الزبائن على قلّة عددهم كانوا مرضيين جدًا لباعة التُّرجُمان بعد سنوات انقطاع- تصوير: صفاء سرور

معرض شباب القاهرة.. محاولة إحياء "التُّرجُمان"

"الزباين زمان (بعد نقل الباعة للتُّرجُمان) كانوا بيعدّوا علينا بالصدفة، فيدّونا حسنة من غير ما يشتروا حاجة"

-بائع بسوق التُّرجُمان

أغنيات احتفالية تصدح بها مُكبرات الصوت وأحاديث جماعية وجانبية بين الزبائن تتداخل مع نداءات الباعة. ووسط الضجيج جلس إبراهيم مسعود بائع الحقائب النسائية والملابس الداخلية الرجالية صامتًا خلف بضاعته البسيطة، ينصت وينظر بفرحة لحياة دبّت في محلّ عمله- التُّرجُمان- بفضل معرض قررت الدولة تنظيمه في السوق الذي يبعد كيلو مترات قليلة عن وسط القاهرة.

المعرض الذي افتتحه مسؤولون تنفيذيون صباح الثلاثاء الماضي، بث الروح في سوق الترجمان، الذي نقلت إليه محافظة القاهرة باعة وسط البلد الجائلين. إبراهيم هو واحد من عشرات من هؤلاء الباعة الذين صار التُرجمان عنوانهم منذ أغسطس/ آب 2014، حين نفّذت الجهات المعنية بالعاصمة- وزارة الداخلية ومحافظة القاهرة- قرارًا بنقلهم إليه من شوارع وسط البلد، لتصبح رؤية الزبائن نادرة، لعدم ألفتهم للمكان. من وقتها يلجأ بعض الباعة للشكوى بلا نتيجة، والبعض الآخر يسعى للرحيل عن المكان، لاجئين لسبل كسب عيش أخرى.

رحل إبراهيم قبل أعوام لاجئًا لمهنته الأولى "أنا أساسًا جزّار، وماجيتش التُّرجُمان غير لما حالي وقف، قلت اراعي والدتي.. هي بياعة هنا، لكن لما لقيت مفيش زباين زي وسط البلد، مشيت من سنتين"، يقول البائع لـ"المنصّة".

إبراهيم يُعدّل وضع بضاعته البسيطة- تصوير: صفاء سرور

ويؤكد الجزار السابق أنه لولا المعرض لما وطئت قدماه التُّرجُمان مرّة ثانية، خاصة بعد أن ضاق الحال لدرجة لم يكن يتخيلها "الزباين زمان (بعد نقل الباعة للتُّرجُمان) كانوا بيعدّوا علينا بالصدفة، فيدّونا حسنة من غير ما يشتروا حاجة"، ينفض إبراهيم عن نفسه تلك الأيام وهو يفخر بمهنته "ده أنا راجل جزّار عام، واشتغلت في ليبيا والسعودية وتونس، بس دلوقتي السفر عايز فلوس".

لا تملك يد إبراهيم تكلفة السفر؛ ولهذا يحاول توفيق أوضاعه مع التُّرجُمان الذي تصالح وإياه بعد المعرض "امبارح ربنا كرمنا وبعنا، ما هو لما يبقى فيه رجل رايحة جاية على المكان؛ الدنيا بتمشي والنهارده مابعتيش بكره هتبيعي"، ويمني نفسه باستمرار المعرض "بيقولوا هيفضل شهر واحد بس، لكن نفسنا يستمر. نفسي اعمل مشروع أكل هنا.. ده كارّي وفاهمه، إنما دي حاجة كده بدل القعدة على الناصية".

على بُعد خطوات من إبراهيم، وقف ياسر محمد يُقلّب في الجوارب، التي يبدو من فراغ يديه أنها الشيء الوحيد الذي قرر شرائه، خاصة بعد أن وجد بالمعرض أمورًا تُخالف ما بشّرت به الإعلانات التليفزيونية "حسيت إن المعرض مُنَظم والأسعار معقولة، لكن لما جيت حسيت إني في العتبة، سوء تنظيم ومغالاة في الأسعار".

في جانب أخر من المعرض وقف سيد نصر، يُمزق الأكياس البلاستيكية عن الملابس بسعادة بدت في ضحكات وابتسامات وزّعها على المّارة والمحيطين "دلوقتي أحّسن. ده السنين الأولى لينا هنا كانت ديون، واللي كان عنده حاجة في بيته باعها" يقول الرجل الستيني الذي يصف نفسه بأنه من "بياعين الدُفعة الأولى في التُرجُمان"، إشارة للوقت الطويل الذي قضاه في المكان.

