مدن كرة القدم | هنا وهران.. أهازيج الكرة والراي والثورة

إن السماء وحدها هي التي تنبئ بتغير الفصول في وهران

ألبير كامو – الطاعون

بكل بساطة، إذا كنت من المتابعين الأشداء لأي مباراة يعلّق عليها المعلق التونسي عصام الشوالي وخصوصًا للمنتخب الوطني الجزائري، بالتأكيد ستسمع مقطوعة "كيفاش ما شدا محمد الخليفاتي ابن السعيدة، وهران زينة البلدان.. وفراقها اللي رشاني.. ولا سعيدة اللي رباتني.. ولك كيف ساهل وفراقك ما قدرت عنه".

بالتأكيد تلك المقطوعة هي جزء من أغنية “بلادي هي الجزاير” للمطرب محمد الخليفاتي الشهير بالشاب مامي ابن مدينة السعيدة، ولكن كعادة أغاني الفخر بالأجراس الجزائرية، تأتي وهران دومًا في المقدمة، وهران عاصمة موسيقى الراي، ووهران التي ولدت بها كرة القدم العربية والأفريقية.


أحد أشهر مواليد المدينة العتيقة هو الشاب خالد الذي نعرفه في مصر منذ بداية تسعينات القرن الماضي، كما نعرف أغنيته الشهيرة “وهران” التي يتغنى فيها بالمدينة وأهلها من أصدقائه وجيرانه منذ الطفولة بطريقة تبدو رثائية نوعا ما مصحوبة بموسيقى أندلسية.

ثم يعود خالد ليتغنى مجددًا بمدينته في “روحي يا وهران” التي غناها في الأصل شاب حسني ولكن تمكن خالد بطريقة أكثر بهجة تستطيع أن تتبينها في الموسيقى أن ينقلك إلى أجواء المدينة وترقص التانجو على اللحن ربما.


في أواسط جبال المرجاجو، تعالت صيحات كرة القدم في أحياء البلانتور ورأس العين، كطبيعة مدن الثغور أن تضم من الجنسيات ما تضم أمثال الإسبان والجريك والفرانس والإنجليز، مما أعطى نكهة أورومتوسطية لكرة القدم في وهران، وجعل شعبها يلعب الكرة على الشواطئ فقط أملًا في ربط الكرة بثقافة شعوب البحر ونسيمه.

وهران، Oran، Wahran العربية الفرنسية الإنجليزية على التوالي، "شعبي لا يقهر .. وضيفي لا يُحقّر"، هكذا تزينت وهران عن سائر المدن المغاربية بأقاصي أفريقية قديمًا منذ 902 ميلادية، عام تأسيسها.

مدينة ساحلية كامتداد ثغور بلادنا العربية تماما كبورسعيد، صفاقس، جدة، وبيروت. سُميت في البداية بالباهية والنطق بالتلقيب الأمازيغي “وهران”، ثاني أكبر المدن الجزائرية بعد العاصمة.

خلال الحرب العالمية الثانية كانت وهران شعلة ثورية ضد الاحتلال الفرنسي، وذلك خلدته ملاعب كرة القدم وقتها بكتابة أسماء اللاعبين بشرط “آلة حادة” على اليد بواسطة الدم

وهران الاسم يعود إلى وهر ويعني بالأمازيغية “الأسد” أو نحو “واد الهاران” نسبة لأسود أطلس التي قطنت المكان قبل تأهيله سكانيًا، فالأسطورة تحمل تفسيرًا بأن مهاجرًا يدعى سيدي معقود المهاجي قطن المنطقة وصاد أسدين، وتم تنصيب تمثالين لأسدين برونزيين إضافة للضريح بقبة سيدي معقود في حي الصنوبر في مدخل المدينة.

في طرف المدينة يمكنك مد نظرك فتستطيع التقاط شعاع مرسيليا الفاصل بينك وبينه البحر الهادر، أحلام حملها فوضيل وعبر البحر الأبيض المتوسط مع حبيبته قرنفلة وهران.

في الغرب جبال المرجاجو الفاصلة عن سواد قبائل أصول الأمازيغ ببلدة سيدي المرسي الكبير، أما من الجنوب الغرب فهي ضواحي لسبخة بئر الجير.

