شادية ومؤامرة تكرار المحفوظات

تنضم شادية لمظاليم يقعون ضحايا لكتاب المحفوظات الذي نردد مقولاته. فقر المحتوى التحليلي الذي يصنع حول مطربة أو فنان بشكل عام قد يقود لرفع قيمة عن قيمة أخرى، وقد يُستَغَل كثيرًا لإنهاء مسارات بأكملها تحت رحمة الكسل وتفاهة الكليشيه.

ما القيمة الحقيقية التي يحملها تعليق مثل "صوت بتلاتة تعريفة" الذي أُطلق على شادية؟

هل هي قيمة نقدية توضح معلومة أو رؤية جديدة؟ ربما نعم لو جردناها من الحكم السلبي الذي تحمله، فهي تقول إن المساحة الصوتية ليست كبيرة جدًا. المساحة الصوتية (range) هي عدد النغمات الصوتية التي يحتويها الصوت الغنائي من القرار للجواب، وهي بالطبع تتيح للمغني حركة أكبر على امتداد أصابع البيانو كلما كبرت، وتتيح للملحن أو المؤلف الموسيقى فرص أكبر للخيال. ولكن، هل هي كل مكونات الصوت الغنائي؟

يتشبث الموسيقيون والنقاد بقيمة المساحة الصوتية كثيرًا، والتعليق أعلاه يكتسب مكانة أكبر عندما يكون قائله (على حسب بعض الكتابات) هو محمد عبد الوهاب. هنا أصبحت المقولة مرجعية للتقييم، أو مرجعية لما يسمى نقدًا محمولًا على أجنحة التذاكي، حيث يشعر الكاتب أو الملحن أنه "اصطاد" المؤدي من موطن "الضعف" في أدائه. رأينا ذلك كثيرًا في كتابات عن عبد الحليم حافظ وفيروز ونجاة؛ جملة واحدة تصنع مقالات، ويقف على أكتافها كتاب وموسيقيون جابوا التايهة.


مثل ذلك الكليشيه يقودنا إلى آخر؛ جملة أخرى من المحفوظات هي "فلان مطرب وفلان مؤدي". جملة تقريبًا بلا معنى إلا لو ألحقناها بتعريف محدد لمعنى كلمة "طرب" يتعلق أيضًا بنمط واحد من الأداء، يستخدم العُرَب الصوتية شرقية الطابع ويحلها بكثرة داخل الجمل الموسيقية- بأشكال متنوعة طبعًا - والتي تصنع أحد أعمدة تقييم الغناء الشرقي الأساسية. ولكن إن كان المطرب مقصود به "المغني"، "الذي يغني"، "الذي يعمل بمجال الغناء" فلا مطرب بدون أداء ولا أداء بدون طرب.

والمعتاد أصبح أنه لكي تكتب عن موضوع أو ظاهرة، فلا بد أن تستند إلى "مرجعيات" تثبت ما تقول؛ مقولة من علم من أعلام المجال، اقتباس من كتاب، جملة عابرة في لقاء تليفزيوني. تأخذ هذا الرأي وتمطّه ثم تعممه ثم تستنتج منه محتوى مقالك، ويصبح هذا رأيك. وهنا أتساءل عن الدافع وراء الكتابة من الأساس؟ أحيانًا نكتب لأننا لازم نكتب، إذا كنا نعمل بالصحافة مثلًا فلا بد أن نتابع الأحداث الجارية ونكتب عنها، وأحيانًا نكتب لتصفية حسابات أو تلميع نجوم أو كيدًا في آخرين. هذه شروط خاصة بالصحافة، ولكنها لا تخص النقد.

