صورة مُجمّعة لما نشره الضابط هشام عتمان عن ياسمين النرش قبل حذفه.

حقِّق | نشطاء الشرطة يشعلون منصات التواصل

يتداول الناس في مصر قصة "سيدة المطار" التي تهجمت على ضابط شرطة داخل مطار القاهرة الدولي وقالت وزارة الداخلية لاحقًا إنها كانت تحمل معها مخدر الحشيش بغرض الاتجّار.

هذه القصة، التي تناولتها لاحقًا وسائل الإعلام، لم يكن بطلها ذلك الكيان الذي يشير له الإعلام بـ"نشطاء التواصل الاجتماعي" ملقيًا على كاهله مسؤولية إشعال فيسبوك وتويتر بأي من القضايا.

في هذه المرة بالذات، كان الناشط ضابطًا.

انفجرت قضية "سيدة المطار" عندما انتشرت 3 تسجيلات فيديو تظهر فيهم سيدة أربعينية تتحدث بشكل عنيف مع ضابط شرطة مصري داخل صالة سفر الطيران الداخلي بمطار القاهرة الدولي.

بدأ كل شيء في نحو الرابعة من مساء أمس الأحد، عندما نشر ضابط شرطة على صفحته الشخصية على فيسبوك تسجيلًا مصورًا لسيدة تتهجم على ضابط شرطة في مطار القاهرة، وانتهى بوسائل إعلام تتناول القضية التي أشعلها "النشطاء" على منصات التواصل الاجتماعي، وبين البداية والنهاية نشر الضابط عينه ثم أزال، صورًا شخصية للسيدة التي أصبحت متهمة، ورقم هاتفها.

كتب ضابط الشرطة هشام عتمان عندما نشر فيديو الواقعة التي أعلنت وزارة الداخلية بشكل رسمي حدوثها نهاية الشهر الماضي "بلاغ للنائب العام والسيد وزير الداخليه بالتحقيق في الواقعه اللي (التي) بالكليب شوفو الحال وصل بالضباط لحد فين (إلى أين)". وقبل أن يحذفه الضابط، أعاد 16265 مستخدم لفيسبوك نشره على صفحاتهم الخاصة.

الفيديو المتداول، والذي أعاد مستخدمون رفعه على صفحاتهم الخاصة وبثته أيضًا قنوات على يوتيوب بعد أن أعاد مستخدمون تحميله، كما بثته قنوات تلفزيونية خاصة، تظهر فيه سيدة أربعينية تهدد ضابط شرطة مصري داخل صالة سفر الطيران الداخلي في مطار القاهرة الدولي، وتعتدي عليه بالضرب.

وفي تسجيل آخر للواقعة نفسها، نشرته صفحة على فيسبوك اسمها "الثورة مستمرة"، تخلع السيدة معطفًا كانت ترتديه، وهي تتوعد الضابط الذي بدا هادئًا طوال مدة التسجيل، وطلب ممن يصور ما يجري الاستمرار في التصوير.

وفي التسجيل الثالث، ترتدي السيدة ملابسها من جديد، ثم تجلس القرفصاء، وتحضر كوبًا يبدو فارغًا، وأدت كمن تحمل شيئًا من الأرض وتضعه في الكوب، ثم رفعته على شفتيها كمن تشرب.

نداء استغاثة ثم انتهاك

بعد أن قدم الضابط هشام عتمان، الذي يعمل في قسم شرطة بولاق بوسط القاهرة بلاغه للنائب العام ولوزير الداخلية على الفضاء الإلكتروني، والذي تلاه بالجزء الثاني من الفيديو، نشر بشكل متتابع، صورًا تخص "سيدة المطار"، وبعض المعلومات الشخصية مثل رقم هاتفها، كما اهتم بتصحيح بعض الشائعات التي راجت، ومثلما حذف الضابط المذكور بلاغه للنائب العام، حذف كل ما نشره في سياق هذه القصة.

قبل الحذف، ينتقل عتمان بخفة من شخصية الضابط الذي يسوؤه ما آلت إليه أحوال رجال الشرطة، ويحيي "ضبط النفس" الذي أبداه زميله ضابط المطار والذي لم يبدِ أي رد فعل غاضب أو خارج عن القانون إزاء ما ناله من توبيخ ثم ضرب خفيف من السيدة ياسمين، إلى شخصية المنتقم الذي يستخدم منصة فيسبوك للتشهير بمتهمة تواجه اتهامًا من النيابة العامة بالاتجار في مخدر الحشيش وتقضي فترة الحبس الاحتياطي.

أضاف عتمان بعد ذلك 6 صور للسيدة ياسمين النرش بينهم واحدة تتضمن بيانات بطاقتها الشخصية، والبقية لها مع صديقات لها. وكتب معلقًا "للتوضيح.. السيدة التي تعدت على ضابط المطار لا تعمل راقصه في احد النوادي المملوكة لساويرس (رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس) كما يردد البعض، السيدة المذكوره ابنة الملياردير محي الدين النرش رجل الأعمال ورئيس مجلس إدارة شركة نرش اكسبريس للسياحة، ومالك العديد من المشروعات السياحية والأراضي بمنطقة المقطم والغردقة".

