حكاوى "أصحاب المعاشات"

يحرص أعضاء النقابة على خلق جو أسري، وتكافل ذاتي، فيما بينهم، فيتم التجمع بشكل دوري، أسبوعيا، في لقاءات متعددة، بالنوادي والأماكن العامة.

مجتمع موازٍ لحياة بديلة

مابين يأس البعض، واكتئاب الآخرين، من أصحاب المعاشات، وجد البعض منهم ملاذًا لحياة آمنة بعد الستين؛ عالم خاص بهم، ومجتمع خلقوا كيانه ليعوضهم عما افتقدوه على أرض الواقع، فبدلا من استجداء العطف، وانتظار سؤال الأبناء والأقارب، صنعوا سويا لحظاتهم بأنفسهم، وكونوا نقابة "حقوق أصحاب المعاشات"، في محاولة منهم لخلق كيان يضم كافة روابط وكيانات أصحاب المعاشات، على مستوى كافة أنحاء مصر، بهدف تقديم الخدمات الاجتماعية، من رحلات وتجمعات، ودعم معنوي، عند المرض والأزمات، أو حالات الوفاة، وكذلك دعم مادي، فى حالة الحاجة لذلك.

فعلى حد قول مختار محمد، مؤسس هذا الكيان "يحرص أعضاء النقابة على خلق جو أسري، وتكافل ذاتي، فيما بينهم، فيتم التجمع بشكل دوري، أسبوعيا، في لقاءات متعددة، بالنوادي والأماكن العامة، وفقا لاتفاقهم، بإشراف حسين عبد الرحمن، وهو أحد الأعضاء أيضًا، حيث يحرص على تنظيم رحلة نيلية أسبوعية، بهدف الترفيه وخلق الود بينهم، لنجد السمة الغالبة عليهم هي روح التفاؤل والشغف والإقبال على الحياة".

أما عادل حسين، وهو أحد اﻷعضاء، فيقول إن "الإنسان طالما عنده القدرة على التأثير فى الآخرين، إذن هو يستحق الحياة". وتؤكد ليلى السباعي ذلك، قائلة إنها تعيش أفضل مرحلة الآن فوقتها مقسم بين "لقاءات أعضاء النقابة، من خروجات، ورحلات، حيث وجدت وسطهم أسرة بديلة".

أما الحاجة عزيزة فهي تشكر الله على وجودهم، ووافقها الرأى مدحت زكي، الذي أكد أن هذا الكيان مكنهم من الشد من أزر بعضهم البعض، وسط مصاعب الحياة، المتمثلة في الوحدة، ومتاعب التقدم في السن.

وكما يجد هؤلاء الملاذ في تجمعاتهم، صنع غيرهم بنفسه نموذجًا فرديًا مبهرًا، خلق من خلاله ملامح مرحلة جديدة في حياته بعد الخروج على المعاش، مثلما فعلت إيمان حسن.

قامت إيمان، أثناء تجهيز منزلها الجديد، بتحويل إحدى الغرف لاستوديو رسم، وبدأت من داخله رحلتها الفنية، وأنتجت العديد من الأعمال، وشاركت بها في معارض فنية.

معاش مبكر يعيد إيمان لحلم الشباب

في وسط زخم الحياة، انقسمت حياة إيمان حسن بين عملها كمترجمة فورية، وتحريرية، ومعلمة لغة إنجليزية للكبار، وبين ترتيب مهام ومسؤوليات زوجها، الذي يعمل بالسلك الدبلوماسي، لتقضى إيمان سنوات عديدة من عمرها، بين دول مختلفة، وتعقد ارتباطات مهنية ورسمية تحتل يومها بالكامل، بينما تعيش معاناة مرارة الغربة والبعد عن الأهل والأصدقاء.

بدأت تقاوم هذا الشعور باتجاهها لتعلم الفنون المختلفة، حيث كانت لها ميول فنية منذ صغرها، فبدأت تعلم الرسم على البورسلين وفنون الكروشيه، وكذلك فنون الرسم بالزيت. وخلال ذلك كانت مستمرة في عملها بمجال الترجمة، وترجمت عدة كتب، مجهزة للنشر، فى عدة مجالات مختلفة. إلى أن جاءت نقطة التحول، عندما قررت الاستقرار بمصر. و قررت كذلك ترك عملها، "رجعنا مصر، وسكنا فى أكتوبر، فقررت أطلع معاش مبكر. وكان مستحيل أرجع الشغل تاني، لأني قررت أعيش مع عالم الفن الجميل".

