لا يا دكتور ملوخية

الأكيد أن لا وصفة دقيقة لضمان تشكل الهوية الجنسية كما تريد، وأعتقد أن نسبة ثابتة تقريبًا في كل المجتمعات سوف تُنتَج بميول جنسية مثلية. هذا هو الواقع الذي يجب التحديق في عينه.

تداول الكثيرون علي فيسبوك ستاتوس لطبيب يدعى أوسم وصفي، حامل للماجيستير في الطب النفسي، يقول فيها إنه طلب من صديقه أستاذ دكتور طارق ملوخية، رئيس قسم الأمراض النفسية بجامعة الإسكندرية، أن يسمح له بعمل ورشة في إطار فعاليات مؤتمر قسم الأمراض النفسية السنوي الذي سيعقد في الثاني والثالث من نوفمبر/تشرين الثاني القادم. وبالفعل كان له ما طلب، حيث ستقام ورشة للطبيب أوسم في هذا المؤتمر الأكاديمي تحت عنوان "قضايا سياسية مقابل قضايا علمية في المثلية الجنسية".

انتهز الرجل الفرصة طبعًا لدعوة من يعرفونه من (المهتمين والأصدقاء علي درب التعافي من المثلية) لحضور ورشته. وكان قد أوضح في نفس االستاتوس أن موضوع ورشته سيكون "عن علاقة الطب النفسي بالمثلية، وكيف كان التخلي عن مفهوم الاضطراب عملًا سياسيًا وليس علميًا، "لإعطاء الأطباء المعرفة والرد عندما يوجه لهم الاتهام انهم يعالجون مرضا لم يعد مرض"، علي حد تعبيره وبالأخطاء الإملائية، أي والله. نسيت أن أذكركم أن مثل تلك المؤتمرات غالبًا ما تكون ذات طبيعة أكاديمية صرف حتى أن الأستاذ الدكتور يحيى الرخاوي هو ضيف تلك الدورة.

لا أعرف كيف سيعطي الطبيب أوسم هؤلاء الأكاديميين المعرفة والرد عندما يوجه لهم الاتهام بأنهم يعالجون مرضا لم يعد مرضًا. ولست على أية حال ضد أن تنفتح الأكاديميا على أيّ من كان، على أن تبقى مستقلة عن المماحكات السياسية السيارة، وأن تحرص على ألا تٌستخدَم من قبل طرف تجاه آخر. ولكن ما يهمني أن أتوقف عنده هى حادثة مفصلية في سياق موضوع المثلية الجنسية، أعتقد أنها هى التي يشير لها الطبيب أوسم باعتبارها عملًا سياسيًا وليس علميًا أدى للتخلي عن مفهوم الاضطراب.

تعود تلك الحادثة إلى العام 1974، عندما قامت جمعية الأطباء النفسيين الأمريكية بمحو المثلية الجنسية من قائمة الأمراض النفسية في الطبعة السادسة من الإصدار الثاني للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-2)، قبل ذلك الإصدار بنحو عام كامل، كانت الجمعية قد استطلعت راي ثقاتها الذين أقروا تلك الخطوة ومن ثم عقد اجتماع موسع، في ذلك الاجتماع قامت الجمعية بالتصويت ووافقت الأغلبية، ومن ثم صدر القرار. يحلو للمغرضين تصوير الأمر على أنه خدعة وذلك بافتراض أن كل من غاب عن ذلك الاجتماع يجب ضمه للرافضين. طبعًا العقل الطبيعي سيفترض منطقيًا أن نسبة الموافقين والمعترضين هي نفسها بين جموع الحاضرين والغائبين، ولكن يُرَوَّج أن الحضور تعرضوا لشتى أنواع الضغوط من النشطاء المثليين ومن قوى اجتماعية وسياسية ومن متنفذين داخل الجمعية. ولكن الرطانة دائمًا تعيي من يداويها، فلنتجاوز هذا العبث ونقول إن تلك الاجتماعات تكررت مرات عديدة ولم يتم إعادة المثلية الجنسية إلى قائمة الأمراض النفسية أبدًا.

تلك الحادثة، كما يعرف كل الأطباء مثلي، ليست محلقة في الفراغ وإنما جاءت في سياق علمي واجتماعي طويل، رحلة طويلة جدًا من تجريم المثلية ثم رحله أخرى في إيقاف التجريم ومن ثم تقبل المثليين جنسيًا، رحلة وعي ومسؤولية عن الآخر ووقفات جادة مع النفس، ففي الواقع تتحدد الهوية الجنسية في حوالي أول ثلاث سنوات من العمر، ولا تعرف نتائج هذه العملية إلا مع بداية المراهقة، لذلك لن تجد أبًا أو أمًا لديهما ابن أو بنت على وشك الدخول إلى المراهقة إلا ويكون في غاية القلق: "ياتري هيطلع إيه؟" الأكيد أن لا وصفة دقيقة لضمان تشكل الهوية الجنسية كما تريد، وأعتقد أن نسبة ثابتة تقريبًا في كل المجتمعات سوف تُنتَج بميول جنسية مثلية. هذا هو الواقع الذي يجب التحديق في عينه، ففي العادة يعاني هؤلاء الأفراد الأمرين مع أنفسهم أولًا ومع الأهل ومع الثقافة السائدة، مع الأسف بدون أي ذنب اقترفوه.

لقد كان مجتمعنا مهيئًا لإعادة تلقي موضوع المثلية الجنسية بروح أكثر تسامحًا وتفهمًا، ولا أقول أكثر فهمًا، ألم تقم ثورتان؟ ولكن ما ذنب ثورتين في عقلية انتقائية تتمترس بكل ثقة حول حادثة إزالة المثلية الجنسية من قائمة العلل النفسية، وتحاول تلك العقلية عزل تلك الحادثة عن سياقها. تلك هي الحادثة التي يتمحور حولها كل أصحاب الآراء المحافظة، وكل التقليديين، وكل من يدعون الحفاظ علي خصوصية المجتمع (نفس الهاجس في أي مجتمع)، وطبعًا أساسًا كل آكلي البغاشة الذين، بدون أي دليل علمي أكاديمي منضبط، لا يكفون عن إيهام الناس بإمكانية التعافي من المثلية الجنسية.