حريات التعبير والعمل والسكن.. في مرمى نيران النواب

"القانون يهدف لمواجهة الانفلات الأخلاقي بالسوشيال ميديا وصفحاتها، فالمجتمع في حاجة لمعرفة كيفية الانتقاد".

صلاح حسب الله عضو ائتلاف دعم مصر عن قانون الجريمة الإلكترونية

لم يكتف أعضاء البرلمان المصري بحزمة القوانين التي قوبلت بتنديد حقوقي محلي ودولي خلال دوري الانعقاد المنقضيين، فضلا عن موافقتهم "المضمونة" على طلبات السلطة التنفيذية المستمرة لتمديد حالة الطوارئ، إذ يعكف عدد من النواب على إعداد مجموعة من التشريعات الجديدة التي تهدد بمزيد من التضييق على الحريات والحقوق العامة، وعلى رأسها حريات التنظيم والتعبير والحق في العمل.

الإعدام للفيسبوك

أبرز المشروعات الجديدة المتوقع تمريرها في البرلمان خلال دور الانعقاد الذي سيبدأ الأحد المقبل الموافق أول أكتوبر/ تشرين أول، هو مشروع قانون مكافحة الجريمة الإلكترونية، الذي تحاول السلطات إصداره منذ صيف 2014.

مشروع القانون الذي ستقدمه الحكومة ويتوقع أن يحظى بموافقة المجلس الذي يسيطر على أغلبية مقاعده ائتلاف دعم مصر المؤيد للحكومة، يحوي مواد تتصل بتنظيم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وعلى رأسها فيسبوك وتويتر. وبينما ينص الدستور على حرية التعبير في المادة 65 منه، التي تنص على أن "حرية الفكر والرأى مكفولة. ولكل إنسان حق التعبيرعن رأيه بالقول، أو بالكتابة، أو بالتصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر"؛ تعتزم الحكومة المصرية مع ائتلاف الأغلبية تنظيم تجريم المنشورات التي يكتبها ويشاركها المواطنون من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وتصل عقوبات بعض الأفعال التي سيجرمها القانون إلى الإعدام حسبما كشف النائب صلاح حسب الله، عضو ائتلاف دعم مصر في تصريحات خاصة.

اقرأ أيضًا: قانون الجريمة الإلكترونية.. التورنت يحملك إلى طرة

حسب الله قال إن الحكومة تعكف على وضع قانون لمكافحة الجرائم الإلكترونية، على أن يحصل دعم مصر على نسخة منه بمجرد وصوله لجان البرلمان لمناقشته، موضحًا أن القانون "يهدف لمواجهة الانفلات الأخلاقي بالسوشيال ميديا وصفحاتها، فالمجتمع في حاجة لمعرفة كيفية الانتقاد".

النائب صلاح حسب الله، المتحدث باسم ائتلاف دعم مصر".

التخوف من استخدام صفحات الإنترنت للعلمليات الإرهابية أو السب والقذف، جعل الحكومة والائتلاف يسعيان للنص على عقوبات تتجاوز الغرامات وقد تصل للإعدام. كما أنه سيتضمن تجريم أي تمييز أو خوض بأعراض المواطنيين مهما كان منصب صاحب المنشور.

ورغم وجود نصوص محددة بقانون مكافحة الإرهاب تعاقب على نشر ما يعد تحريضًا على العنف والإرهاب؛ إلا أن الحكومة ترى أن النصوص القائمة بالفعل سواء في قانون مكافحة الإرهاب أو قانون العقوبات، غير كافية.

تسعى الحكومات المتعاقبة لاستصدار هذا القانون منذ عامين تقريبًا، خاصة مع صعود دور شبكات التواصل الاجتماعي في الحشد والتعبير عن الآراء السياسية منذ ثورة 25 يناير، وعاد الحديث عن ضرورة صدور القانون مع بدء دور الانعقاد الثاني في 2016، عندما تقدم النائب تامر الشهاوي (ضابط مخابرات سابق) بمشروع قانون لمكافحة الجريمة الإلكترونية، والذي تضمن تجريمًا لاستخدام الإنترنت في عمليات التزوير الإلكتروني وإنشاء مواقع للتشجيع على الإرهاب أو نقل المعلومات.

وتراوحت العقوبات المنصوص عليها في مشروع قانون الشهاوي من السجن شهرًا واحدًا إلى الإعدام في حالة الجرائم الإلكترونية التي يترتب عليها وفاة شخص أو أشخاص أو "تهديد الأمن القومي والسلم الاجتماعي"، إضافة إلى عقوبات الاختراق الإلكتروني والتزوير وغيرها من الجرائم، كما ينص القانون على عقوبات بحجب مواقع أو إلغاء تراخيصها بأحكام قضائية.

