هازل بطلة فيلم The Fault in our Stars

هل يساعدني قبول الموت على الحياة؟

تشير الباحثة النفسية أبيجيل برينر إلى أهمية أخذ الوقت الكافي للحزن. فترى أن الوقت هو العامل المساعد الأول على تخطي المحنة.

رجل خمسينى ذهب للطبيب يشكو من عدة أعراض جسدية، وبعد مجموعة من الفحوص والتحاليل أخبره الطبيب: "وفر فلوسك. مفيش فايدة. حالتك متأخرة جدا!" أصيب الرجل بعدها بنوبة اكتئاب حادة، وتوقف نهائيًا عن أية متابعة علاجية.

سيدة أخرى كلما سألت الطبيب عن حالتها يكتفى بابتسامة باهتة وجملة "خير إن شاء الله"، دون أية كلمة أخرى. ورغم أن الحالتين السابقتين كانتا قد وصلتا إلى مرحلة صعبة، وتعامل أطبائهما بصور قد تبدو شكليًا مختلفة، إلا أنها لم تساعد المريضين على التعامل الصحي مع مرحلة مختلفة من حياتهما، هي مرحلة قبول الموت!

التعامل مع الفقد –أو مشاعر الحزن الشديد على فقد شخص قريب جدًا– هو ما ركز عليه فيلم The Descendants، فقد أعطى الطبيب الفرصة للأسرة حتى تتعامل مع موت الزوجة، عندما تعامل بشكل رحيم، فلم يتجنب ذكر الحقائق، ولم ينقلها بشكل صادم يخلو من المواجدة والتلامس مع مشاعر الآخر.


كيف نتعامل مع موت شخص قريب منا؟
كلما كان تعاملنا مع هذه المرحلة بشكل صحي ومبكر، فإن ذلك يجنبنا الغرق في بؤس الفقد. وسنقترح، فيما يلي، عددًا من الأمور التى يمكن أن تساعد من هم فى هذا الموقف.

أعط نفسك الوقت الكامل للتعبير عن مشاعرك مهما كانت
الفقد أو الحداد كلها مرادفات تعبر عن تلك التجربة الفردية للحزن الشديد لفقدان شخص قريب. وتشير الباحثة النفسية أبيجيل برينر Abigail Brenner إلى أهمية أخذ الوقت الكافي للحزن، فترى أن الوقت هو العامل المساعد الأول على تخطي هذه المحنة. أو بكلمات أخرى أن أعطي نفسي الحق فى الحزن، دون أن ألومها أو أمنعها من التعبير عن فيض المشاعر داخلي.

التعامل مع مشاعر الحزن
كثيرة هى المرات التى نجد فيها الكثيرين يعيقون بعض الأشخاص عن التعبير عن مشاعرهم؛ خاصة إن صاحب ذلك نوع من الغضب المتفجر، فنسمع عبارات مثل، "حرام هتعترضي على حكمة ربنا"، مما يستدعي مزيدًا من الغضب والسخط، الذى قد يطال كل شيء. وعلى عكس ذلك، فإن أعطينا لهذا الشخص حقه في التعبير عن مشاعره، فإن ذلك هو ما يساعده على استعادة صوابه في أقرب وقت.

كما نرى أنه يتم تثمين إظهار البعض التماسك المبالغ فيه، والهدوء المصطنع، بعبارات مثل "فلان واقف زي السبع"، رغم أن هذا القناع في كثير من الأحيان يرتبط بالإنكار وعدم التصديق لما حدث، وهى حيلة نفسية يستخدمها الشخص بشكل لا إرادي لتجنب الأمور الصادمة. ويبقى الثناء على هذا الشكل الخادع من التماسك بمثابة إساءة نفسية للشخص نفسه، قد تتسبب في انهياره بشكل مفاجئ دون مقدمات.

بقي أن نشير إلى أن وقت ومساحة التعبير عن المشاعر يختلفان من شخص لآخر، حتى لو كانوا من نفس الأسرة. فطبيعة حساسية كل شخص متفاوتة، لذا يجب عدم المقارنة بين الأشخاص في تعاملهم مع حزنهم وإعطاء كل منهم فرصته كما يريد.

الاعتناء بنفسك هو مهمتك الأولى
كلما كان للعلاقة المفتقدة عمقًا أكبر داخلك، كلما ازدادت درجة الإهمال الذاتي، وكأنها رسالة نفسية بمعنى "أنا لا أهتم بالحياة". ولكن كلما ازداد اهتمامنا بأنفسنا، تخطينا مشاعر التعاسة أسرع، وهذا لا ينتقص من ارتباطنا بمن فقدناه، ولكننا نعوض أنفسنا ببعض الحب الذي نكون فى أمس الحاجة له. ومن المهم أن يكون من أنفسنا أولًا قبل أن نستقبله ممن حولنا.

