لماذا "أبلة فاهيتا" مهمة جدًا؟

في مرآة أبلة فاهيتا نشهد موت قيم كذابة، نضحك ونحن ندوسها، ونضحك على الصدمة التي يحدثها ذلك بين شرائح الـ+18 التي تتزحزح مقاومتها مع السخرية اللاذعة.

في نهاية تقرير مع الأمهات المطلقات أو "السنجل ماما" تعلق أبلة فاهيتا: "وبكدا أعزائي المتجوزين نكون عرفنا إنك لو راجل عمرك ما هتعرف توقّع ست، ولو انتي ست عمرك ما هتقعي عشان راجل، ولو انت المجتمع سيبنا في حالنا وحياتك مش ناقصينك".

وكأن هذه الجملة الأخيرة هي الرؤية التي ينطلق في ظلالها هذا البرنامج الرائع. المجتمع الذي ماتت فيه الحياة، فصار جسدًا ثقيلًا على أفراده، لا يستطيعون الفرار من تحت جثته التي يحملونها جبرًا ويظنون في ذلك إرادة، ولا يستطيعون مخاطبته وكأنهم عضو نشط بداخله، هو كيان مسيطر ولكنه ليس حيًا، يصح أن نخاطبه وكأنه خارجنا ونحن خارجه، ولو لساعتين أسبوعيًا.

ربما لهذا السبب أيضا تكون الجديرة بهذه المخاطبة عروسة، كائن وهمي يصارع جثة، يسخر منها دون أن يضطر لذكر محاسن الموتى، ولا تلزمه الآداب المفروضة باحترام تقاليد التعفن، مرفوع عنها الحرج الذي ينفجر في وجوهنا لعنات. ولكنها عروسة إنسانة؛ لها تاريخ شخصي وملامح واضحة، تشبه العديد من السيدات المسنات اللاتي رآهن كل منا في محيطه؛ ينطلق لسانهن بعد أن يبلغن أعتاب الشيخوخة، وتنفلت من تعبيراتهن النقمة الساخرة "الأبيحة" كلما صار "اللي جاي مش قد اللي راح".

وهي كذلك مسنة "نِغشة"، أرملة تحيط نفسها بصورة عن ماض من المشاغبة والشقاوة؛ تنتمي لشريحة طبقية مرتفعة، تتحدث اللغات الأجنبية، مثل هؤلاء اللاتي يحتقرن محدثي النعمة الـnouveaux riches، ويتحلين بالطبع البلدي المصري، دون خجل أو استعلاء، ويشكلن تصوراتهن عن ذواتهن انتسابًا لمرحلة "ليبرالية" سبقت يوليو 1952، احتفت فيها تلك الطبقة بمخالطة مجتمع كوزموبوليتاني، ولكن من موقع ولاد البلد، متحررة من البارانويا، التي ألقتها على أكتافنا الحركة المباركة. مما يعني غالبًا أنها شخصية لم يعد ممكنًا، بحكم العمر، أن توجد في واقعنا الآن.


هذا الاختيار الفانتازي المركب لشخصية أبلة فاهيتا سمح لها بمساحة من الحرية في ممارسة حوار اجتماعي أسبوعي، يطل على مختلف جوانب حياة المصريين، بنَفَس كوميدي راقٍ، وسكريبت شديد الاحترافية، لا يخل بالخط العام للشخصية، ولا ينسى خلفيتها الاجتماعية، بل يستعيدها وينطلق من خلالها، ولا ينساق وراء الإفيه المتكرر، ويستخدم سرعة البديهة، التي تنبع من تكوين الشخصية وتاريخها، فتنسينا تمامًا أنها عروسة، إلا فيما يتعلق بتبرؤها المكّار من تبعات طلاقة لسانها.