النقد من مجالات البحث، بمعنى أنه يفترض أنك لا تعرف ما ستصل إليه قبل أن تبدأ، تحسم النتيجة أو الرأي في نهاية البحث وليس في بدايته. وهذا لا يعني أنه يلغي الانحيازات أو الآراء الشخصية، بالعكس، هو يطلب منك أن تنطلق من رأي شخصي بالفعل، ولكن أن تبحث لرأيك أو احساسك عن أسانيد، عن أسباب موجودة فعلًا وليست متوهمة، ولو كان رأيك مخالفًا لكثير مما يقال، فلتدفع بما يضيف جديدًا حول الشائع، ليصبح النقد الذي تقدمه قطعة من اللوحة الكبيرة. لا يتضمن النقد تسييد رأي على كل الآراء، بل يعترف أن هناك دائمًا أكثر من زاوية لقراءة الظاهرة الواحدة، وما تقدمه هو أحد تلك الزوايا.

عقل المغني

صوت شادية يؤدي أي جملة شرقية أو تحويل مقامي داخل الأغنية بسلاسة مفرطة، لأن العقل هنا "يفهم" اللحن من داخل تكوينه وبنائه وليس عبر محاولة السيطرة عليه.

شادية مثال رائع لما أسميه "عقل المغني".

أصبح الآن واضحًا أن ليس كل من يملك قدرات صوتية كبيرة ينجح في عالم الغناء. وكثيرًا ما ننطلق في استخدام تعبير "الذكاء الفني" بالمعنى البراجماتي الذي لا يخص الغناء ولكنه يخص العلاقات بالإعلام، والتسويق، والانتصار على المنافسين. ولكني أقصد استخدام المغني لعقله في الغناء نفسه، تصوره الذاتي جدًا عن الشخصية التي تغني. هذا التصور هو إحدى إشكاليات العلاقة بين المغني ومن يصنعون الموسيقى، لأنه في عالمنا الموسيقي هنا ينفصل غالبًا المغني عن صانع الموسيقى، ولا يقوم أحدهم بدور الآخر.

لماذا هو إشكالية؟

في الحقيقة لأنه مجال لعلاقات القوة، من يفرض شخصيته على الآخر، صانع الموسيقى يرى أنه يقف وراء نجاح أي أغنية ولو أنه لا يتصدر المشهد ولا يحصد التصفيق والشهرة بقدر المغني. والمغني يقف في نهاية حلقة الصناعة ليوجه المعنى الذي خلقه أكثر من فرد (كاتب كلمات، ملحن، موزع موسيقي) ولكن دون أن يمنحه أحد قيمة الصانع الذي خلق العمل الفني من الفراغ. توجيه المعنى يعيد تعريف المعنى، إذا غني خمسة مطربين نفس اللحن لن يطابقوا بعضهم البعض، سيصلك اللحن من أكثر من "عقل" وبأكثر من "إحساس"، وقد يصلك اللحن نفسه ولكن تقريبًا دون "عقل"، وستصلك نفس الكلمات بأكثر من دلالة، سيحولها أحد المطربين لحالة فرحة خالصة، والآخر سيستخرج من الكامن فيها بعض الشجن، ولهذا يجب أن ننظر كثيرًا لما فعلته شادية.

من الناحية التقنية، شادية من قليلات بين مطربات زمنها التي تمتلك تكنيكًا غربيًا متمكنًا من التصرف في أصغر المسافات النغمية، تصرف آلة البيانو في مقابل آلة الكمان، دقة النوتة القصيرة زمنيًا مع مرونة التنقل السريع على درجات السلم الواحد صعودًا وهبوطًا، قدرة ميزت صوت ليلى مراد ونور الهدى وفيروز كأمثلة. ومع هذه الإمكانية امتلكت أيضًا حسًا نغميًا عاليًا بالمقامات الشرقية، فتجد صوتها يؤدي أي جملة شرقية أو تحويل مقامي داخل الأغنية بسلاسة مفرطة، لأن العقل هنا "يفهم" اللحن من داخل تكوينه وبنائه وليس عبر محاولة السيطرة عليه.


