توثيق جرائم الحرب السورية.. ضحية خوارزميات "يوتيوب"

تحول يوتيوب رغم أنفه إلى وسيلة دفاع عن مرتكبي جرائم الحرب، بعد أن كان منصة مهمة في تقديم أدلة إدانتهم.

أعلنت مبادرة "الأرشيف السوري" المعنية بتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، عن قيام شبكة "يوتيوب" بحذف ما يقرب من 120 إلى 150 ألف فيديوK يُوثِّق لانتهاكات حقوق الإنسان في سوريا التي تشهد حربًا أهلية منذ سبع سنوات.

وأضافت المبادرة عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك أن إدارة يوتيوب قامت بحذف وحظر ما يقرب من 120 قناة من إجمالي 928 قناة مسجلة لدى موقع الأرشيف السوري. كانت تلك القنوات معنية بنشر فيديوهات تتعلق بما يحدث في سوريا، وشكلت منشوراتها حوالي 20% من إجمالي الفيديوهات التي توثق جرائم حرب وأحداث عنف جرت في سوريا، وتعد هي المصدر الأول لوكالات الأنباء والمنظمات المعنية بتوثيق جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان الدائرة في البلاد.


وأردفت المبادرة أن إجمالي الفيديوهات المتعلقة بسوريا على موقع يوتيوب الآن بلغت قرابة 609007 (حوالي 609 ألف) فيديو، بخلاف تلك التي قامت إدارة يوتيوب بحذفها لاحتواءها على أعمال عنف.

وكشفت إدارة يوتيوب في يونيو/حزيران الماضي عن توصل مهندسيها إلى تطوير تكنولوجيا جديدة لمنع إعادة تحميل "المحتوى الإرهابي"، باستخدام تقنية مطابقة الصور - image matching Technology - وتعهدت الشركة بتفعيل 4 خطوات إضافية "لمكافحة الإرهاب عبر الإنترنت"، عبر التوسع في استخدام التكنولوجيا المساعدة في "تحديد مقاطع الفيديو المتطرفة والإرهابية".

وأضافت يوتيوب أن استخدام تلك التكنولوجيا صار ضرورة مع الزيادة الهائلة في معدلات رفع مقاطع الفيديو، والتي بلغت قرابة 400 ساعة كل دقيقة، أي أن مستخدمي الإنترنت يرفعون فيديوهات يبلغ طولها مجتمعة 400 ساعة في كل دقيقة، "ما يجعل استخدام تقنيات التعلم الآلي لتحديد المحتوى غير المرغوب أمرًا حتميًا".

"في حين أن هذه الأدوات ليست مثالية، وليست صحيحة لكل حالة، إلا أن في كثير من الحالات أثبتت أنظمتنا إنها أكثر دقة من البشر في الإبلاغ عن أشرطة الفيديو التي تحتاج إلى الحذف"

-المدونة الرسمية لموقع يوتيوب

مسار يوتيوب الجديد جاء بالتوازي مع إعطاء منح تشغيلية لـ 50 منظمة غير حكومية، تختص في رصد خطاب الكراهية وإيذاء النفس والتحريض على العنف والإرهاب. لترتفع شراكات يوتيوب مع المنظمات المعنية بمكافحة الإرهاب إلى 113 منظمة، وذلك بحسب ما تم إعلانه عبر المدونة الرسمية لـ"يوتيوب". بينما لم يظهر أثر تلك السياسات الجديدة إلا في أغسطس/آب الماضي، مع بدء إعلان يوتيوب عبر مدونتها الرسمية عن تفعيل آلية الذكاء الاصطناعي المعتمدة على آلية التعلم -Learning machine -في تحديد وتتبع المحتوى المتطرف، كجزء من استراتيجية عمل جديدة تتبعها الشركة.

واحتفت الشركة بما رأت فيه نتائج مبشرة بإزالة أسرع ورصد أفضل كفاءة للمحتوى المتطرف. وأضافت المدونة أن تلك التكنولوجيا أصبحت قادرة على "معالجة التحديات المستمرة والمتغيرة حول المحتوى المثير للجدل" على يوتيوب.


