محبة "حماس" بعد عداوة.. الإعلام المصري ومراعاة فروق التوقيت

اختلاف أجندة الإعلام من النقيض للنقيض، لم يحدث مع الملفات السياسية فقط، فالاجتماعية كان لها من هذه التقلبات نصيب.

مشاهد لقيادات سياسية فلسطينية من حركتي "فتح" و"حماس"، تتابعت وفي خلفيتها جزء من رسالة المصالحة، التي وجهها الرئيس عبد الفتاح السيسي للفلسطينيين خلال انعقاد الدورة 72 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول الماضي، ثم تُطل الإعلامية لميس الحديدي على المشاهدين من أمام مقر الحكومة الفلسطينية في رام الله.

تتقاطع المشاهد بين "أبو مازن" و"إسماعيل هنية"، يتوسطها كادرات للافتات شكر للرئيس المصري تناثرت في شوارع غزة، حيث وقفت "الحديدي" تستطلع رأي الشارع الفلسطيني في المُصالحة التي تتم برعاية مصرية، قبل أن تبدأ حوارًا مع رئيس المكتب السياسي لـ"حماس" هنية نفسه، أذاعته أمس الثلاثاء في برنامجها هنا العاصمة.


قبل تاريخ أمس بحوالي 4 أعوام، ومن ستوديو البرنامج نفسه؛ وجهت لميس تحذيرًا لحماس من "الفُرقّة مع الشارع المصري" ومن أن يكونوا "معولًا" في يد النظام ضد المصريين. النظام الذي كانت تقصده الحديدي هو النظام الذي كان على رأسه جماعة الإخوان المسلمين.

ومن المعروف عن حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية "حماس" ارتباطها الإيديولوجي بالإخوان باعتبارها الجماعة الأم، وقد حظت بدعم كبير من النظام الإخواني وقت حكمه لمصر، كما بدا حين أوفد الرئيس الأسبق محمد مرسي رئيس وزرائه هشام قنديل إلى هناك، وقت تعرض القطاع لقصف إسرائيلي، في سابقة بين الطرفين المصري والفلسطيني.

فرق توقيت

الفرق بين حلقتي "هنا العاصمة" ليس زمنيًا فقط، بل له وجوه أخرى، أبرزها الخلفية السياسية التي مرت على إيقاعها تلك الفترة، فـ"حماس" التي يُحاكم القضاء المصري الرئيس المعزول محمد مرسي بتهمة "التخابر" معها، كانت حتى الأمس القريب هدفًا لانتقادات الإعلام المصري، قبل أن يصبح قادتها الآن ضيوفًا على برامجه التي خرجت مذيعة في إحداها قبل عامين لوصف حركة المقاومة الإسلامية "حماس" بـ"الصراصير".


التلاسن وكيل الاتهامات لـ"حماس" تصاعدت وتيرتيهما بعد "30 يونيو". فهي أمام الإعلام الحركة المسؤولة عن "العنف في سيناء، اقتحام السجون المصرية في 28 يناير 2011، التهريب عبر الأنفاق، وتدريب الإخوان المسلمين على العنف". فماذا حدث الآن؟

ما حدث أن النظام المصري، ممثلًا في الرئاسة وجهاز المخابرات العامة، تدخل بثقل في عقد المصالحة بين السلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها حركة فتح، وغريمتها حركة حماس، بعد صراع طويل ممتد منذ فازت حماس بانتخابات عقدت في 2008، استولت بعدها على السلطة في قطاع غزة.

لا يقتصر تأثير التوقيت على الإعلام المصري بتوجهاته وأجندته على تعامله مع حركة حماس فقط، فلطالما كان للإعلاميين- خاصة القريبين منهم من السلطة ودوائر صنع القرار- تقلبات من النقيض للنقيض.

اقرأ أيضًا: مثالية "المقاتل" وفضفضة "العساكر".. معركة الصورة بين مصر وقطر

تقلبات داخلية وخارجية

لا مثال على تقلب الأجندة الإعلامية المصرية أشد وضوحًا من ثورة 25 يناير، التي اختلفت أحاديث الإعلام حولها.

أحد من اختلف موقفهم تجاه الثورة كان الصحفي إبراهيم عيسى، الذي كان ينظر البعض له قبل ثورة 25 يناير باعتباره واحدًا من "أيقونات المعارضة". وحين اندلعت الثورة كان "عيسى" واحدًا ممن تعاملوا معها لكن بطريقته، إذ اتخذ صف الثائرين وسُجلت له فيديوهات من الميدان، كما دشّن صحيفة وقناة باسم "التحرير"، قدّم فيها برنامج "في الميدان" حيث كان ضيوفه الأبرز هم النشطاء السياسيين.

ولكن بعد 30 يونيو التي ينتمي أغلب مؤيديها إلى معسكر نظام مبارك، تحوّل موقف "عيسى"، وبدأ الطعن في "شباب الثورة" وكيل الاتهامات لهم، بعد عدواة دبّت بينه وبين أبناء معسكر يناير حين كان أحد الشهود في قضية قتل المتظاهرين، وقدم شهادة أسهمت في براءة الرئيس الأسبق حسني مبارك .