سيد نصر يستعد لزبائن طال غيابها- تصوير: صفاء سرور

يتفق "نصر" مع إبراهيم في ما للمعرض من فضل عليهم في تحسين حركة البيع، لكنهما اختلفا في تمنياتهما، فالبائع العجوز يُمنّي نفسه ليس باستمرار المعرض، بل بنقله وزملائه من التُرجمان إلى منطقة الزواية الحمراء، حيث السوق الجديدة التي تنشئها المحافظة "هناك محلات، وبضاعتي هيبقى مقفول عليها مش زي هنا"، يقول "نصر" وهو يُشير لصندوق خشبي مُتهالك يُخزّن فيه بضاعته، ويؤكد أحقيته في محل هناك "أصله (سوق الزاوية) معمول لينا في الأساس، بس شكلها كده ناس تانية طمعت فيه".

أعلن نائب محافظ القاهرة، قبل عام ونصف العام، أن السوق الجديدة بالزاوية الحمراء ستخصص لـ"تسكين 122 بائعًا من العاملين في محيط المسرح القومي بالعتبة، والباعة المتواجدين فعليا في جراج الترجمان".

وفي هذا الجراج الخاص بالتُرجمان، المنطقة الكائنة في امتداد شارع الصحافة، والمشهورة بمحطة الحافلات "الأتوبيس"، خلت عدّة أكشاك من الباعة، تمامًا كما خلت أجزاء بالمعرض من عارضين.

أكشاك لم يشغل المعرض فراغها- تصوير: صفاء سرور

بعض الأكشاك الخالية احتلت ممرًا بأكمله، قبل أن تُسلّم المارين بها من مُرتادي المعرض إلى مكان عرض المفروشات، التابع لشركة انتشر عُمّالها وباعتها بين ربّات بيوت وشابات بعضهن مُقبلات على الزواج، تتبادلن اختيار ألوان السِجّاد.

ولمثل هؤلاء السيدات قررت شركة المفروشات هذه المشاركة في المعرض، وفقًا لما حكاه لـ"المنصّة" أحد موظفيها ريحان الفولي، عن الإقبال المتزايد منذ يوم الافتتاح وأسبابه "احنا عارفين إن بيكون فيه تجديد للبيوت قبل العيد، وكمان تجهيز عرايس؛ فكنا حريصين على التواجد وطرح سلع بأسعار قليلة".

يشير "الفولي" لبعض المفروشات وما كُتِبَ عليها من أسعار "بين 15 و300 جنيه"، قبل أن يقول إن تواجده وتجار آخرين في مجالات الأدوات المكتبية والأجهزة الكهربية والملابس، يعد بمثابة "يد العون لبائعي التُرجمان"، عن طريق تعريف مكانهم للزبائن التي ازدحم بها المكان.

كان  غالبية المقبلين على المفروشات من السيدات- تصوير: صفاء سرور

لكن لم تشهد أي أجزاء المعرض زحامًا، قدر الذي وُجد أمام شوادر اللحوم والطيور، حيث وعدت الإعلانات التليفزيونية بأسعار أقل بكثير في المعرض، عما يحدده الجزارون خارجه.

على هذا الأساس، قررت سيدة محمود، موظفة سابقة بأحد البنوك (بالمعاش) زيارة المعرض، بعد أن علمت بتنظيمه من أحد البرامج التليفزيونية "جيت من حلوان مخصوص للمعرض، بعد ما عرفت عنّه من الأستاذ أحمد موسى؛ فحسيت إنه هيكون حاجة مُحترمة".

انتهت سيدة من شراء ملابس وأدوات مكتبية لأحفادها، وعلى أحد الأرصفة جلست في انتظار اللحم وبجوارها كان شادر اللحوم قائمًا، ومزدحمًا بسيدات ينتظرن مثلها، ومنهن أسماء فريد (ربة منزل)، التي قالت إن دافعها الأساسي لزيارة المعرض هو اقتراب عيد الأضحى وبدء العام الدراسي "الكلام بين الناس وفي التليفزيون بيقول إن الحاجات سعرها النص بالنص (مخفضة)، فجيت بالأساس علشان الكراريس واللحمة".

اقتراب عيد الأضحى جعل الإقبال على شادر اللحوم كثيفًا- تصوير: صفاء سرور

انتهت أسماء من الشراء، بينما كانت سيدة في انتظار اللحم "الكويس في مصدره وأسعاره" لها ولأخيها علي الذي يقول "أصلنا عرفنا إن هنا في بيطريين بيكشفوا على اللحمة؛ فكده موثوق فيها"، لتقاطعه شقيقته قائلة "وسعرها هنا 80 جنيه لكن برّه بتتباع بـ130 جنيه، والضاني هنا بـ110 وبرّه بـ160. يعني لو هشتري من مكان تاني هعمل ميزانية أكبر".