وبعد نشره الصور، كتب الضابط نفسه على صفحته معلنًا عن حساب ياسمين النرش على فسيبوك "ده بقى اللينك بتاع القذرة بتاعت المطار الفيس بوك بتاعها علشان اللي عايز يعمل طلب إضافة هههههههههه".

ولم يكتفِ عتمان بنشر حساب ياسمين النرش، ولكنه وضع صورة لحسابها على تطبيق "Whatsapp" ويظهر فيها بوضوح رقم هاتفها. وكتب "اللي ماعهوش رقم ياسمين النرش ما يسواش قرش ومن ده لبكرة بقرشين".

ولكن عصر اليوم الاثنين، حذف عتمان كل ذلك من على صفحته،

متهم محتمل

4 اتهامات محتملة من نصيب الشخص الذي قام بتسريب المعلومات الشخصية بالسيدة ياسمين النرش، حسبما قال المحامي مالك عدلي ل "ميدان": "الاتهامات متعلقة بجرائم نص عليها قانون العقوبات المصري، أولها انتهاك الخصوصية من خلال نشر معلومات مواطن بدون إذنه، وثانيا، نشر بيانات متهم بدون رضاه أو دون إذن من النيابة، مما يعد تدخلًا في تحقيق قضائي، ثالثًا، اختلاس أوراق من جهة عمل في حال قيام ضابط شرطة بالحصول على بيانات المتهم ونشرها، وأخيرا، ترهيب متهم والتحريض بالعنف ضده".

وعن تعامل القضاء المصري مع قضايا مماثلة، ذكر عدلي أن النيابة العامة عادة تحفظ هذه القضايا دون إحالتها إلي القضاء، أما عن الدور المنوط بوزارة الداخلية القيام به في التصدي لنشر معلومات شخصية لمواطنين، قال عدلي، إن الدولة لا تواجه بحسم مثل هذه الانتهاكات ، لأنها جزء من آليات عملها، موضحا " تعتبر صفحة "الجهاز الإعلامي لوزارة الداخلية" من ضمن الصفحات التي يديرها ضباط شرطة، وتقوم باستمرار بنشر بياتات خاصة بمواطنين مقبوض عليها، بأسمائهم الرباعية وعناوين منازلهم، وهي جرائم تندرج تحت "السب والقذف"، ورغم تقدم عدد من المواطنين ببلاغات إلي النيابة العامة، إلا إن مباحث مكافحة جرائم الحاسبات وشبكات المعلومات لم تتحرك لغلق هذه الصفحات وملاحقة القائمين عليها".

في الوقت الذي اعتادت فيه العديد من صفحات جهاز الشرطة "غير الرسمية" على منصات التواصل الاجتماعي نشر بيانات شخصية لمواطنين، فإن دستور 2014 كان قد نص في عدد من مواده 54 إلي 57 علي حرمة الحياة الخاصة للمواطنين، وصيانة حقوق المتهم، ومنها نص المادة 57 "للحياة الخاصة حرمة، وهى مصونة لا تمس. وللمراسلات البريدية، والبرقية، والإلكترونية، والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائى مسبب، ولمدة محددة، وفى الأحوال التي يبينها القانون".

وعن قيام ضابط شرطة بنشر بيانات خاصة بمواطنين، قال المحامي محمد زارع، رئيس المنظمة العربية للإصلاح الجنائي، إن هذا انتهاك دستوري، وتجاوز لصلاحية وظيفته، بما يهدد سلامة وأمن المتهم، ويصدر حكما عليه، قبل الحكم القضائي.

الإعلام يثأر للداخلية

لم تختلف كثيرا تغطية وسائل الإعلام المصرية المرئية والإلكترونية، للواقعة التي اشتعلت علي الصفحات المنسوبة لضباط الشرطة على منصات التواصل الاجتماعي، حول ضرورة تأديب "سيدة المطار" والثأر لكرامة ضباط الشرطة التي انتهكت علي لسانها؛ فنشر بياناتها الشخصية وصورها الخاصة، كانت مرحلة "الانتقام الأولي" الذي حرصت قناة صدي البلد والمحور، علي إذاعتها مع الفيديو، ولجأت إليها العديد من المواقع الإلكترونية في تغطية للواقعة.

“أنا كنت متأكد إنك مش هتقول اسمها، عشان أنت بتاع حقوق الإنسان، لكن فين حقوق الضباط" الجملة السابقة جاء ت علي لسان المذيع مصطفي شردي خلال برنامج "تسعين دقيقة، الذي يذاع على قناة "المحور" الفضائية، في مستهل مكالمة هاتفية حول الواقعة مع اللواء أبو بكر عبد الكريم، مساعد وزير الداخلية للعلاقات العامة والإعلام، لتتشابه تغطية وسائل الإعلام المصرية المرئية والإلكترونية للواقعة التي اشتعلت علي الصفحات المنسوبة لضباط الشرطة على منصات التواصل الاجتماعي حول ضرورة تأديب "سيدة المطار" والثأر لكرامة ضباط الشرطة التي انتهكت علي لسانها؛ فنشر بياناتها الشخصية وصورها الخاصة، كانت مرحلة "الانتقام الأولى" التى حرصت قناة صدي البلد والمحور، على إذاعتها مع الفيديو، ولجأت إليها العديد من المواقع الإلكترونية في تغطية للواقعة.

...