هارفي ميلك.. بطل عالم الألوان

اغتيل ميلك، وهو في السابعة والأربعين، ورغم مسيرته القصيرة في مجال السياسة وحقوق المثليين، إلا أنه يعد واحدًا من أبطال المعركة التي خاضها مجتمع المثليين في الولايات المتحدة الأمريكية والغرب.

"إن كانت هناك رسالة يجب أن أوجهها، هي أنني وجدت شيئًا واحدًا جوهريًا في انتخابي، وهو إنه إذا تم انتخاب شخص مثلي الجنس، فهذا يعني الضوء الأخضر بالنسبة لكم، وعليكم أن تعطوا للناس الأمل"، تلك كانت كلمات هارفي ويليام ميلك، الناشط والسياسي الأمريكي الراحل من خطبته الشهيرة "كلمة الأمل" التي ألقاها عام 1978 بمناسبة فوزه في انتخابات مجلس مدينة سان فرانسيسكو.

قد يعتبر البعض هارفي ميلك بطلًا مناضلًا، وقد يراه كثيرون عكس ذلك، كل يرى حسب ما يؤمن به، فإن كنت محافظًا مناهضًا للمثلية الجنسية وحقوق المثليين؛ فحتمًا لن ترى في سيرة هارفي ميلك أي بطولة. لكن بغض النظر عن موضوع المثلية الجنسية، فقد كرّس هارفي حياته ثم قدمها في سبيل ما يؤمن به، كافح بشدة لتغيير الوضع السياسي والاجتماعي في الولايات المتحدة الأمريكية المحافظة آنذاك.

اقرأ أيضًا: كيف ستفشل "حرب الهوية" ضد المثليين في مصر

أثناء خدمته في البحرية الأمريكية، والعمل في وول ستريت في مجال الاستثمار، حافظ هارفي ميلك على سرية ميوله الجنسية. كان هارفي من عائلة يهودية صغيرة من الطبقة الوسطى الأمريكية، ولم ينفتح على ميوله الجنسية إلا بعد اختلاطه بالوسط المسرحي البوهيمي في مدينة نيويورك. عاش هارفي 47 عامًا، منها 40 كأمريكي تقليدي ينتقل من مهنة لأخرى، أما السنوات المعدودة المتبقية فخصصها للنشاط في حقوق المثليين جنسيًا في الولايات المتحدة الأمريكية.

فيلم Milk الذي يعرض السيرة الذاتية لهارفي ميلك، وقام ببطولته شون بن، يعتمد نصه السينمائي على أسلوب الفلاش باك في سرد الأحداث. يبدأ الفيلم بهارفي يجلس وحيدًا يكتب ويحكي يومياته قبل وفاته بأيام. في واحدة من ذكرياته الأولى يعود ميلك إلى عام 1970 في ولاية نيويورك أثناء ذكرى ميلاده، نراه يقول لصديقه إنه أصبح في الأربعين من عمره ولم يفعل شيئًا واحدًا يفخر به، واتفقا على الانتقال لمدينة سان فرانسيسكو.


بعيدًا عن الفيلم، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كان المثليون في الولايات المتحدة الأمريكية يعانون من التمييز ضدهم قانونيًا، واجتماعيًا، وكانت الشرطة الأمريكية تقوم بغارات من حين لآخر على الحانات والنوادي التي يجتمع فيها المثليون، ولكن في غارة عام 1969 على حانة "ستونوول" الشهيرة في مجتمع المثليين، اختار المثليون الوقوف ضد الشرطة بدلًا من الهرب، ما قاد لسلسلة أعمال شغب ومظاهرات، طالب خلالها المثليون بحقهم في ارتياد الحانات الصديقة لهم.

تعرض المثليون لوحشية الشرطة أثناء وبعد أحداث "ستونوول"، ما أدى إلى انتقال جماعي للمثليين من مدينة نيويورك والساحل الشرقي، إلى الساحل الغربي ومدينة سان فرانسيسكو على وجه الخصوص، للهروب من بطش الشرطة والتمييز الذي يتعرضون له.

ميلك.. عمدة شارع كاسترو

كان ميلك واحدًا من هؤلاء الساعين إلى الحرية، في عام 1972 انتقل من نيويورك إلى سان فرانسيسكو التي تعد واحدة من أكثر المدن المتمتعة بمستوى عالٍ من الحريات.

وصل ميلك إلى سان فرانسيسكو كإنسان ذي ميول جنسية مختلفة يحلم بمساحة من الحرية والتمتع بحقوقه كأي مواطن عادي، لكن عند وصوله للمدينة تزامن مع صعودٍ قويٍ للتيار المسيحي المحافظ بعد أحداث صيف "Summer Of love" التي شهدتها سان فرانسيسكو في صيف 1967، وقتها تدفق مئات الآلاف من الشباب إلى المدينة اعتراضًا على منع الولاية مخدر الـ LSD وحظره، فجذب هذا التجمع الشبابي الضخم الفنانين لتتحول المظاهرة إلى واحدة من أقوى الأحداث الفنية والثقافية في القرن الماضي.

