًا بعد عام، فندرك خطورة الموقف الذي نعيش فيه، وأنه يهددنا جميعًا ويهدد مستقبل البشرية، ويهدد قارات عالمنا الواقعي السبع، مثلما يهدد ممالك عالم "صراع العروش" السبع.

أبوكاليبس وأبوكاليبتو

الحكام في عالمنا الواقعي – مثلهم مثل حكام "صراع العروش" - لا يهتمون كثيرًا بمستقبل البشرية، وبالتالي لا يهتمون بالتغير المناخي أو غيره من الأخطار المتربصة بالإنسان، فما يهمهم فقط هو الحاضر. ما يهمهم هو مصالحهم في هذه اللحظة، والمكاسب التي يجنونها من المصانع والمزارع والمنتجات التي يتسبب صنعها في زيادة خطر التغير المناخي، ذلك الذي يقربنا أكثر من نهاية العالم ونهاية البشرية أو ما يعرف بـ" أبوكاليبس apocalypse".

ومثل فيلم "أبوكاليبتو Apocalypto" 2006 للمخرج ميل جيبسون، أو مسرحية "أهلًا يا بكوات" للمؤلف لينين الرملي، يجعلنا مارتن نعيش مع الشخصيات في مرحلة ما قبل الكارثة مباشرة. فإذا كانت الكارثة في فيلم ميل جيبسون هي الاحتلال الأوروبي لقارة أمريكا، وفي مسرحية لينين الرملي هي احتلال فرنسا لمصر، فإن الكارثة في رواية/ مسلسل مارتن هي الوايت ووكرز، وما يرمزون إليه من تغير مناخي. وفي هذه الأعمال الثلاثة نشهد حالة من الصراع بين كل شخصيات العمل من أجل السلطة والمال وغيرهما، أو باختصار من أجل المِلكية، وهو ما يحيلنا إلى الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز، والذي يرى أن المِلكية هي السبب الأساسي لاختراع الإنسان لفكرة الدولة (أو ما أطلق عليه اسم اللفياثان)، من أجل ضمان الحفاظ على ممتلكاته وعلى نفسه، ولكن الشخصيات في هذه الأعمال تنسى أو تتناسى في خضم هذه الصراعات الداخلية أن وجودها مهدد من قبل قوة أكبر منا، وهو ما يتطلب اتحاد كل العائلات والممالك السبع لوقف هذا التهديد القادر على إبادة الجميع.

والجميع هنا مقصود به جميع الناس في عالم جورج مارتن وجميع الناس في عالمنا الواقعي. كل الإنسانية يجب أن تتحد من أجل وقف هذا التهديد الذي تسببنا نحن البشر فيه والذي نتحمل مسؤوليته وحدنا.

عصر نسبية التليفزيون

المسلسل مكتوب بوعي معاصر، وعي يدرك تمامًا أن الأطفال والشباب اليوم يفكرون بهذه الطريقة، وعي الطفل الذي يلعب GTA مثلًا، ويمارس من خلال اللعبة السرقة والضرب والقتل بدون أي سبب سوى أن له مطلق الحرية في فعل ذلك.

أهمية مسلسل "صراع العروش"، وأصله رواية "أغنية الجليد والنار"، تكمن في أنه استطاع أن يقضي على النمط المعتاد المقدم والغالب على وسيط التلفزيون. والنمط المعتاد في التلفزيون هو أنه وسيط يعرض أعمالًا محافظة إلى حد كبير بسبب أنه يخاطب كل أفراد العائلة بسبب تواجده غرف ومنازل جميع الأسر. وتستند الأعمال المحافظة على سمات الأعمال الكلاسيكية إما رومانسية أو تراجيدية، حيث يغلب انتصار الخير على الشر في النهاية، وأن يعرف المشاهد "العظة" المراد توصيلها مرة واثنين أثناء العمل.

ولكن جورج ر. ر. مارتن ليس من هذا النوع الذي يكتب أعمالًا تقليدية كلاسيكية محافظة مثل أعمال جون ر. تولكين خاصة في "سيد الخواتم" أو أعمال ج. ك. رولينج خاصة "هاري بوتر" (وهذا ليس تقليلًا من شأن كاتبين عظيمين في أدب الملاحم، لكنه توصيف لأعمالهما). فجورج مارتن يكتب أعمالًا ما بعد حداثية، أعمالًا تتسم بالنسبية والتشكيك في كل شيء بداية من الدين والأخلاق مرورًا بالأفكار الكبرى/ الأيديولوجيات وحتى ماهية الخير والشر. وقبول التليفزيون لمثل هذه الأعمال وإقبال المتفرجين عليها يؤكد أن الوسيط يتطور وأن العالم والفكر يتطوران، خاصة أن التليفزيون ما زال - رغم منافسة الوسائط الأخرى – قادرُا على التأثير في الجموع.

سمات شخصيات مسلسل "صراع العروش" الرئيسية لا تتطابق أبدًا مع سمات شخصيات الأعمال الكلاسيكية، فجون سنو مثلًا ابن زنا، ودينيريس تارجيريان وسانسا ستارك امرأتان شابتان مهمشتان، وتيريون لانيستر قزم، وأريا ستارك فتاة صغيرة، وبران ستارك كسيح. بينما الشخصيات التي تتطابق تمامًا مع سمات رسم الشخصيات الرئيسية في الأعمال الكلاسيكية يتم التخلص منها بسهولة، ونيد ستارك مثال صارخ على ذلك.

