من فيديو "عايزين تعرفوا السوستجية بجد؟"

السُوستجية.. مَا الذي يجمعنا حقًا؟

ما الذي يجمع المليون رجل حقًا؟ أو فلنقل ما الذي يجمع الرجال عمومًا؟ هل يكفي التكوين البيولوجي للتغطية على جميع التفاوتات والفروق الأخرى، على الطبقة الاجتماعية؟ على الأفكار والطموحات؟ على المخاوف والأطماع والعُقَد؟ على الميول الجنسية (العميقة والخفية والمضطربة)؟

للتجمّعات الإنسانية عمومًا سياقاتها وشروطها، بعضها تفرضه علينا ظروفٌ واعتبارات عديدة مثل أفراد الأسرة أو زملاء العَمل وبعضها نختاره بكامل إرادتنا مثل شركاء الحياة والأصدقاء، ويصدق هذا بدرجةٍ كبيرة أيضًا على التجمّعات الافتراضية في شبكة الانترنت، بعضنا قد يجد نفسه متورّطًا في جروب خاص بعمله أو بأولياء الأمور في مدرسة أولاده، ولكننا قد نختار بكامل إرادتنا الانضمام إلى جروب – مفتوح ومُعلن أو مغلق وسري – يعبّر عنا ويلبي احتياجاتنا، أمَّا الاعتبارات التي يقوم عليها هذا التجمُّع فقد تضيق حدودها للغاية من قبيل جروب أصحاب الكلاب الشيواوا مثلًا وقد تتسع إلى أبعد حد ممكن بحيث قد ينضم إليها أي شخص تقريبًا، ومؤخرًا ظهر جروب مصري جديد للرجال فقط، فشرطُ الانضمام الأوحد تقريبًا أن يكون تكوينك البيولوجي ذكرًا وربما أن تتصرّف أيضًا بما يعكس هذه الذكورة.

لا عَجب إذن أنَّ الحكاية كلها بدأت من خصيةٍ واحدة، أو بالتحديد ألم في خصية رجلٍ واحد، حين شعرَ ببعض الحَرج من طرح مسألة ألمه في هذا الموضع الحسّاس على صفحته الشخصية، فقرر إنشاء جروب مغلق لمجموعة محدودة من أصدقائه، ليطرح عليهم مسألته من باب اسأل مجرّب ولا تسأل طبيبًا. وسرعان ما توسعت حدود مساحة الفضفضة الرجالية وابتعدت عن الخصية لتصل إلى مناطق أخرى وموضوعات أهم، ووجدَ فيه المزيد من الشباب والرجال يومًا بعد آخر متنفسًا بريئًا و(قعدة رجالة) بعيدًا عن رقابة الأنثى، وهي التي لا يستطيع أي ذكر في حضورها أن يأخذ راحته في الكلام، ما دام حريصًا على احترامها وعدم إيذاء أذنيها. وأخذ يزداد أعضاء الجروب بمرور الساعات، وهكذا استطاعت خِصية واحدة أن تجمع حولها مليون ذكر في غضون أسابيع معدودة.

بمرور الوقت لم يعد ما يجمع هؤلاء الرجال المسائل الخاصة أو الجنسية فقط، بل ربما صارَ هذا أمرًا نادرًا ما يُطرح إلّا في صورة دعابات وأسئلة ساخرة موجّهة للجميع، من نوعية: "متى كانت آخر مرة حصل لك فيها كذا...". وبدأ هذا المجتمع الصغير يشبّ عن الطوق وينتبه لعافيته وطاقاته وإمكانياته غير المحدودة تقريبًا. وإذا كانت الحكاية بدأت من خُصوصية الذكورة فقد تعدتها سريعًا إلى مفهوم الرجولة، بل أحيانًا الفروسية بكل سماتها النبيلة المتعارف عليها منذ العصور الوسطى.

في تعليق من أحد مُحبي الجروب على صفحته الشخصية، أخذ يعدّد مظاهر الرجولة والجدعنة التي وجدها بين أعضاء الجروب، وكيف يمكن أن يقدّم لك يدَ العون شخصًا لم يعرفك بالمرة وأغلب الظن أنه لن يراك مرةً أخرى. عاطلون حصلوا على فرص عمل، حالمون بمشاريع وجدوا شركاء أو مبلغ صغير للتأسيس، مأزومون نفسيًا واجتماعيًا وجدوا النصح والاستشارة. كأن عفريت المروءة والأصالة خرج من القمقم، وبدأ يستنسخ نفسه في أماكن عديدة في الوقت نفسه، فتجده يدعم شخصًا من أصحاب الاحتياجات الخاصة، ويساعد شخصًا في حادثة على الطريق، ويجمع مبلغ ليسد دين شيخ مسن.