في مرحلته الأولى ظهر البرنامج وكأنه يحاول احتلال المساحة التي تركها برنامج باسم يوسف؛ متخليًا عن الطابع الاجتماعي الساخر، الذي ظهرت به الشخصية عبر السوشيال ميديا أولًا. هذه المساحة التي اعتدنا أن نعتبرها تجاوزًا للخطوط الحمراء، أساسًا لأنها تمتهن التعليق السياسي، وتقتحم هيبة الشخصيات العامة والمسؤولين السياسيين، وهو قالب شبيه بالنمط الأمريكي، وفي العالم العربي النمط اللبناني، وإن كنا في مصر نقدمه اعتمادًا على العنترية المختبئة في رداء الكوميديا أكثر من إدماجه بالنقد السياسي عميق المحتوى، الذي يبلغ في الإعلام الغربي مستوى المقالات والتحليلات الصحفية الثقيلة وأكثر. وأذكر في ذلك الوقت أن تعليقات معظم المحيطين كانت سلبية على الموسم الأول من البرنامج، أو لنقل خابت التوقعات في انتقال الأبلة من السوشيال ميديا -حيث حققت نجاحًا مدويًا- لشاشة الفضائيات.


وأظن أنه نظرًا لذلك الإحباط، بالإضافة لتضييقات طالت المناخ الإعلامي والسياسي العام، بدأ منفذو البرنامج في تطويره في اتجاه مختلف. يبدو أن هذا التطوير جاء استجابة لضغوط أو ما بدا كمواءمة للاستمرار (نتذكر ظهور أبلة فاهيتا في مناظرة هزلية مع شخص يتهمها بالعمالة والمؤامرة في برنامج خيري رمضان، وكذلك نتذكر واقعة شادي أبو زيد واستبعاده من فريق البرنامج)، ولكن للمصادفة السعيدة، جاء اتجاهًا أقرب للمنطلقات الأصلية للشخصية وأكثر نضجًا واتساقًا وإبداعية.

+18

نحى البرنامج المجتمع الذي مات، اعتبره غائبًا بالفعل حتى لو كان الجمهور الذي يمثله حاضرًا، وانطلق يخاطب الأحياء بيننا، من يستطيعون الضحك على بلاويهم وليس بلاوي الآخرين فقط.

اختار البرنامج أن يضع التصنيف العمري +18، وهو تطور جديد في البرامج التلفزيونية في مصر، اعتدنا أن يستخدم للأفلام السينمائية ثم لاحقًا لمسلسلات قليلة. وكأنه يحدد شريحته المستهدفة وأيضًا يحتفظ بمساحة للأبلة لتحتفظ بمميزات الشخصية التي اكتسبتها عبر السوشيال ميديا، وهي بطبيعتها متحررة من كثير من قيود لغة البرامج المتحفظة.

ليس ذلك فقط، فقد كنا دائمًا نطلق على جمهور التلفزيون "الناس في البيوت"، أي أنه جمهور بطبيعة تكوينه أكبر سنًا من الشباب الذين يذهبون للسينما ويقضون معظم وقتهم على السوشيال ميديا؛ ربات البيوت أحد أهم شرائحه تليهن النساء العاملات وربات الأسر أيضًا ثم الرجال/الآباء. وهنا كان على صانعي البرنامج أن يواجهوا تغيرًا في طبيعة الجمهور الذي ربما لم يكن من مريدي الأبلة على حسابات فيسبوك وتويتر، والمتوقع أيضًا أن تغضبه لغتها "الأبيحة" أحيانًا حتى لو من باب المفاجأة على الأقل أن ذلك يعرض على شاشات التلفزيون.

وهنا في رأيي كان التحدي الذي حوله البرنامج إلى مغامرة ممتعة. أن ينفذ بذكاء واعتمادًا على "كاركتر" نسائي له خلفية اجتماعية تبدو توافقية بل وأسرية، ينفذ من هنا إلى تقديم نقد اجتماعي نوعي وحساس لتفاصيل حياة الطبقة الوسطى المصرية وتقاليدها السائدة، عبر سخرية تُطوَّع من أجلها أدوات فنية مختلفة وجديدة. لقد دخل البرنامج إلى البيوت عبر اختراقه لمنظومة القيم التي تحكمها وتدور في عقول ناسها، لا عن طريق البحث خارجهم عن رموز سياسية أو إعلامية فقط، بل عن طريق صعودهم هم على المسرح ومخاطبة الأبلة لهم، عبر تقريعها لهم مستغلة مكان الأم أحيانًا والست المجربة أحيانًا أخرى. تكسر بحدة صورتهم عن نفسهم كحاضنة اجتماعية لقيم يتشبثون بها، بوصفها تعيّنهم أوصياء على أخلاق الأغنى منهم (المعرضون دائمًا للفساد الأخلاقي بحكم الترف)، وكذلك الأفقر كمفرغ أساسي لحنقهم على حياة لا ترضي تطلعاتهم. أوصياء على تابو "أخلاق المجتمع" وحدود المسموح والمرفوض فيه.


