أطلال الروضة.. دماءٌ تحكي سيرة الراحلين

28 طفلًا دون سن العشر سنوات، و160 مسنًا تجاوزوا الستين، عشر عائلات بأكملها بدءًا من الجد مرورًا بالأبناء ثم الأحفاد، و17 أسرة فقدت عائلها وأبناءها الذكور.

تفوح رائحة الموت بالقرب من مسجد الروضة الذي شهد يوم أمس هجومًا استهدف المصلين أثناء أداء صلاة الجمعة، وأسفر عن مقتل 305 شخص وإصابة 128 آخرين في أسوأ هجوم لمسلحين تشهده مصر في تاريخها.

ببطء يخرج الأهالي المتجمعين حول المسجد في اليوم التالي على الهجوم آخر جثمانين من داخله، الحزن يعلو ملامح الوجوه، والجلابيب ملطخة بآثار الدماء، الدماء كانت في كل مكان.

ست سيارات محترقة وسابعة تعلوها آثار الطلقات النارية ما زالوا على مشارف قرية الروضة التي استغرق الوصول إليها من مدينة العريش نحو 60 دقيقة، بسبب المرور عبر العديد من الأكمنة على الطريق الدولي الساحلي.

إلى جانب السيارات السبع هناك آثار لأربع قنابل يدوية ملقاة في عدة مناطق في محيط المسجد، علاوة على أشلاء بشرية متناثرة وبقايا دماء على جدران المسجد، وفي الداخل، لا تفوح إلا رائحة الدم.

سيارات محترقة من محيط هجوم مسجد الروضة.  عدسة: محمد سليمان

وتوعد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بـ"الثأر" وباستخدام "القوة الغاشمة" في كلمة بعد اجتماع أمني عقده بحضور وزيري الدفاع صدقي صبحي والداخلية مجدي عبد الغفار، ورئيس جهاز المخابرات العامة.

وأعلنت رئاسة الجمهورية حالة الحداد العام في البلاد لمدة ثلاثة أيام.

ولم تعلن أي جهة حتى اللحظة مسؤوليتها عن الهجوم ولكن منذ عام 2013 يشن تنظيم "أنصار بيت المقدس" الذي تحوّل اسمه إلى "ولاية سيناء" بعد مبايعته تنظيم الدولة الإسلامية، هجمات في شبه جزيرة سيناء تستهدف عادةً الجيش والقوات المسلحة.

في محيط الموت

يحكى أحد شهود العيان كيف أن المسلحين أضرموا النيران في سيارات الأهالي بعد أن هاجموهم وأطلقوا النار عليهم داخل المسجد.

يقول سالم سالمان أحد شهود العيان إنه توجه إلى المسجدبعد أن توقف إطلاق النار، ليرى مئات الجثامين ملقاة على الأرض غارقة في دمائها، وإلى جانبهم عشرات المصابين.

آثار الدماء داخل مجلس الروضة.  عدسة: محمد سليمان

يروى سالمان أيضًا كيف هاجم المسلحون المسجد من ثلاث جهات، إذ بدأ الهجوم بإلقاء أربع قنابل يدوية على المصلين داخل المسجد، وعندما تكاثف الدخان هرع المصلون إلى خارج المسجد مع أقرانهم الذين كانوا يؤدون الصلاة في باحته، أطلق المسلحون النار عشوائيًا من ثلاث جهات، بينما تواجدت مجموعة أخرى من المسلحين تنتظر الناجين من ذلك كله.

أحمد السعيد أبو عيطة هو ناظر مدرسة الروضة الثانوية، تعود أصوله إلى محافظة الغربية ولكنه جاء إلى القرية منذ خمسة عشر عامًا واستقر بها حتى أنه أصبح يتحدث اللهجة السيناوية، أبو عيطة قتل في هجوم الأمس مع ابنه البالغ من العمر سبع سنوات.

28 طفلًا دون سن العشر سنوات، و160 مسنًا تجاوزوا الستين، عشر عائلات بأكملها بدءًا من الجد مرورًا بالأبناء ثم الأحفاد، و17 أسرة فقدت عائلها وأبناءها الذكور.

قال أحد شيوخ القرية إن المسلحين الذين وصفهم بأنهم "إرهابيون" يعتبرون أهل سيناء "من البغاة" لأنهم يقدمون المساندة للجيش في "الحرب على الإرهاب"، وأكد أنه ورغم تكرار التهديدات بالكف عن دعم القوات المسلحة فإن أهل القرية لم يلتفتوا إليها.

محيط مسجد الروضة.  عدسة: محمد سليمان

في بئر العبد

في مدينة بئر العبد التي تتبعها قرية الروضة، يستلقي 12 من المصابين جراء الهجوم في مستشفى بئر العبد المركزي، تحت حراسة مشددة.

قوات الأمن منعت مرور الصحفيين من أبواب المستشفى وإجراء أي مقابلات صحفية مع المصابين.

في إحدى غرف المستشفى بالقرب من المصابين يجلس اللواء عبد الفتاح حرحور محافظ شمال سيناء، ومعه عدد من القيادات الأمنية وعدد من القيادات التنفيذية، مشكلين غرفة عمليات مركزية لمتابعة الموقف ومتابعة أعداد المصابين وحالاتهم الصحية.

تحدث المحافظ عن تقديم الرعاية الطبية لكل المصابين في الحادث وتحويل الحالات الحرجة إلى مستشفيات الزقازيق والإسماعيلية والقاهرة لاستكمال العلاج.

وأشار حرحور إلى أن مؤسسة فريد خميس ستتكفل بتكاليف ترميم المسجد بالكامل.

وقرية الروضة التي يقطنها نحو 2500 نسمة وتقع إلى الغرب على بعد 30 كيلومترًا من مدينة العريش، من معاقل الطريقة الصوفية الجريرية الأحمدية، حيث توجد زاوية للطريقة بجوار المسجد الذي يخلو من الأضرحة.

وهذه ليست أول عملية تستهدف الصوفيين فقد اختطفت جماعة أنصار بيت المقدس في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي الشيخ أبو حراز وهو من الشيوخ الصوفيين في سيناء ويبلغ عمره 98 سنة، وذبحوه مع آخرين، وكانت هذه هي أولى وقائع استهداف الصوفيين في شبه الجزيرة.

وانضم لقرية الروضة سكان القرية أعداد كبيرة من الأسر التى نزحت من جنوب الشيخ زويد حيث استقروا فى عشش قرب مساكن أقاربهم من قبيلة السواركة.