الوزن الحقيقي على الجروب لمَن يتحركون على الأرض، ويلبون المطالب والاحتياجات.

ورغم وجود بعض المشاهير من الإعلاميين والفنانين والكتّاب على الجروب، إلّا أنهم هناك ليسوا نجومًا، وغاية ما هنالك أن يتابعوا في صمت أو يدعو بعض الكتّاب أشقائه السوستجية الجدعان على حفل توقيع له أو ينصحهم بقراءة بعض العناوين الجديدة. الوزن الحقيقي على الجروب لمَن يتحركون على الأرض، ويلبون المطالب والاحتياجات، ومع الوقت ظهرت كتل من السوستجية في أغلب محافظات مصر، وصار من المألوف أن تجد أحدهم يكتب: اجمع سوستجية المنصورة هنا فورًا، أو يا سوستجية اسكندرية، اجمع حالًا، عندنا مهمة.

والخلاف هُنا ممنوع، ولا شيء يثير الخلافات والنزاعات بقدر ما يثيرها الثلاثي المرعب: الدين والسياسة وكُرة القدم (ولعلّها الأخطر على الإطلاق). لذلك كان واضحًا منذ بداية تأسس الجروب الحرص على حظر الكلام في تلك المسائل تمامًا، وفي هذا جانب إيجابي مفاده إنَّ ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا مهما اختلفت آراؤنا السياسية، ومهما كان بيننا المسلم والمسيحي والمتدين وغير المؤمن بالمرة، بل حتّى لو اضطر الأهلاوي والزملكاوي لتبادل النصح والدعم والتضامن دون أن يعلم أحدهما بحقيقة الآخر الفظيعة.

البحث عن كيان

ثمة طاقة معطلة داخل هؤلاء، طاقة لم تجد لها مُتنفسًا في جميع الأنساق الاجتماعية والمؤسسية المطروحة في مصر، بأشكالها الحكومية وغير الحكومية.

يعرفُ المشتغلون بالسياسة أو المطّلعون على تاريخ المنظمات السرية أن النمو العشوائي له أمراضه ومشكلاته، فمن السَهل أن يتحوّل أي كيان ضخم إلى شكل هلامي مهلهل بلا قوام ولا اتجاه ولا سياق، يمكن لأي هبّة ريح أن تحمله في أي اتجاه، ويتحوّل إلى مجرّد لافتة كبيرة تضم تحتها جميع أصناف البشر والاتجاهات. وأظن أن هذا التهديد قائم أيضًا في حالة جروب (جت في السوستة)، وخصوصًا بعد أن تجاوز المليون عضو.

سمعنا مؤخرًا عن "ريبورتات" موجّهة لصفحات القائمين على الجروب، وقد فسّر البعض ذلك تفسيرات أمنية. كما أن "الأدمنز" – قبل ذلك – قد بدأوا يضعون شروطًا وقيودًا على ما يُنشر على الجروب، لكي لا تصير الأمور (سداح – مداح). وغير مُستبعد أن يخرج من هذا الكيان كيانات أخرى فرعية منشقة، فقد نسمع قريبًا عن سوستجية الإسكندرية ودمياط ونجع حمادي ومرسى مطروح، أو حتى سوستجية أطباء قصر العيني، أو سوستجية العاملين في ماسبيرو، وهلّم جرًا. ولعلَّ هذا يكون حسنًا، بوصفه أوّل الطريق نحو خلق تجمعات افتراضية شعبية تطرح بدائل مبتكرة لجميع الأشكال التقليدية التي تعفنت في مستنقعات الواقع السياسي من قبيل الأحزاب والجمعيات الأهلية. وقد يكون أيضًا أوّل الطريق نحو تفتت الكيان ونهاية المزحة التي راحت تتضخم حتى انفجرت واختفت في الهواء. كل تلك تكهنّات سيحسمها جهد ووَعي الأشخاص الحريصين على مواصلة الرحلة، أو الإبقاء على هذا التجمّع بأي ثمن.

من ناحيةٍ أخرى، ما الذي يجمع المليون رجل حقًا؟ أو فلنقل ما الذي يجمع الرجال عمومًا؟ هل يكفي التكوين البيولوجي للتغطية على جميع التفاوتات والفروق الأخرى، على الطبقة الاجتماعية؟ على الأفكار والطموحات؟ على المخاوف والأطماع والعُقَد؟ على الميول الجنسية (العميقة والخفية والمضطربة)؟