اقرأ أيضًا: إبراهيم عيسى.. اللعب على حبال السياسة والصحافة

حتى على مستوى الكاريكاتير، كانت الأجندة تتقلب. ويُعدّ الراحل مصطفى حسين أبرز رسامي الكاريكاتير ذوي المواقف المترددة. فهو من كان ضد ثورة 25 يناير حد أنه رسم خلال مظاهراتها كاريكاتيرًا يظهر فيه الرئيس الأسبق "شمسًا ساطعة"، قبل أن يعلن في حوار لصحيفة "الأهرام" ندمه عليه.

وقبل اندلاع الثورة بسنوات طويلة، تعرض إبراهيم سعده رئيس مجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم لموقف مُحرج خلال الثمانينيات، حين كان مرافقًا للرئيس المصري- في ذلك الحين- حسني مبارك أثناء إحدى لقاءاته بنظيره الليبي مُعمر القذافي، والذي ما إن قابل "سعده" حتى لامه وهددّه وقال له "لولا وجود الرئيس مبارك الآن، لكنت قطعت رقبتك".

السبب في ذلك التهديد الذي حكى عنه "سعده"، كان مقالاته بـ"الأخبار" التي حملت الكثير من السب والقدح في حق "العقيد"، وقت توتر العلاقات بين النظامين المصري بقيادة أنور السادات، والليبي بقيادة القذافي، قبل أن يأتي مبارك وتتغير الأوضاع إلى الوفاق حسبما ورد في كتاب "أنيس منصور كما لم يعرفه أحد" للكاتب عاصم بكري.

وهجوم على الحلفاء

تغيّر أجندة الإعلام المصري لم يقتصر على ليبيا ولم يتوقف عند عهدي مبارك والسادات، فتقلبات الإعلام على وقع هوى السلطة استمر حتى مع دول صديقة للنظام الحالي، كما كان الحال مع السعودية.

ففي منتصف أكتوبر/ تشرين الثاني الماضي، قادت صحيفة "اليوم السابع" حملة تدعو المصريين لتأجيل أداء العُمرة لمدة عام، كي يوفروا لمصر عملة صعبة، وتزامنت حملة اليوم السابع مع تحقيقات في صحف أخرى عن "علاقة السعودية بالإرهاب".

تاريخ الحملة والموضوعات الصحفية التي تشاكس المملكة، يستدعي في الذاكرة قرار شركة "أرامكو" السعودية بقطع توريد البترول إلى مصر في نفس الشهر الذي شهد بدء تلك الحملة، كما تزامنت مع الهجوم السعودي على مصر بسبب تصويتها في اﻷمم المتحدة لصالح قرارين متناقضين حول القضية السورية.

اقرأ أيضًا: أصدقاء الأمس.. إعلاميون مصريون ينقلبون على المملكة

ولكن بعد ذلك بأشهر؛ استأنفت "آرامكو" شحناتها لمصر وزال سوء الفهم بين النظامين، وانتهت حملة "فلوس العُمرة" إلى لا شيء، بل عادت الصحيفة التي تبنتها إلى إنتاج قطع صحفية "كي يطمئن قلب المواطن المصري إلى سعودية جزيرتي تيران وصنافير".

سوريا التي كانت محور الخلاف المصري السعودي، كانت أيضًا من قبله محور اختلاف بين نظامي حكم داخل مصر نفسها، ففي وقت الرئيس المعزول محمد مرسي كان الحديث متجها إلى "نُصرة سوريا" بالوقوف ضد نظامها، حد تنظيم مؤتمر في استاد القاهرة لهذا الغرض بحضور رأس الدولة ورجال دين، ولكن بعد سقوط النظام الإخواني اختلف الأمر إلى دعم النظام السوري وجيشه "ضد الإرهاب"، بل وتدريب عناصره الشرطية.

حتى هموم المجتمع

اللافت أن اختلاف أجندة الإعلام المصري من النقيض للنقيض، لم يحدث مع الملفات السياسية فقط، فالقضايا الاجتماعية كان لها من التحولات الإعلامية نصيب، ومثالٌ على ذلك ما كان في ملف حوادث السكة الحديد وتطويرها.

فحين وقع حادث قطار البدرشين أوائل عام 2013، خصصت الإعلامية لميس الحديدي قرابة رُبع الساعة من وقت برنامجها لانتقاد النظام، بل وجهت الحديث صريحًا لرئيسه محمد مرسي بالقول "لو الشيلة تقيلة، ماتشيلش".


ولكن حين وقع حادث قطار دهشور، في أواخر عام 2013، بعد إزاحة النظام الإخواني، لم تنتقد "الحديدي" الحكومة إلا بلين وهوادة. واصفة أعضاء الحكومة بأنهم "أصدقاؤها"؛ "لكن مفيش صداقة في الموت"، وقسّمت المسؤولية بين "أصدقائها" الحكوميين وبين المواطنين، مطالبة بخصخصة قطاع السكك الحديدية.

لا يتطلب الأمر دقة ملاحظة، كي يكتشف المتابع التناقضات التي تنتاب الإعلام المصري من فترة لأخرى، خاصة بعد ثورة 25 يناير التي غيرت قواعد اللعبة السياسية والإعلامية، وأزاحت الستار عن بعض الممارسات الإعلامية التي كانت لتمر في سنوات سابقة على الثورة بلا ضجة، لكنها صارت الآن تحت ملاحظة جمهور عرّفته الثورة في أقل من عقد واحد على 3 أنظمة سياسية، يتلقب الإعلام مع أجندتها كلما شاء رؤوسها لها التحوُّل.