سبق هذا محاولتين لإصدار القانون منهما مشروع القانون الذي قدمته وزارة الدفاع في 2015 تحت ذات المسمى "مكافحة الجريمة الإلكترونية"، وتلقت لجنة الإصلاح التشريعي التابعة لرئاسة الجمهورية مشروع القانون المكون من 35 مادة في فبراير/شباط 2015. أما المحاولة الثانية، فسبقت بها وزارة العدل، وتولّى مجلس الوزراء تقديمها إلى رئاسة الجمهورية في أبريل/ نيسان 2015، وتكونت هذه المسودة من 28 مادة.

ويرى كثير من نواب البرلمان - كما رصدت تقارير صحفية متعددة- أنه لابد من استحداث عقوبات رادعة "ضد المسيئين للجيش والشرطة".

ورصد تقرير لمؤسسة حرية الفكر والتعبير ما لا يقل عن 57 حالة انتهاك لحق أفراد في التعبير عن رأيهم رقميًا "عبر الإنترنت ووسائل الاتصالات الحديثة" وانتهاك لخصوصيتهم الرقمية. حيث أُلقي القبض على ما لا يقل عن 38 شخص ووقَّعت عقوبات إدارية على 18 آخرين باﻹضافة إلى حكم بالحبس في حالة واحدة، بسبب قيامهم بنشر مواد على الإنترنت. فضلا عن تعرض نشطاء وحقوقيين لاختراق بريدهم اﻹلكتروني. كما حاولت السلطات تعطيل تطبيق المحادثات اﻵمنة سيجنال، ونجحت في ذلك لأيام، وقامت جهة غير معروفة بالدولة بحجب ما يزيد عن 400 موقع إلكتروني، معظمها مواقع صحفية وحقوقية.

سكنك مع الشرطة

ويعتزم اللواء يحيى الكدواني، وكيل لجنة الدفاع والأمن القومي التقدم بمشروع قانون يُلزم المؤجِّر بالحصول على تصريح أمني قبل السكن، عن طريق إبلاغ جهاز الأمن المصري ببيانات أي مستأجر جديد لأية شقق سكنية، سواء مجهزة "مفروشة"، أو دون تجهيز. مشيرًا إلى أن مشروع القانون الجديد يشترط ذلك على المالك للعقار مع وضع عقوبة لعدم تنفيذه.

الكدواني أشار في تصريحات خاصة إلى أن التشريع يأتي "بعدما تبين في الأونة الأخيرة أن الإرهابيين يستأجرون الشقق المفروشة لترتيب عملياتهم الإرهابية وإيواء الأسلحة بها"، متابعًا أن القانون يشمل اشتراط الإبلاغ عن بيانات جميع قاطني الشقق والوافدين عليها.

وبسؤاله عن عرقلة هذه الخطوات لانتقال أي أسر جديدة للسكن، قال اللواء الكدواني بأنه سيتم وضع بند يضمن التيسير علي المواطن بتلقي الإخطار وسرعة الحصول علي التصريح بالسكن، مؤكدا أن هذا لن يعرقل الحق في السكن.

هذا التشريع من بين كافة التشريعات المثيلة المنتظر عرضها على البرلمان، لا يتشابه مع أي تشريع قائم حاليًا، وهو تقنين لممارسة كانت تتم عرفيًا، إذ تُلزم بعض أقسام الشرطة حارسي العقارات في مناطق بالعاصمة بتسليم صور هويات المستأجرين الجدد للتحري عنهم والتأكد من عدم انتمائهم لأية جماعات إرهابية. وقال الخبير الأمني محمد نور في تصريح خاص إن الأقسام توقِّع غرامات على حراس العقارات والملاك الذين لا يبلغون ببيانات السكان الجدد.

وأوضح نور أن كل قسم شرطة كان يحوى قديما "دفتر إيواء الغرباء" ويتضمن بيانات يقدمها ملاك العقارات عن السكان.

100 ألف جنيه غرامة إهانة رموز الدولة

ورغم أن قوانين عدة على رأسها قانون العقوبات أيضًا تعاقب على إهانة "رموز الدولة" ومؤسساتها كالبرلمان والأزهر والوزارات المختلفة، إلى جانب جرائم إهانة العلم ورئيس الجمهورية؛ إلا أن اللواء كمال عامر عضو ائتلاف دعم مصر ورئيس لجنة الدفاع والأمن القومي يجد أن تلك النصوص وعقوباتها غير كافية، ويعتزم أن يتقدم خلال أيام بمشروع قانون لتغليظ عقوبات الإساءة لرموز الدولة.