إنَّ اجتماع مليون شخص افتراضي في مكانٍ واحد ربما لا يقوم على أي شيء مشترك سوى مفاهيم عامة للغاية من قبيل التضامن والتآزر، مثلَ أن يحمل البعض لافتة الجروب وشعاره ويذهبون لتهنئة أحد السوستجية في الأفراح والمناسبات السعيدة، فإذا كان الحال كذلك ما الذي يمنع الآن – خصوصًا أن طرح الموضوعات الجنسية أو النكات المشكوفة صارَ نادرًا، بعد تجاوز مرحلة الخصية – أن تنضم إلى الجروب فئاتٌ أخرى، شيوخ مثلًا في أرذل العمر، رجال دين، أطفال، رجال ولكن غير مصريين ولا عرب، وأخيرًا، ما الذي يُغلق الباب حتّى الآن أمام النساء غير مجرد شعار على شكل شارِب؟ مجرد لافتة عريضة يقف تحتها جميع الرجال – وعلى الجانب الآخر من المؤكد هناك لافتة أخرى يقف تحتها جميع النساء – دون أن يعرف هؤلاء ولا أولئك طبيعة أو معنى تلك الحواجز الوهمية.

من تصميمات الجروب

كتب الصديق طارق مصطفى سلامة على صفحته منذ أسابيع – وهو من النشطاء في مسألة النوع والحريات الشخصية – أن جروبات الدعم بين النساء قديمة ومعروفة، بل إن شبكات الدعم التي تكوّنها المرأة أقدم من الانترنت نفسه، وأنه لولا تلك الشبكات لزادت أوضاع النساء سوءًا على سوء من قديم الأزل. فما الجديد عمليًا الذي يطرحه هذا الجروب الذكوري، سوى أن الرجل يريد طوال الوقت من يهلل ويصفق له بمجرد أن يؤدي الدور المتوقع والمنتظر من أي إنسان يشعر بمَن حوله أدنى شعور، في حين تعمل المرأة وتؤدي ما يفوق طاقتها طوال الوقت وتهب حياتها تقريبًا لمن حولها دون أن تنتظر كلمة شُكر.

ورغم أن الصورة أعقد مما تبدو عليه، ورغم أن ظواهر مثل الجروبات الرجالية والنسائية ما زالت بحاجة إلى مزيدٍ من إنعام النظر والتدقيق، فالمؤكد عندي على الأقل أن ثمة مساحة فارغة ظلّت بانتظار مثل ذلك الجروب، نقص تسده مثل تلك التجمعات الافتراضية أو المادية الملموسة على الأرض.

ثمة طاقة معطلة داخل هؤلاء، طاقة لم تجد لها مُتنفسًا في جميع الأنساق الاجتماعية والمؤسسية المطروحة في مصر، بأشكالها الحكومية وغير الحكومية. وربما تعكس مثل تلك الجروبات حاجةً ماسة في أعضائها لضرورة التنظيم الذاتي والتحرك المنظّم – ولو بعيدًا تمامًا عن مشاكل السياسية ومخاطرها – من أجل هدف واحد جماعي يتفقون عليه، هدف نبيل، مشروع حقيقي ولو كان هينًا وصغيرًا، بعيدًا عن الخطاب الرسمي للدولة الذي يحتكر لنفسه المبادرات والمشاريع ولا يحتاج للناس إلّا في دور الجماهير المطاوعة التي تصفّق وتهلل.

من بين الأسئلة الأخرى المهمّة التي يطرحها جروب السوستة مسألة الانتماء العويصة، ذلك الشوق الدفين لدى كل إنسان، والرغبة التي تكاد تكون فطرية، في أن ينتمي إلى كيانٍ أكبر، مجموعة من الناس، مؤسسة اجتماعية ذات مواصفات وحدود واضحة، وما يحمله هذا الانتماء من أحاسيس الأمان والقبول والمسؤولية. مهما بدت المعايير التي يقوم عليها بعض الانتماءات هَشّة وساذجة أحيانًا، غير أن القبيلة القديمة لم تنقرض بعد، ما زالت تعيد إنتاج نفسها، مُتنكرة في صور جديدة باستمرار، ولو في صورة ألتراس فريق كرة قدم، أو مجانين عمرو دياب ودراويش محمد منير، أو سكّان المعادي أو شباب شبرا، أو الأسايطة أو رابطة أبناء الدقهلية، أو جمعية خريجي مدارس القلب المقدس أو أزهريون ولكن مستنيرون، إلى آخر أي مفهوم أو فكرة أو بؤرة قد يجتمع حولها مجموعة من الناس – سواء كانوا ثلاثة أصدقاء على مقهى أو شعب كامل وجد نفسه متورطًا في نفس الحيّز واللحظة الزمنية – ويقررون اعتباطًا وهم في كامل قواهم العقلية أنها كافية تمامًا لتكون مظلة تجمعهم تحتها وأن يتخذوها رباطًا وثيقًا يعتصمون به في مواجهة المختلفين، أولئك المعتصمين – هُم أيضًا – براياتٍ أخرى وشعارات مختلفة تمامًا.