ما نسميه أحيانا "بينتع وهو بيغني"، أي نشعر أنه يبذل جهدًا ويعاني، لا يحدث فقط بسبب قصور القدرات الصوتية عن أداء اللحن، وأحيانًا يخفق صوت قادر جدًا في أداء لحن يقع تمامًا في متناول قدراته الصوتية. ببساطة لأنه لا يستطيع هضمه، لا يستطيع أن يخضعه لفهم "ذاتي" خاص به بعدما انتهى منه مَن صنعوه، وبالتالي يظل المغني واقف "وراء" اللحن، يلهث للإحاطة به، ولا يستطيع إعطاءه المعنى أو إعادة تفسيره.

إذا نظرنا للشكل الغنائي الذي صنعته شادية مع منير مراد سنفهم أكثر عن "عقل المغني". منير مراد موسيقي من أبرع ما يكون في تناول أي قالب موسيقي، وكذلك في "إعادة تصنيعه" ضمن صيغة مقبولة للمستمع الشرقي. الكثير من أعماله ستخبرك عن تلك المقدرة، ولكن القليل منها ستجد فيه بصمة لمن غنوه. لذلك مثلًا نجد من بين أكثر أعماله تميزًا الأعمال التي أداها ممثلون أو مطربون لهم علاقة بالدراما والتمثيل. لكي تقرأ ما بداخل صيغة منير مراد تحتاج العقل التفسيري الذي تحدثنا عنه، تحتاج أن تفهم "أصالة" فكرته التي تقف خلف مشروعه، تحتاج أن تعرف أن تناوله لإيقاعات "البوسانوفا" في "بُست القمر" و"ان راح منك يا عين" واستخدامه للسلم الخماسي في "يا حبيبي عُد لي تاني" ليس تأثرًا اعتباطيًا بموجات سائدة، وليس تنقلًا بين إيقاعات مختلفة من باب التنويع، ولكن هو تجديد مستمر لمحتوى الجملة اللحنية نفسه، عبر إقحامها في سياق ثقافي مختلف، كلما صنع لحنًا جديدًا بين جنبات ثقافة مختلفة كلما ذهب اللحن لآفاق غير مطروقة، والمهارة هنا هي أن تكون كل تلك العملية متجانسة موسيقيًا، تشعر معها أن ذلك اللحن لم يأت من تلك الثقافة الإيقاعية الأفريقية بالتحديد ولا من تلك اللاتينية، ولكن كلاهما خُلق ليقابل الآخر على تلك الأرضية.

اقرأ أيضًا: شادية.. سيدة الألف وجه

هكذا أيضًا تفكر شادية، ويصبح لقاؤها المتكرر مع أعمال منير مراد مفهومًا. فهي أيضًا لا تمنح "عقلها" للقالب المصنوع بعدما ينتهي منه الموسيقي، بل تجعل تذوقها وشخصيتها سيدًا للحن؛ لن تخلط أداءها أبدًا مع أبناء الثقافة الأصلية للحن، ولن تخلطه مع المطربات المخضرمات في التطريب الشرقي، ستجد في صوتها شيئًا من هذا وشيئًا من ذاك، ولكن ستدرك أنها بَنَت داخل عقلها قبل أن تغني سياقًا دراميًا مكتملًا لذلك اللحن، ثم غنت بعد ذلك. يكفي فقط تأمل تصرف شادية في قفلات الجمل اللحنية لتكتشف قدرة ابداعية مهولة في صناعة تصورات متجددة دائمًا، تحمل تأثيرات درامية وتوظيفًا جديدًا للحليات الصوتية وخيالًا مشتعلًا بإمكانيات لا محدودة لرؤية اللحن الواحد.