أحط نفسك بأشخاص تحبهم ويحبونك
تشير رايتشل لومان Raychelle Lohmann إلى أهمية وجود دائرة دعم قوية حولك مما سيساعدك، ويخفف من شعور الوحدة الداخلية.

قبول حقيقة عدم وجود ردود على سؤال "لماذا؟"
قد ننشغل في الحصول على إجابات لسؤال "لماذا حدث ذلك؟"، أو "من كان السبب؟" إلا أن ذلك لن يصل بنا إلى شيء، إلا ربما مشاعر ذنب نحو أنفسنا، أو من حولنا ليكون عبئًا اضافيًا يصعب علينا الأمر.

رغم أن الموت حقيقة ثابتة، إلا أن ارتباطات الحياة والمسؤوليات تجعل كل منا يتصور، بشكل غير واعي، أن الأمر لا يعنيه، أو أنه بعيد عنه، ولا يزال أمامه الكثير.

العودة إلى العمل أو الدراسة في أقرب وقت
المبالغة في التفرغ للحداد وتأجيل كل شيء أمر غير صحي، وعلى العكس فالعودة السريعة إلى العمل أو المهام الدراسية قد يكون أفضل أمر في هذا الوقت.

كيف نتعامل مع الموت على المستوى الشخصي؟

رغم أن الموت حقيقة ثابتة، إلا أن ارتباطات الحياة والمسؤوليات تجعل كل منا يتصور، بشكل غير واعي، أن الأمر لا يعنيه، أو أنه بعيد عنه، ولا يزال أمامه الكثير، وربما يضع موضوع الموت بالكامل تحت عنوان "أشياء تحدث للآخرين". أما أن يصبح الأمر في بؤرة التركيز كما حدث مع هازل بطلة رواية "ما تخبئه لنا النجوم" The Fault in our Stars بعد أن أصبحت تعرف أنها تنتظر الموت بسبب مرضها الشديد فإن ذلك كان بمثابة صدمة شديدة، رغم أن بطلتنا تعاملت مع هذه الصدمة بشيء من السخرية.

ولكن غالبًا ما يحدث فى الواقع هو أن يمر صاحب الصدمة النفسية يمر بمراحل محددة لها، وفق العالمة النفسية كوبلر روس، فيبدأ بالإنكار لما يحدث، ويشكك فى كل الحقائق، ويردد عبارات مثل "أنا زى الفل. سيبكم من كلام الدكاترة"، ويظل مصرًا على تكذيب أي شيء خلاف ذلك. وربما يقرر أن يذهب لعشرات معامل التحاليل ليثبت وجهة نظره على المستوى الخارجي وليطمئن نفسه داخليًا.

ويعد الإنكار مرحلة عادية، يمر بها أغلب الناس، لكن المبالغة فيها تعد مرضية، وتؤخر تعامل الشخص مع ما يحدث له. لتأتى بعد ذلك مرحلة الغضب، فبعد أن تأكد خبر اقتراب موته، يدخل في نوبات من الثورة والغضب على الحياة وعلى الله؛ "ليه يا رب كده؟"

وبعد هدوء عاصفة الغضب، يدخل في مرحلة المساومة، فيحاول أن يدخل في صفقات وهمية؛ "لو سيبتني أعيش، هعمل خير كتير". ثم يأتي بعد ذلك الحزن والإحباط، فالمساومات لم تنجح؛ "خلاص! مفيش أمل". يلي ذلك المرحلة الخامسة والأخيرة، القبول. وهنا يبدأ الشخص في التعامل مع هذه الحقيقة كخلاصة نهائية لحياته. فوفق إريك إريكسون، فى نظرية النمو النفسي الاجتماعي يأخذ الفرد مسارًا من اثنين؛ الأول هو تكامل الأنا، وفيه نحيا على ما تم بناؤه خلال رحلة الحياة، فنبدأ في اكتشاف نوع من السلام الداخلي والتكيف مع الانتصارات والهزائم التي مررنا بها، وينمو لدينا الشعور بالوجود والمعنى.

أما المسار الثانى فيكتشف فيه الشخص أن حياته لم يكن لها معنى؛ أهدافه كانت بلا قيمة؛ يشعر أنه ترك خلفه مهام لم تكتمل. ويصاحب ذلك شعور باليأس العميق.

بقي أن نشير إلى أن الطريق إلى تلك المسارات يبدأ بنمط الحياة اليومية، وما فيها من سعي لمعنى في الحياة، واكتشاف للذات الحقيقية المرتبطة بالفطرة، والبحث عن الجمال فى الوجود.