عرفنا مجموعة من أحياء المدينة بفضل الشاب خالد: “يا فرحي على ولاد الحمري، ولاد لمدينة، وسيدي الهواري” وهي أشهر أحياء المدينة على الإطلاق.


من الطبائع التي أسمهت في أن تصبح وهران أرضًا تعج بساحات الكرة في كل مكان، أنها كتصنيف طبوغرافي تُعتبر سهلًا لامتداد الجبال على الجانبين أمام البحر، إلى جانب الطقس المتوسطي، بلطف نسيم البحر في الصيف، والشتاء المعتدل مع سماء دومًا صافية، وأراضٍ يتسع فيها المشرق والمغيب بشكل واضح يلاحظه دائمًا ضيوف وهران.

نحن الآن في مدينة تنتشر بها حوالي 184 ساحة شعبية لممارسة كرة القدم، أضف إلى ذلك الشوارع المحيطة في المدينة والتي تغطيها من الأجناب جبال مكسوة بأشجار الصنوبر الحلبي تحط عليها الطيور القادمة من جبل طارق في الغرب مثل الكراكي والزقزاقيات، وآخرها يحده البحر المتوسط بما يحمل من تطلعات الهجرة للأورو.

تاريخيًا فإن وهران مركز التقاء الثقافات وزوال الفوارق، شهدت المدينة كامل التعايش بين جميع العقائد الدينية والسياسية على الرغم من نكهة أحداث الدراما بالاضطرابات الثورية بها. حيث كانت المدينة مصدر لا ينضب في توريد الجلود والصوف والذهب والحبوب صوب مدن البندقية، بيزا، جنوة، مارسيليا وكتالونيا، فكانت دومًا هي المطمع الأول للغزاة.

كل هذا مهّد لانطلاق حياة رياضية جديدة في وهران، مع تأسيس أول نادٍ رياضي عربي وأفريقي عام 1897 وهو نادي جمعية حرية وهران، على أيدي المستوطنين الأوروبيين باسم CALO، قبل أن يُحل عام 1962 كغيره من الأندية التي أسسها الفرنسيون في حقبة الاستعمار.

كما كانت وهران هي أحد معاقل ممارسة الرياضة عمومًا وكرة القدم خصوصًا بالقارة، كذلك أيضًا تميزت وهران بانطلاق فن شاب يعتمد على تدوين التراث الجزائري والتراث الأمازيغي عمومًا إبان فترات المرابطين أو فترة الاستعمار الفرنسي وهو موسيقى الراي.

في البدء اقتصر الأمر على تجميع أصول الألحان القديمة للشيخ عبد القادر الخالدي والشيخ الحمادي، أسسوا أسلوبًا وهرانيًا خاصًا أسموه فن الملحون بالجمع بين الموسيقى البدوي والإسباني، ثم أتي التطوير الكامل في الملحون على يد أحمد وهبي وبلاوي الهواري.


في بداية انتشار الراي في عاصمته وهران، كان يحتوي على العديد من الكلمات والألفاظ البذيئة، ما جعله رائجًا في الساحات الشعبية التي تُمارس فيها كُرة القدم، امتزج استنكار قرار أو سلوك في اللعب بأغنيات الراي، التي استخدمت كذلك في الاحتجاج على الأوضاع السيئة في البلاد، وفي تكسير الخطوط الحمراء الخاصة بالدين والجنس والخط الفاصل بين الحلال والحرام.

انضمت موسيقى الراي إلى كرة القدم، كوسائل احتجاج ضد الأوضاع السيئة، لتشهد ملاعب وهران ملحمة التشجيع مع أهازيج الفن الوهراني الأصيل بمقطوعات الراي، وأعيد تطويرها حديثًا علي أيدي الشاب حسني والشاب خالد ورشيد طه.

في أول مارس/آذار 1926 بمقهى الرياضيين الوهرانيين بحي المدينة الجديدة بوهران، التقى ناشطون وطنيون على رأسهم صادق بومعزة وكان برفقة بن دوبة، بومفرع، بن قلة وآخرون وقرروا إنشاء نادٍ رياضي يوحد عدة أندية صغيرة كانت تمثل الأحياء المسلمة للمدينة، من بينها نادي المولودية الإسلامية لوهران، نادي الحامدية الإسلامية لوهران وغيرها من النوادي الأخرى.