وبالفعل قامت إيمان، أثناء تجهيز منزلها الجديد، بتحويل إحدى الغرف لاستوديو رسم، وبدأت من داخله رحلتها الفنية، وأنتجت العديد من الأعمال، وشاركت بها في معارض فنية. كما بدأت تعليم صديقاتها من خلال كورسات فنية، تستهدف استخدام الألوان لتفريغ طاقات الاكتئاب والرتابة، وكذلك خاضت تجربة تعليم الفن للصغار. وبالفعل بدات منذ عام عقد ورش تعليمية لهم، فلاقت إقبالًا كبيرًا، مما جعلها تشعر بسعادة الإنجاز، وقيمة العطاء، وشغف الاستمرار في النجاح، "أنا في قمة السعادة. صحيح بدأت الرسم متأخر، في الأربعينات، والآن تخطيت الخمسين، لكني أحمد ربنا، على نعمة الموهبة اللي بحبها، واللي غيرت حياتي للأحسن كتير".

ليست إيمان هي النموذج الوحيد للتغيير، في سن المعاش، فهناك نماذج غيرها تشع مثلها نورًا، وهم يؤمنون بأن هناك حياة أخرى تيدأ بعد المعاش، وأن سن الستين ليس نهاية المطاف، وهذا ما ينصح به عبده الحارتي.

ما زال لدى عبده الكثير من الخطط المستقبلية، فهو يخطط الآن لبدء مشروع خاص به بالقاهرة، وتجهيز منزل ليبدأ في المستقبل القريب مرحلة حياتية جديدة هناك.

روشتة عبده لحياة بعد الستين

هناك من لا يعترف بالسن، وهناك من ينغمس داخل صور ذهنية تعزز عائقه، وبين الاثنين يوجد عبده الحارتي، ذو ال72 عامًا، الذي يعرف جيدًا طبيعة المرحلة العمرية التي يمر بها، ويتعايش معها دون إنكار أو استسلام، بل ينطبق عليه فعليا معنى أنه بدأ حياته بعد الستين، فعلى حد قوله "أنا بدأت حياتي بعد المعاش، طول ما في صحة لازم يكون لي دور، وعمري ما فكرت أقعد في البيت".

خطط عبده لحياته بعد المعاش من قبل الوصول له بعدة سنوات، فبدأ يضع خطة ورؤية لعدة أهداف يسعى لتحقيقها، بعد إنتهاء مدة عمله الحكومي، بجامعة المنصورة، حيث بدأ حياته كأخصائي اجتماعي بالجامعة، وتدرج و ظيفيا وصولًا لمنصب مدير رعاية الشباب بالجامعة، وحصل على درجة وكيل وزارة. وقبل وصوله لسن المعاش بأربعة أشهر بدأ بالفعل أولى خططه، وهى تعلم اللغة الفرنسية، بالمركز الثقافي الفرنسي، "ما كانش عندي استعداد أقعد يوم واحد في البيت. فاهم كويس إن حياتي هتتغير، وتليفوني ممكن ما يرنش تاني، علشان مركزي الوظيفي، اللى كنت ممكن أخدم بيه الناس، إتغير، فقررت أنزل أتعلم فرنساوي".

لم يكن إقباله على تعلم الفرنسية مجرد ملئ فراغ، لكنه كان يسعى للسفر لفرنسا، وكان لديه هدف نقل خبرته هناك، لدى شباب المهاجرين الناطقين بالفرنسية. وبالفعل نفذ الجزء الأول من هدفه، وهو تعلم اللغة، وتنازل عن الجزء الثاني وهو السفر، و استبدله بخطة أخرى بديلة، حيث جاءته فرصة عمل بمعهد تعليمي، داخل مصر، واتجه للعمل الإداري، فبحث ودرس كل ما يخص العمل الإداري بالمؤسسات الخاصة، وبدأ عمله، و نجح في وظيفته الجديدة، والتي استمر بها لعشر سنوات، من العطاء دون كلل أو ملل، ودون أدنى استجابة لأصوات المحبطين الذين اجتمعوا على كلمة واحدة، "كفاية عليك كدة. إنت محتاج الشغل في إيه؟" ليأتي رده حاسمًا، بأنه يعمل لأن له دور، وإن اختلف هذا الدور من مرحلة عمرية لأخرى، إلا أن هناك دور ما زال قادرًا على القيام به.

انتقل عبده لمرحلة أخرى جديدة. فبعد عمله بالمعهد التعليمي، انتقل للعمل بإحدى الجامعات الخاصة، بدمياط، مما تطلب منه الانتقال، هو وزوجته، من المنصورة إلى دمياط، والاستقرار هناك. فأعطى عبده كل تركيزه لعمله الجديد، واهتمت زوجته بتجهيز وتأسيس منزلهما بدمياط، "زوجتي فعلا ست عظيمة، خلتنى راجل ناجح. هي كمان كانت بتشتغل لغاية الستين، وكانت في نفس الوقت بتهتم بالأولاد. دلوقتي هي اللي بتشجعني إني أكمل وما قعدش".

وما زال لدى عبده الكثير من الخطط المستقبلية، فهو يخطط الآن لبدء مشروع خاص به بالقاهرة، وتجهيز منزل ليبدأ في المستقبل القريب مرحلة حياتية جديدة هناك، "أنا دايما عندي خطط، وعايز أقول للي بيطلع معاش، 'إبدأ حياتك. حياتك مانتهتش. إنت لسة بتتنفس".