ويمكننا اعتبار رؤية جورج مارتن ورسمه للشخصيات أكثر واقعية من الكثير من الأعمال التي يطلق عليها اسم الواقعية. فمثلما يقول الناقد الفرنسي أندريه بازان أنه لا توجد واقعية واحدة بل كل عمل فني يبحث عن واقعيته. فشخصيات الرواية والمسلسل تتسم بحالة من المزج بين كل الصفات في نفس الشخصية، فلا توجد شخصية خيرة أو شريرة، جميلة أو قبيحة، كلها شخصيات إنسانية من لحم ودم.

وفقًا للرؤية ما بعد الحداثية، يتصرف الإنسان حسب الظروف المحيطة، أي الظروف التاريخية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية، وأحيانًا ما يتصرف الإنسان بلا أي سبب ظاهر على الإطلاق. المسلسل مكتوب بوعي معاصر، وعي يدرك تمامًا أن الأطفال والشباب اليوم يفكرون بهذه الطريقة، وعي الطفل الذي يلعب GTA مثلًا، ويمارس من خلال اللعبة السرقة والضرب والقتل بدون أي سبب سوى أن له مطلق الحرية في فعل ذلك، كما هو الحال مع جوفري باراثيون، الذي يفعل أي شيء لمجرد أنه قادر على ذلك، ولأنه أصبح حاكمًا بعد وفاة روبرت باراثيون.


زواج جون سنو ودينيريس تارجيريان

رؤية جورج مارتن ما بعد الحداثية تتحد مع رؤيته البيئية في رسمه للعالم الجغرافي وشخصيات وأحداث "صراع العروش". فالشخصيتان الرئيسيتان في المسلسل وهما جون سنو ودينيريس تارجيريان تظهران منذ بداية المسلسل كشخصيتين منبوذتين من المركز، أو من قلب الممالك السبع، فتعيشان في الهامش. جون سنو يعيش في الحدود الشمالية مع الحرس الليلي، وجميعهم منبوذون من المجتمع بسبب جرائمهم، ودينيريس تارجيريان تعيش في الهامش مع قبيلة الدوثروكي التي يعتبرها المركز قبيلة متخلفية ووحشية وبربرية.

يحاول سنو ودينيريس طوال الوقت التأقلم مع الوضع الذي وجدا أنفسهما فيه، فيكونان جيشين من المنبوذين من الوايلدنجز في حالة سنو، ومن العبيد والبرابرة في حالة تارجيريان. إلا أن هذه الجيوش لا تستطيع بمفردها أن توقف التهديد القادم من الشمال، بل عليها أن تتحد من أجل التهديد الأكبر وهو النايت ووكرز.

يعيدنا هذا مرة أخرى إلى الفيلسوف توماس هوبز، حيث أهمية الاتحاد تحت مظلة حكم واحد من أجل ضمان المحافظة على النفوس والأملاك. وهي الفكرة التي تتطلب الإيمان والتسليم بأن الجميع متساوون وأنه لا فرق بين رجل وامرأة وإنسان معاق وغير معاق أو شخص من أصل ملكي وآخر ابن زنا. وهي الفكرة التي يؤكدها إعلان الاستقلال الأمريكي والذي كتبه الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون والذي يقول: "كل الناس خلقوا متساوين"، تلك الفكرة التي أسسها الفيلسوف الانجليزي جون لوك ثم كررها بعد ذلك مارتن لوثر كينج ليدمج ويؤكد أن الأمريكيين من أصول أفريقية يجب أن يندرجوا تحت مظلة هذا الشعار، وكررها من بعدهم النسويون كي يؤكدوا أن الناس في العالم ليسوا رجالًا فقط بل رجالًا ونساء متساوين في كل شيء، ويؤكدها أيضا جورج مارتن فيقول إن الجميع متساوون، في المركز وفي الهامش، الرجال والنساء، والأحرار والعبيد.

جون ودينيريس

سنو ودينيريس لا يكتفيان بالتأقلم مع الهامش بل يتعلمان منه أيضًا. لأنه مثلما لا يوجد هامش بدون مركز، لا يوجد مركز دون هامش. وحين تقول ياجريت وتعيد لسنو "أنت لا تعرف شيئًا يا جون سنو"، فهي تنبه الشخص القادم من المركز بأن أفكاره عن الهامش قاصرة، وبالتالي أفكاره العامة عن الحياة قاصرة، وأن عليه أن ينظر بعينيه الاثنتين - على المركز والهامش - ليرى بشكل أفضل.

على الرغم من أن الإنسان هو المسؤول عما وصلت إليه الأرض من خراب ودمار، إلا أنه أيضًا كائن مدرك لنفسه وللعالم من حوله. وبالتالي فواجبه نحو نفسه ونحو العالم هو أن يحافظ على الأرض، وأن يتحمل المسؤولية، وذلك بأن يؤمن أن العالم لم يخلق له وحده، وأن الهرم البيئي كذبة اخترعها الإنسان من أجل مصلحته المباشرة، وأن التكامل البيئي هو الحل للحفاظ على العالم من التهديد القريب.

فلنتحمل جميعًا المسؤولية، لأن "الشتاء قادم" لا محالة.