هذا النمط لن يكون مقبولًا لبعض الملحنين، ومن المحتمل أن يكون بينهم محمد عبد الوهاب، الذين يقيدون الصوت الغنائي داخل مقصدهم من اللحن. عبد الوهاب صنع ألحانًا قليلة جدًا لشادية أشهرها "بسبوسة"، و"أحبك" وهي أغنية تعرف منها قدرة الملحن على "مذاكرة" قدرات الصوت وليس مذاكرة "عقله". هذه الأغنية هي معظم قدرات شادية التقنية مجتمعة في لحن واحد، أُنتجت في بدايات شهرتها، ولكن يتضح فيها كيف يفكر عبد الوهاب بخصوص البناء على ما نجح فيه الصوت سابقًا، تمامًا مثلما بنى في ألحانه مع عبد الحليم حافظ على رؤى محمد الموجي وكمال الطويل.


سلطة التفسير

يقول بليغ حمدي عن شادية إنها "صوته النسائي لو غنى".

لننظر أيضًا لمشوار شادية المتميز مع محمود الشريف ومحمد الموجي وعمار الشريعي حتى لا نحاصرها مع ملحن واحد التقت معه في الرؤية، سنجد أنها خلال كل تلك الانتقالات كانت تحتفظ بـ"سلطتها" على التفسير؛ "شبكت قلبي"، "ليالي العمر معدودة"، "إحنا التلاتة"، "غاب القمر"، "إن كنت ليا وانا ليك"، مناطق غنائية سخية في تنوعها ومُراوِغة في ثراء ألحانها، وشادية تتابعها بتصورات مختلفة، وتنسجم مع محتواها الدرامي والنغمي والهارموني حتى بوعي كبير.

وبنفس المنطق يمكن فهم منطقة التوهج الثانية لشادية مع بليغ حمدي. مثلما يقال إن هناك مُخرجًا يحب الممثلين وآخر لا يهتم بهم كثيرًا الا كعناصر داخل الصورة الأكبر، فبليغ حمدي على رأس قائمة الملحنين الذين "يحبون" المطربين. المطرب/ة أحد مصادر الاستلهام الأساسية في ألحان بليغ حمدي- جزء من ذلك يرجع إلى أنه هو شخصيًا مطرب عظيم- فهو يصل مع الصوت الغنائي للمدى الذي يستطيع أن يقرأ به النص الداخلي المكتوب داخل أي حنجرة، ويجعل من هذا النص مرشده فيما سوف يصنع لهذا المغني. ما قدمه بليغ حمدي مع صوت محمد رشدي ليس فقط الألحان العظيمة الناجحة مثل "طاير يا هوى" و"عدوية"، ما قدمه الثنائي هو استنطاق هذا الصوت وعقله بكل ما يستطيعان البوح به عبر اللحن والكلمات.

يقول بليغ عن شادية إنها "صوته النسائي لو غنى"، وهي عبارة أكثر من دالة. ما قالته شادية مع ألحان بليغ حمدي عن "عقلها المغني" لم يكن عبر قدرات صوتية زادت أو نقصت، هو "عقل" زاد أو نقص أو "اختلف" ليكتب نصًا جديدًا، وأصبحت معه زيارة الفلكلور المصري من جديد (وكذلك فعل عبد الرحمن الأبنودي ومجدي نجيب) متعة اشتباكية وجدلية، لا شيء فيها يطابق منبعه من لحن وتوزيع موسيقي وكلمات وغناء، ولكنه يحيلك إلى هذا المنبع ومطربيه ونغماته مجبرًا، وبشكل ما يولد الفلكلور هنا ولادة جديدة، ويكتسب حياة فريدة النكهة.


في رأيي هكذا تنضم شادية لمظاليم يقعون ضحايا لكتاب المحفوظات الذي نردد مقولاته. فقر المحتوى التحليلي الذي يصنع حول مطربة أو فنان بشكل عام قد يقود لرفع قيمة عن قيمة أخرى، وقد يُستَغَل كثيرًا لإنهاء مسارات بأكملها تحت رحمة الكسل وتفاهة الكليشيه المفروض بقوة الكتابة.