حسين عفيفي .. "المونتير" لايموت لو في يده مقص

يجد عفيفي، كما يحكي، في لوحاته خروجًا من حالة عجز يخاف الشعور بها: "العجز الحقيقي إن الواحد ما يلاقيش حاجة يعملها، أنا بحس إني في عز شبابي وأنا بعمل اللي بعمله ده".

على خلفية نسمات الشباك المفتوح في الجزء الأخير من الصالون في الخامسة فجرًا، يمسك حسين عفيفي بقلمه الرصاص ومسطرته، ناظرًا إلى عدد "الأهرام"، الذي قرأه وحدد المواضيع التي استهوته فيه في اليوم السابق. يخطط ويقص، المتن مقسّم لأعمدة في جانب، والعنوان في جانب، والصور أيضًا. ينظر إلى ورقة بيضاء، يخططها هي الأخرى، ثم يلصق الموضوع معيدًا تكوينه بطريقة تجعله أكثر جاذبية لعينه: "هو مونتاج برضو، بس على الورق".

مذ ترك عفيفي طاولة المونتاج والمافيولا (الأداة التي كانت تستخدم في مونتاج الأفلام قديمًا، قبل عصر المونتاج الإلكتروني، بعد أعمال عديدة ولّفها مع مخرجين مصريين وعرب كبار، عددها بحسب موقع السينما 135 فيلمًا، منها البيضة والحجر والعار لعلي عبدالخالق، والرّسالة لمصطفى العقّاد، وقنديل أم هاشم لكمال عطية، صار الفراغ ملاحقًا له في أغلب وقته: "صحيح بقضي وقت في قراءة الأهرام، وفي قراءة الكتب التي تستهويني، لكن اللي بيفضل وقت طويل جدًا، مش بلاقي حاجة أعملها فيه".

من قاد عفيفي إلى المونتاج أصلاً هو حب الاستكشاف ومن ثم شغف به فصارت مهنته. كان طالبًا في فنون جميلة عندما طلب منه الأستاذ سعيد الشيخ مرافقته إلى الاستديو ليساعده في تركيب أحد الأفلام التي يعمل عليها: "ماكانش عندي هوايات ولا بحب أقعد على القهوة، بقت دي هوايتي". تقاعد عفيفي بعد كبر سنه وعدم قدرته على مواصلة العمل، ليجد أصابعه تبحث عن مقصٍّ جديد ومادة أخرى يستطيع توليفها.


يعيد عفيفي ذو التسعة وثمانين عامًا إخراج مواضيع جريدة الأهرام، التي يرى فيها أفضل جريدة مصرية، على ورق أبيض. لأربع سنوات، ظلت هذه الهواية، التي يرى فيها صورة من عمله القديم، تأخذ من وقته، من الخامسة مساءً وحتى الثامنة صباحًا: "بسميهم لوحاتي"، يضيف: "لما ببص عليهم بحس إني ما عجّزتش".

يظل عفيفي بعيداً عن مواضيع السياسة والكرة: "ماليش فيها". يرى عفيفي أنه بما يفعل يجعل المواضيع التي يقرأها في الجريدة أكثر جاذبية: "الموضوع أغلبه ارتجالي، مش بفضل أفكّر كثير في اللي مفروض أعمله". هذا العمل يقتضي منه أحيانًا قص جزء من العنوان والتغاضي عنه، أو قص الصور وتصغيرها: "التحدي بالنسبة لي هو إني أحط الموضوع اللي مرسوم على أعمدة ده، على الورقة البيضاء".

يتعامل عفيفي مع هوايته كمهنته التي كان يقضي بها ما يقارب الاثنى عشر ساعة يوميًا. إلتزام وجدية ومحاولات للتطوير: "بزعل قوي لما بعمل حاجة ومتعجبنيش. بقعد أبص على لوحتي وأفكر إزاي ممكن تطلع أحسن". يلتقط الرجل المقص من علبة تمتلئ يالأدوات، ما بين مقصات وأنابيب لصق شمعية وأقلام رصاص، شارحاً كيف تتشابه هوايته مع المونتاج: "زمان المونتاج كان فيه برضو مقص، قبل المافيولا، كنًا بنقص الشريط بالمقص ونلزقه بالأسيتون أو شريط سيمنت، بس عشان السيمنت كان غالي كنًا بنجيب الأسيتون".

يجد عفيفي، كما يحكي، في لوحاته خروجًا من حالة عجز يخاف الشعور بها: "العجز الحقيقي إن الواحد ما يلاقيش حاجة يعملها، أنا بحس إني في عز شبابي وأنا بعمل اللي بعمله ده". يحمل بين يديه ملفًا ممتلئًا بأوراق بيضاء عليها جزء من منتجات هوايته، يقلب بينها ويخرجها فخورًا بما فعل. يمسك عدد الأمس بيد، والأخرى تمسك بلوحاته التي صنعها اليوم: "شايفة الفرق؟ كده أحسن وأحلى لعيون القارئ. مش كده؟".