فور دخول تلك التكنولوجيا الجديدة حيز التنفيذ؛ بدأت العديد من المنظمات المعنية برصد وتحليل فيديوهات انتهاكات حقوق الإنسان وأدلة جرائم الحرب -وخاصة في سوريا- في الشكوى من استخدام تلك التقنية الجديدة، إذ كانت يوتيوب تُرسل قبل تطبيق تلك التكنولوجيا تحذيرًا عبر البريد الإلكتروني للمستخدمين قبل البدء في حذف المقاطع المصورة، مع شرح مفصل لأسباب الإقدام على الحذف. وغالبًا ما تتعلق تلك الأسباب بانتهاك سياسات الاستخدام الخاصة بيوتيوب.

لكن؛ هذه المرة، فوجئت المنظمات المعنية برصد وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا بإغلاق العديد من القنوات وحذف مئات الآلاف من الفيديوهات التي توثق انتهاكات لحقوق الإنسان، دون إشعار مسبق أو رسالة تفيد اعتزام إدارة يوتيوب الإقدام على تلك الخطوة.

اقرأ أيضًا: الذكاء الاصطناعي.. عهد جديد من البطالة

ومن بين الفيديوهات التي فوجئت المؤسسات المعنية بتوثيق تلك الانتهاكات بحذفها، فيديو يُظهر قيام مجموعة من مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية المعروف باسم "داعش" بتدمير آثار مدينة النمرود الأشورية في متحف الموصل بالعراق، باعتباره "محتوى متطرف".


وهو ما دفع مبادرة الأرشيف السوري وعدد من المؤسسات المعنية بتوثيق الانتهاكات إلى التواصل مع إدارة يوتيوب لاستعادة تلك القنوات التي تحوي آلاف الفيديوهات، والتي كان يوتيوب هو جهة توثيقها الوحيدة لها، خاصة مع تكرار حالات اختطاف وقتل المراسلين والموظفين الدوليين ممن كان يمكنهم توثيق تلك الانتهاكات والجرائم بسبل أخرى.

مكافحة إرهاب أم حذف أدلة إدانة؟

منذ اندلاع الصراع في سوريا واليمن وليبيا، ومع تنامي استخدام الهواتف المحمولة في منطقة الشرق الأوسط، كانت مواقع التواصل الاجتماعي وبالتحديد يوتيوب هى المصدر الأول لوكالات الأنباء والمنظمات المعنية بتوثيق جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان لمعرفة ما يحدث على الأرض، وهو ما نتج عنه تنامي عمل العديد من المؤسسات في التحقق من المحتوى للتأكد من صحة الوقائع والتعرف على أماكن وأزمنة وقوعها.

وخلال سنوات الصراع السبعة، كان يوتيوب يزخر بمئات الآلاف من المقاطع التي التقطها مواطنون عاديون أو هواة بكاميرات غير احترافية، كانت المصدر الرئيس - وأحيانا الوحيد- لمعرفة وتوثيق انتهاكات وجرائم، لم تكن ليتم توثيقها لو تراجعت عقارب الساعة إلى الوراء قليلاً.

وتعد أشهر الفيديوهات التي أثبتت ارتكاب جرائم حرب سواء على يد النظام السوري أو على يد ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية بعد نشرها على يوتيوب، هي الفيديوهات التي وثقت الهجوم الكيماوي في خان شيخون (أبريل 2017)، ثم الغوطة الشرقية (يناير 2017). المقاطع المصورة التي كشف موقع Bellingcat للصحافة الاستقصائية المبنية على معلومات الإنترنت عن حقيقة مرتكبيها، نتج عنها إدانات دولية واسعة ضد النظام السوري الذي اتهم بارتكاب الجريمتين. هذه الفيديوهات التقطها مواطنون وقاموا ببثها عبر يوتيوب، ما أتاح للصحفيين العمل على التحقق منها والتوصل لمرتكبي الجرائم.

تكرر الأمر في ليبيا عندما صدرت مذكرة توقيف دولية استندت في الأساس إلى فيديوهات شهود عيان وأحداث عنف وقتل بُثت عبر منصات التواصل الاجتماعي.

لكن خوارزمية يوتيوب الجديدة التي تجعل الموقع يبادر لحذف المحتوى بناء على إحدى تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، صارت تهدد هذه الأدلة التي ربما تدين النظام السوري في المستقبل، وقد تدين كذلك الجماعات المسلحة أو الضباط النظاميين في ليبيا، ليتحول يوتيوب رغم أنفه إلى وسيلة دفاع عن مرتكبي جرائم الحرب، بعد أن كان منصة مهمة في تقديم أدلة إدانتهم.