تتوجه لهؤلاء تحديدًا لتفرغ قيمهم واحدة وراء الأخرى من القيمة، وتفضح حياة الرياء الذي يتنفسونه، فمنهم المتحرشون ومنهم الصارخون بالدجل في الإعلام ومنهم ضحلو التعليم والمعرفة ومنهم الفاشلون في كرة القدم، إلى آخر قائمة ممن لا يكفون ليلًا ونهارًا عن التشدق بذواتهم ودينهم وأخلاقهم، بينما نعلم جميعًا قبل الأبلة في أي خراب قيمي ومعرفي نعيش!

الجميل في الأمر أن البرنامج يفعل ذلك ونحن جميعًا نضحك، بل ويبدو أن كل أعداء البرنامج سابقًا انقلبوا ليصبحوا ضيوفًا على أبلة فاهيتا، قابلين بتأنيبها وسخريتها وربما طالبين للمزيد منها (راجع مثلا حلقة الملحن عمرو مصطفى)، جزء من ذلك يرجع بالطبع للنجاح والشعبية الواسعة للبرنامج التي يستفيدون منها، ولكن جزءًا من هذا النجاح هو تغيير في صيغة ظهور المشاهير على الشاشة؛ استبدال حديث التملق والأسئلة المكرورة بمحتوى خفيف الدم، ولكنه أيضًا معد بعناية شديدة ودراسة حقيقية لأعمال الفنانين وطبيعتهم. البرنامج أيضًا لديه جانب مبدع فيما يخص تقديم الاستعراضات والأغاني؛ ليخرج مفاجأة من كل ضيف على مستوى فني جيد جدًا في الإعداد والتنفيذ والابتكار.

كل هذه العناصر أضاف إليها البرنامج تقارير بديعة يكون ضيوفها ناس ليسوا من المشاهير ولا نعرف عنهم سوى أسمائهم، البطل فيها هو تيمة رئيسية مثل التحرش الجنسي/ الصيف في الساحل/ المستقلون عن بيوت أهاليهم/ الإدمان. في كل هذه التقارير يعمل فريق تحرير ومونتاج مبدع، يصنع قطعة فنية وإعلامية دافئة وموجزة ومعبرة من قلب مصر الذي لا يوافق عليه بالضرورة "الناس في البيوت"، يواجههم برفق بتنويعات مختلفة من طبقات وسطى أيضًا عليا ودنيا، ولكن اختلفت اختياراتهم ومساراتهم عن صورة معتمدة في برامج الإعلام، وكأن البرنامج يشير إلى استحالة تعميم تلك الصورة، بل وزيفها. لا نجد في هذه التقارير أحكامًا جاهزة أو نصائح إرشادية، ولكن الأبلة تستعير لسان الخطباء وإسطواناتهم لتفضح سخفها، وأحيانًا تستعير لسان أمهات وأبهات عاجزين عن التفاعل مع ما يطرأ على الحياة من مستجدات. من قال إن تقصي السلوك الاجتماعي وحده ليس كافيًا ليفضح تهافت رؤيتنا السياسية والاجتماعية والدينية بأبلغ طريقة؟

لقد نحى البرنامج المجتمع الذي مات، اعتبره غائبًا بالفعل حتى لو كان الجمهور الذي يمثله حاضرًا، وانطلق يخاطب الأحياء بيننا، من يستطيعون الضحك على بلاويهم وليس بلاوي الآخرين فقط. في مرآة أبلة فاهيتا نشهد موت قيم كذابة، نضحك ونحن ندوسها، ونضحك على الصدمة التي يحدثها ذلك بين شرائح الـ+18 التي تتزحزح مقاومتها مع السخرية اللاذعة.

ربما تكون علامة السواء الوحيدة في الإعلام المصري الحافل بالمرضى والمجانين هي أن هناك برنامجًا - مثل كل الدنيا- يضحكنا بالفعل ونحن نشاهد صورتنا القبيحة.