اقرأ أيضًا: حقوق المثليين.. الفن يتحدث أولًا

بعد انتقاله إلى سان فرانسيسكو، افتتح ميلك ستوديو صغير للتصوير الفوتوغرافي "كاسترو كاميرا" في شارع كاسترو، وبسبب بعض المضايقات والتمييز الذي تعرض له في أيامه الأولى؛ تحول المكان إلى مركز لتجمع المثليين، حيث يلتقي بهم هارفي ليسمع منهم مشاكلهم ويتعرف على مطالبهم.

تحول "كاسترو كاميرا" من محل للتصوير إلى ملتقى للنشطاء ومركزًا للحي، الأمر الذي أدى إلى مزيد من المضايقات من الشرطة. أوحى هذا لهارفي بفكرة أن مجتمع المثليين في أمريكا بحاجة إلى تمثيل سياسي، وإلى صوت يعبر عن وجوده، فبدأ نشاطه السياسي من أمام الاستوديو. كان هو وأصدقاؤه يطبعون المنشورات ويلصقونها في الشوارع.

تطورت حياة هارفي ميلك السياسية سريعًا، ووجد نفسه قائدًا لمجتمع بلا صوت، كانوا يطلقون عليه "عمدة شارع كاسترو"، ومع التفاف مجتمع المثليين في المدينة حوله؛ رشح ميلك نفسه في مجلس المدينة، وخسر. ولكن بالنسبة لشخص يهودي، مثلي، لا يملك المال، أقرب للهيبيز منه للساسة، ولا يتمتع بأي خبرة سياسية، ولا يعرف قواعد اللعبة، حقق ميلك نتائج جيدة رغم خسارته.

فور خسارته، بدأ ميلك في الاستعداد لحملته الانتخابية المقبلة، بدأ يفهم لعبة السياسة والانتخابات، قص شعره وشاربه، أصبح يبدو كسياسي تقليدي، تخلى عن تدخين الماريجوانا، وبدأ يكتب مقالات في الصحف المحلية في سان فرانسيسكو، ترشح بعدها مرة ثانية في الانتخابات وخسر بفارق ضئيل.

رغم الخسارة أصبح ميلك زعيمًا لمجتمع المثليين، ووطّد علاقاته وصلاته ليصبح قوة سياسية لا يمكن الاستهانة بها في سان فرانسيسكو، فاستطاع بمساعدة عمدة المدينة الذي كان مؤيدًا لحقوق المثليين أن يلغي قانون مكافحة اللواط، في الوقت الذي كان فيه المجتمع الأمريكي ما زال يرى المثليين مرضى نفسيين.

وفي عام 1977، رشح ميلك نفسه للمرة الثالثة في انتخابات مجلس الولاية، وفاز هذه المرة ليصبح أول شخص يعلن بصراحة عن ميوله الجنسية المثلية، ويتم انتخابه لمنصب في كوكب الأرض.

لم تكن قضية حقوق المثليين هي القضية الوحيدة التي يتبناها هارفي ميلك، ولكنها كانت الأبرز، فقد كانت همه الشخصي، ولكن حمل برنامجه الانتخابي عددًا من القضايا الأخرى التي لا علاقة لها بمجتمع المثليين وقضاياهم، فقد كان البرنامج يضم خططًا لحل طائفة من القضايا والمشكلات التي يعاني منها مواطنو سان فرانسيسكو، مثل قضية رعاية الأطفال، وتشكيل مجلس مدني لمراقبة جهاز الشرطة.

لم يتسن لهارفي العمل على برنامجه، ففي 1978 أي بعد أقل من عام من انتخابه، اُغتيل هارفي ميلك ومعه عمدة مدينة سان فرانسيسكو في قاعدة مجلس المدينة برصاص سياسي يُدعى دان وايت، كان يرى أن أمثال ميلك وموسكون (العمدة) يدمرون مدينته ويعملون على هدم قيم المجتمع بالتسامح مع المثليين.

خدم وايت كجندي في الحرب الأمريكية في فيتنام، كان شرطيًا سابقًا ومسيحيًا متزمتًا، قرر الاستقالة من مجلس المدينة بسبب هارفي ميلك، لكنه تراجع عن قرار الاستقالة، لكن العمدة موسكون رفض عودته بعد أن نصحه ميلك بأن هذا المقعد يستحقه شخص أكثر انفتاحًا من وايت.

أغتيل ميلك، وهو في السابعة والأربعين من عمره، ورغم مسيرته القصيرة في مجال السياسة وحقوق المثليين، إلا أنه يعد واحدًا من أبطال المعركة التي خاضها مجتمع المثليين جنسيًا في الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، فحال المثليين قبل ميلك ليس كحالهم بعده، إذ استطاع أن يمنح الأمل بالتغيير لكل الأجيال التي لحقته.