قوات التحالف خلال حرب الخليج الثانية. عدسة D. W. HOLMES

التحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب: شركة ذات مسؤولية محدودة!

عند الأزمات لا بد من التحرك للأمام. ربما مرت هذه القاعدة على ذهن المسؤولين عن صناعة القرار في الرياض عندما أعلنوا عن تشكيل تحالف "إسلامي" مكون من ٣٥ دولة لمحاربة الإرهاب في "العالم".

فالرياض تدرك أن التنظيم الذي يسمي نفسه باسم "الدولة الإسلامية" قد بات التهديد الأخطر على أمنها الداخلي، خصوصًا وأن التنظيم استطاع أن يظهر قدرة على القيام بهجمات إرهابية حول العالم من خلال عناصر متعاطفة معه كما حدث في باريس. في نفس الوقت تعتبر المملكة السعودية إيران التهديد الأكبر لأمنها الإقليمي، خصوصًا مع التمدد الإيراني في الفراغات المحيطة بالمملكة كما حدث في اليمن وسورية والعراق.

لمواجهة هذه التهديدات كان الحل من وجهة نظر الرياض هو تشكيل "تحالف إسلامي لمكافحة الإرهاب حول العالم". عبارة تبدو قابلة للتأويل والتفسير بأكثر من طريقة. لكن ربما التأمل في الدول الإسلامية المستثناة من التحالف وأبرزها العراق وإيران، هو ما جعل وزير الدفاع الأمريكي يصرح بأن "هذا التحالف يبدو متماشيًا مع ما كنا نحث عليه قادة الدول العربية السنية على القيام به وهو المشاركة بشكل أكبر في مكافحة داعش".

هو تحالف "إسلامي سني" بطبيعة الدول المستثناة منه. وهو تحالف يجمع دولًا تخوض حربًا باردة فيما بينها مثل مصر من جهة وتركيا وقطر من جهة أخرى. وهو تحالفٌ يأتي كي يشكل مظلة واسعة تقودها الرياض من أجل المشاركة بجنود على الأرض في مناطق لا ترغب العواصم الغربية بالانتشار بريًا فيها، مثل العراق وسوريا وليبيا.

فهل سيستطيع هذا التحالف تحقيق المهمة التي تشكل من أجلها؟

على الأرجح سيواجه التحالف صعوبات تجعل مهمته شبه مستحيلة للأسباب التالية:

​لا يوجد جيش واحد في التحالف لديه القدرة على خوض حرب برية بعيدة عن حدوده بدون دعم لوجيستي وغطاء جوي من جيش دولة كبرى مثل الولايات المتحدة.

أولًا: الجيوش المشاركة في التحالف هي جيوش مصممة للدفاع عن حدود دولها أو القيام بمهمة حفظ الأمن الداخلي عند حدوث اضطرابات شعبية واسعة. لا يوجد جيش واحد في التحالف لديه القدرة على خوض حرب برية بعيدة عن حدوده بدون دعم لوجيستي وغطاء جوي من جيش دولة كبرى مثل الولايات المتحدة. ثم أن نتائج الحملة العسكرية السعودية في اليمن أو التحديات الأمنية التي تواجه مصر في سيناء أو التحديات التي تواجه تركيا في شمال العراق أو تلك التي تواجه باكستان في مناطق القبائل تطرح علامات استفهام حول قدرة جيوش الدول المشاركة على خوض معارك في مناطق مثل سورية أو العراق أو ليبيا أو مالي.

ثانيًا: تم الإعلان عن التحالف فجأة وبدون استشارة دول مشاركة فيه. وزير خارجية باكستان قال إنه لا يوجد علم لدى حكومته بالتحالف وأنه طلب إيضاحات من سفير باكستان في الرياض! أما ماليزيا فقالت على لسان وزير دفاعها أنها تدعم فكرة التحالف لكنها لن تشارك بقوات عسكرية فيه. أندونيسيا قالت إنها "تنتظر معرفة طبيعة التحالف العسكري الذي ستقوده السعودية". مصر لم يصدر عنها أي تصريح رسمي بالترحيب أو التحفظ. كما لم يتم معرفة رأي الحكومة المصرية في الاشتراك في تحالف عسكري مع تركيا وقطر. لكن اللافت هنا أن السعودية لم يكن لديها "جرأة" الإعلان عن مشاركة دول في التحالف مثل الجزائر وسلطنة عُمان.

تاريخيًا فإن سلطنة عُمان لا تشارك في أي تحالفات عسكرية إقليمية أو معارك خارج حدودها، وهو ما مكن القيادة العُمانية من الحفاظ على علاقات بجميع دول الإقليم خلال الأزمات الكبرى. كانت مسقط العاصمة الوحيدة التي حافظت على علاقات جيدة مع طهران وبغداد خلال الحرب العراقية الإيرانية. كما كانت العاصمة الخليجية الثانية مع الدوحة التي حافظت على علاقات مع بغداد بعد حرب ١٩٩١ لتحرير الكويت. ولاتزال عُمان الدولة الخليجية الوحيدة التي لديها علاقات جيدة للغاية بإيران وفي نفس الوقت لديها علاقات جيدة للغاية مع الولايات المتحدة، وهو ما مكنها من لعب دور الوساطة بين الطرفين للتوصل الى الاتفاق النووي الأخير مع طهران. كما أن سلطنة عُمان أبدت تحفظها على الحملة العسكرية التي قادتها السعودية في اليمن.