هنا نتنفس كرة القدم.. هنا أهازيج الراي والثورة.. هنا وهران..

استمر الاجتماع ليلة كاملة وانتهى بالتوافق على إنشاء نادي الاتحاد الرياضي الإسلامي لوهران وذلك لتمثيل المواطنين الجزائريين الوهرانيين المسلمين إبان الإستعمار الفرنسي. ورغم معارضة السلطات الإدارية الاستعمارية على هذا الاسم، إلا أن المسؤولين في النادي أصروا على الاسم وهذا ما حدث وأصبح النادي هو الأول في الجزائر يحمل في اسمه كلمة الإسلامي حيث كانت الأندية الإسلامية الأخرى مجبرة على وضع كلمة فرانكو-إسلامي.

وكذلك بعدها بعشرين عامًا، تأسس مولودية وهران، يوم 14 مايو/أيار 1946 والذي تغيّر اسمه 1977 و1988 إلى مولودية نفط وهران، وهو النادي الجزائري الوحيد الذي لعب في دوري القسم الأول منذ انطلاقه عام 1962 ولم يلعب في القسم الثاني إلا في موسم واحد في 2008-2009.

ويمتلك الفريق العريق بالجزائر تاريخًا كبيرًا منذ بداية البطولة الجزائرية سنة 1962 وقدم النادي دوما، خاصة خلال السنوات الذهبية، أي عشرية السبعينات، الثمانينات والتسعينات، أسماءً كبيرةً في كرة القدم الجزائرية وحتى في أفريقيا، مثل لخضر بلومي أيقونة النادي و الجزائر مع رابح مادجر، تاج بن سحاولة، نصر الدين دريد، كريم ماروك، بما فيهم أبناء النادي مثل عبد القادر فريحا، سيد أحمد بلكدروسي، ميلود هدفي، هواري بديار، عبد الله قشرة، بن يعقوب سباح، حبيب بن ميمون، الطاهر شريف الوزاني، عبد الحفيظ تاسفاوت.


بعد التخلص من اسم “النفط” الذي اقترن به خلال السنوات الماضية، عاد مولودية وهران لاسمه من جديد في التسعينات، الفترة التي شهدت توهج الفريق محليا كما لم يسبق له من قبل بقيادة تاسفاوت وزروقي ومصابيح مع لاعبين بقيمة الوزاني وبلطاوي.

لقبان متتاليان في 1992 و1993، ثم سوء حظ كبير على مدار ثلاث سنوات متتالية حجز النادي خلالها المركز الثاني في 1995 و1996 و1997 في الدوري، لكنه نجح في 1996 أن يتوج بثنائية الكأس وكأس الدوري. كما ختم تلك الحقبة المميزة بتتويج إقليمي، فاز الفريق بدوري أبطال العرب مرتين في 1997 و1998.

ولا ننسى التواجد الإفريقي في 1994 عندما وصول المولودية إلى نصف نهائي كأس الأبطال، ربع نهائي كأس الاتحاد الإفريقي في 1996 والوصول لنفس المرحلة أيضا في العام التالي ولكن في بطولة كأس الكؤوس. يعتبر نادي مولودية وهران من الأندية الأكثر شعبية في الجزائر، ويلقب أنصاره بـالحمراوة نسبة إلى حي الحمري العتيق، وأهم ما يميز الحمراوة هو الأهازيج القوية التي يطلقونها في الملعب حيث معروف عنهم تأليف الأغاني الرياضية منذ القدم.

يضاف إلى هذا، تنقلاتهم الكثيرة إلى مختلف أنحاء الوطن حيث أنهم أوفياء لفريقهم إلى درجة كبيرة ويقفون معه في السراء وفي الضراء. وقد ساهموا بشكل كبير في موسم 2009/2008 في عودة المولودية إلى القسم الوطني الأول بفضل تواجدهم بأعداد كبيرة في الملاعب، هذا بعد موسم واحد قضاه النادي خارج الأضواء.

وهران، كانت النبت الطبيعي وجوهرة الله في أرض الجزائر، أمدتها بفنون الراي وكرة القدم، امتزجا معًا على ساحات العشب الأخضر القريب نحو زينة أشجار الصنوبر بمحيط أوران ويرمي بثقله على البحر المتوسط.

هنا نتنفس كرة القدم.. هنا أهازيج الراي والثورة.. هنا وهران..