إلى وردة.. إلى الدنيا بعد أن ترقص

كعاشقٍ ناداه الوجد، كغريبٍ أتعبه السفر، كتائهٍ براه البحث وبعينيك اهتدى، مني ومن أمي هذي الرسالة..

عزيزتي وردة..

تحيةٌ مشرَّبةٌ من ندى قلبي وبعد..

أكتب إليكِ غير عابئ بجدوى الوصول، فالرسالة إلى وردة التي تسكنني ولا أعرف لغير قلبي عنوانًا لها، دعيني أولًا أسرد مشهدًا معتادًا من طفولتي ليذيب لساني بعض الشىء قبل الخوض في الحديث؛ أنا أصحو متأففًا، أخي لا يصحو أصلًا، أمي تنادي برفق، أبي يهرعنا بكلمة، جوٌ يشعرك بحمية حربية؛ ليشق صوتكِ كل هذا:

أنا عندي بغبغان.. غلباوي بنص لسان.

مثل أغلب البشر ترتبط لدي الذكريات بنغمات وصور متعددة، فلا عجب أن تحتل الموسيقى حيزًا من رأسي لا يستهان به، وحقيقة لا أؤمن بهذه الجمل المسرحية البراقة بأن الموسيقى تصلح ما يفسده الزمن وابقَ حيث الموسيقى فالأشرار لا يغنون، وغيرها، ولكن أؤمن تمامًا بأن عقلي يفرض عليّ وعلى نفسه أساليب من المتعة ولعل الموسيقى إحداها، أحب الموسيقى؛ الموسيقى التي تمتعني.

وردة.. أنتِ الوحيدة التي تمنيت سماعها دومًا بلا موسيقى.

أتعرفين؟ لا أحبكِ لأنكِ تشكلين جانبًا من طفولتي وأعتذر لو وصل إليكِ هذا المعنى، أعتقد عشقي الأكبر أني لا أشعر بكِ مطربة تغني.. مطلقًا.. أراكِ دومًا تجلسين إلى جواري تتكئين على طرف الكنبة وتقولين كل ما يدور برأسك بلا تفكير يلجم الجو، هل كنتِ تتصنعين تلك العفوية؟ معذرةً ولكن الشىء بالشىء يذكر أنا لم تعجبني وردة الممثلة وشعرتها متكلفة.

أظن الآن عرفت هل كنت تتصنعين العفوية أم لا..

لماذا تظلين عالقة في السؤال

مواسم من دهشة ... لغة لا تقال

وحدسا من الأغنيات الحيارى

أألقاكِ في كل عين سواي

ولست تريدنني أن أغارَ​

أين تعلمتِ هذا الأداء المسرحي؟ كيف كنتِ فوق المسرح وكأنك تتجولين في باحة البيت توزعين السلام على أشتات الجيران بلا هدف؟ هل إحساسي بطيف بليغ يسري كما العبير في كل أغانيك هذا صحيح؟ لماذا تضحكين وأنتِ تغنين أشد الكلمات حزنًا؟ لماذا أنتِ فيضٌ من الخبايا؟

التسجيل الذائع وأنتِ تجلسين مع بليغ بالعود وتغنيان العيون السود؛ بعيدان كل البعد عن مطربة وملحن، قريبان كل القرب من عاشقين يأنسان بالليل، هذا الإحساس الصارخ الذي يغمرني حينها بدفء الغزل صائب أليس كذلك؟ آهِ من الغزل.

بحبك.. والله بحبك..
والله والله.. والله بحبك..
قد العيون السود بحبك..


سأشاركك بعض أسراري التافهة فتحمليني يا خفيفة الروح، فأنا لم أزل أخفي أمام الناس ولعي الشديد بكِ أكثر من فيروز مثلًا وأخشى أن يقام عليّ الحد لهذا، لم أزل أتخيلكِ في أوجه ما حولي تخيلًا طفوليًا، فأنتِ أمي حين تتنهد:

شايلاك في نن عيني واللي بينك وبيني أشواق كل الأحبة.

وأنتِ الحب الذي ينكزني باسمًا:

ونرجع تاني نتقابل ونتكلم.. ولا عارفين بنفرح ولا نتألم.

وأنتِ الدنيا حين تقسو:

ياللي هواك كاسين.. أحلى ما فيهم مر..

والصبر ع الاتنين.. فاق العذاب والمر.

وأنتِ الدنيا ثانية بعد أن ترقص:

بنحب يا ناس نكدب لو قلنا ما بنحبش.

كان من الطبيعي مع شغفي الشديد هذا أن أطيل البحث حول ما أثير عن علاقتك بالمشير عبد الحكيم عامر ومنع عبد الناصر لك من دخول مصر، وكان من المنطقي أن أكون في البحث متحيزًا لصفك وأسرد الآن السبب تلو الآخر لصد هذه الأخبار عن معشوقتي، ولكن سامحيني لم أنكش لأن الأسباب عندي.

عفوًا وردة، أنتِ أكثر طفولة مما كنت أعتقد!

وبعد أن جاوزتِ السبعين مستمرٌ لا أراكِ إلا هذه القطة الجزائرية الحسناء التي يعلو وجهها الخفر تشدو وتتجلى فتؤسر لها فرائس عبد الوهاب.


هل كنتِ تتعمدين هذا الاستقرار الذي جعلكِ لا تتبدلين أبدًا؟، لا أعلم حقًا، لا أعلم الكثير والكثير؛ ولكن يكفيني تيقن كوني (بتونس بيك) حتى لو مش معايا.

....... والسلام ختام حتى لقاءٍ آخر في يوم وليلة.