أما غياب الجزائر فيطرح علامات استفهام حول قدرة التحالف على القيام بعمل عسكري بري في ليبيا دون أن تكون الجزائر حاضرة سواء بالتنسيق أو المشاركة، أو تحقيق أحد الأهداف الرئيسية للتحالف وهو محاربة "القاعدة في بلاد المغرب".

هذه ليست المرة الأولى التي تشارك فيها مصر في تحالف عسكري إقليمي مقابل الحصول على منافع وامتيازات.

ثالثًا: في أعقاب الإعلان عن التحالف، وقبل أن يصدر أي تصريح رسمي مصري، أعلن ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز عن التكفل باحتياجات مصر من البترول لخمس سنوات. كما أعلن عن زيادة استثمارات المملكة في مصر. كان واضحاً أن الرياض تريد قطع الطريق أمام القاهرة في حال أرادت إبداء أي تحفظ على المشاركة العسكرية تحت مظلة السعودية. لكن الأزمة المرتقبة ستكمن في كيفية تسويق القيادة السياسية المصرية لهذا التحالف داخليًا، خصوصًَا وقد بدا أن المشاركة تمت وفق "صفقة شراء" كان ثمنها معلنًا.

هذه ليست المرة الأولى التي تشارك فيها مصر في تحالف عسكري إقليمي مقابل الحصول على منافع وامتيازات. خلال حرب ١٩٩١ حصلت مصر على إعفاء كبير من ديونها وعلى مساعدات ضخمة من الدول الخليجية. لكن الخطاب الرسمي كان يسوق للمشاركة العسكرية المصرية باعتبارها ضمن واجبات الشقيقة الكبرى لتحرير شقيقة صغرى من عدوان شقيقة أخرى! كانت المشاركة العسكرية المصرية أيضاً تحت قيادة الحليف الأكبر لمصر وهي الولايات المتحدة، وكان الهدف العسكري واضحاً وهو تحرير الكويت فقط وعدم التورط في أي عمليات عسكرية داخل حدود العراق. أما هذه المرة فالسعودية هي التي ستقود الحلف العسكري، وهو أمر سيصعب من عملية تسويقه داخليًا.

ولا تبدو القيادة العسكرية الباكستانية بعيدة عن مأزق تسويق المشاركة في التحالف داخليًا دون الحصول على "ثمن مناسب". فبرلمانها كان قد رفض المشاركة في الحملة العسكرية السعودية في اليمن، وهو ما تسبب في أزمة بين الرياض وإسلام آباد.

رابعًا: يبدو مستبعدًا أن تشارك مصر في أي عمل عسكري في "التحالف الإسلامي" دون أن تحصل على دعم هذا التحالف في القيام بعمليات عسكرية برية في ليبيا ضد تنظيم الدولة الإسلامية والتنظيمات المتطرفة المتحالفة معه. لكن هذا التحالف غير المتجانس يضم دولًا غير متفقة حول رؤيتها تجاه الأزمة الليبية. فتركيا وقطر يدعمان فصائل لا ترحب بها القاهرة. فكيف يمكن تجنب الاختلاف حول أي تحركٍ عسكري للتحالف في دولة لا يتفق حولها المشاركون في التحالف نفسه!

ومن اللافت أنه تم الإعلان عن أن التحالف مستعد لمكافحة الإرهاب في دول مثل العراق وسورية وليبيا واليمن ومصر. فهل تقبل مصر رسميًا أن تشترك قوات أجنبية في محاربة الإرهاب على أرضها؟!

تدرك الرياض أن الدول المحيطة بها تنهار وتترك فراغًا لا تستطيع أن تتمدد فيه سوى إيران وإسرائيل وتركيا.

خامسًا: إيجاد غطاء أممي أو دولي للمشاركة العسكرية في أي دولة لمكافحة الإرهاب سوف يكون أحد التحديات الكبيرة التي ستواجه التحالف، خصوصًا عند شن عمليات عسكرية برية في دول مثل ليبيا. لكن من المرجح أنه إذا تم التحرك عسكريًا من قبل التحالف فإن ذلك لن يتم دون موافقة الولايات المتحدة، وهو ما يعني أن التحالف في حال تفعيله سوف يكون ذراعًا بريًا للقوى الكبرى الغربية في المنطقة.

تدرك الرياض أن الدول المحيطة بها تنهار وتترك فراغًا لا تستطيع أن تتمدد فيه سوى إيران وإسرائيل وتركيا. وإذا كانت الرياض لا تخشى تركيا وإسرائيل في الوقت الراهن، فإنها تعتبر طهران الخطر الأكبر الذي يتهددها، وأنه لم يعد بإمكانها التعويل على الولايات المتحدة في حماية المملكة من التمدد الإيراني بعد قرار واشنطن بالانسحاب من المنطقة والتوصل إلى اتفاق نووي مع إيران.

ولا تعكس سرعة الإعلان عن التحالف "الإسلامي السني" والطريقة التي تم بها الإعلان سوى القلق المتزايد لدى الرياض حيال التمدد الإيراني من جهة وتمدد تنظيم الدولة الإسلامية من جهة أخرى. لكن على الأرجح سيكون مصير هذا التحالف الإسلامي مماثلًا لمصير "القوة العربية المشتركة" التي اقترحتها مصر. محاولات يائسة لمواجهة الطوفان!