كمال عامر تقدم بمشروع قانون لتغليظ العقوبة الواردة في المادتين 179 و184 من قانون العقوبات، ليصبح نصهما: المادة 179: "يعاقب كل من أهان رئيس الجمهورية بالحبس مدة لا تقل عن 24 ساعة ولا تزيد عن ثلاث سنوات، وغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه، ولاتز يد عن مائة ألف أو إحدى هاتين العقوبتين".

كمال عامر رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي 

المادة 184في صيغتها الجديدة تنص على أن "يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن خمسين الف جنيه ولا تزيد عن مائة ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من أهان أو سب بإحدى الطرق المتقدم ذكرها مجلس النواب أو غيره من الهيئات النظامية او الجيش أو المحاكم أو السلطات أو المصالح العامة، وأى رمز من رموز الدولة المصرية".

المشروع سبق وأن أُعلن عنه قبل أسابيع من نهاية دور الانعقاد الثاني، إلا أن القوانين المتلاحقة التي كان المجلس يسعى للانتهاء منها قبل انقضاء دور الانعقاد الثاني أجلت مناقشته بالجلسة العامة، وينتظر المشروع دور الانعقاد المقبل، في ظل إصرار مقدمه على تمريره، وسط تأييد جارف، على حد تأكيد النائب.

وعزل الإخوان بإجراءت قضائية

النائب محمد أبو حامد من النواب المبادرين دومًا بمشروعات قوانين يرى أن "الدولة" تحتاجها. فقد كان أبو حامد هو من تقدم بمشروع قانون جديد للأزهر في أوج الخلاف بين الرئاسة والمؤسسة خلال أزمة الطلاق الشفهي. وأبو حامد هو من يعتزم التقدم بمشروع قانون لعزل كل من ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين من وظائف الدولة، وذلك "لمواجهة الإرهابين" من خلال تشريع يتضمن 25 مادة، يسعى حامد لعرضه على زملائه النواب للموافقة عليه في بداية دور الانعقاد الثالث.

استطاع حامد أن يجمع توقيعات حوالي 130 نائبًا موافقين على مسودة القانون الأولى، ما يمنحه مشروعية طرحه للمناقشة في لجان البرلمان وجلسته العامة حسبما ينص القانون واللائحة الداخلية للبرلمان.

قانون أبوحامد يُعرِّض الحق في العمل والحق في التنظيم معًا للتهديد، وهما من الحقوق المنصوص عليها في العهد الدولي لحقوق الإنسان الذي وقعت عليه مصر. إذ أن القانون يهدد مواطنين بالحرمان من حقهم في العمل بسبب انتمائهم السياسي.

وبحسب أبو حامد، لا تتضمن مواد مشروع القانون الجديد آليات تحديد من سيطبق عليهم القانون. "لم تنته كافة مواده لتحديد أليات الاتهام" وإن أكد أبو حامد في تصريحاته مرارًا أن الدولة "بحاجة في هذا التوقيت لمثل هذا التشريع ليكون خطة وبداية للتطهير".

محمد أبو حامد

المشروع يرسم خارطة طريق لتحديد "الكوادر الإخوانية" وعزلها، بدءًا من المناصب القضائية ووصولا لهيئات الجهاز الإداري والإدارات المحلية. ويُلزم القانون الجهات الإدارية بإجراءات تالية على صدور قرارات قضائية في حق موظف أو مجموعة أو كيان، أهمها عزله إذا كان فى وظيفة عامة.

وفى حال تقدُّم الموظف بطعن على الحكم إلى محكمة النقض، فإن مشروع القانون ينص على وقفه عن العمل والتحفظ على أمواله إلى حين الفصل في الطعن المقدم منه. وفي حال إقرار الحكم بالانتماء إلى "الجماعات الإرهابية" يتم فورًا فصله عن العمل ومصادرة أمواله لصالح الدولة. أما فى حال قضاء محكمة النقض بنفي الحكم السابق؛ فكأن شيئا لم يكن ويعاد النظر فى وقفه عن العمل والتحفظ على أمواله.

أما بالنسبه للماده 86 من قانون العقوبات التى تجرِّم الإنضمام أو الانتماء للكيانات الإرهابية أو المشاركة فى أعمالها مع العلم بأغراضها، وتعاقب الثابت في حقه الإنتماء إليها بالسجن لمدة خمس سنوات، فيراها أبو حامد غير كافية "ما زال مجموعة من المنتمين للإخوان يعملون بمؤسسات الدولة"، وهو وضع يسعى أبو حامد لإنهائه.