وليد حسنين في صورة مع جهاز "OCS" Image Courtesy: EPO

وليد حسنين.. أو كيف ينبض القلب خارج الجسد؟

كان هذا الموقف هو النواة الأولى والتي دفعت جراح القلب المصري إلى ترك تخصصه، وإنشاء شركة مختصة بعد قرابة أربع سنوات في الأجهزة رعاية الأعضاء البشرية، نجحت في أن تترجم الفكرة التي طرأت لشاب مصري يراقب من خلف الزجاج عملية جراحية، إلى واقع وحقيقة.

ذات ليلة في عام 1994، حمل الطالب المصري وليد حسنين خلال عامه الأول لدراسة الطب، ضمن فريق طبي، صندوقًا مُبرِّدًا يحتوي على قلب بشري لشخص توفي للتو، من مستشفى جورج تاون في العاصمة الأمريكية واشنطن إلى مركز طبي يقع في شمال مدينة فرجينيا حيث ينتظر أحد المرضى إجراء عملية زرع قلب.

تقطع السيارة المسافة من واشنطن العاصمة إلى فرجينيا والبالغة ثلاثمئة كيلومتر تقريبًا في نحو ثلاث ساعات ونصف، وهي نفس المدة التي يمكن أن يبقى خلالها القلب البشري صالحًا داخل الصندوق المُبرِّد لإعادة زرعه بعد وفاة المانح، من أجل هذا كان حسنين وفريقه الطبي يسابقون الزمن، ويتحسبّون من أي ظروف قد تطرأ على الرحلة لأنها قد تهدد حياة مريض يقف على مشارف الموت.

مُبرد نقل الأعضاء التقليدي

وصلت السيارة وبداخلها قلب بشري لإجراء عملية الزرع، وبينما بدأ فريق الأطباء بإجراء العملية بعد وصول القلب سالمًا في الوقت المحدد، وقف حسنين على باب غرفة عمليات الطوارئ يراقب أول عملية زرع قلب يشهدها، وبعد إيصال أجهزة النبض للحفاظ على القلب البشري خلال إجراء العملية، تساءل حسين؛ لماذا لم يتم استخدام نفس التقنية منذ لحظة توفي المانح؟ وذلك بحسب صحيفة "بوسطن جلوب".

كان هذا الموقف هو النواة الأولى والتي دفعت جراح القلب المصري إلى ترك تخصصه، وإنشاء شركة مختصة بعد قرابة أربع سنوات في الأجهزة رعاية الأعضاء البشرية، نجحت في أن تترجم الفكرة التي طرأت لشاب مصري يراقب من خلف الزجاج عملية جراحية، إلى واقع وحقيقة.

بدأ اسم حسنين يظهر بقوة على منصات التواصل الاجتماعي بعد إعادة مشاركة تسجيل مصور نشرته منذ ستة أشهر صفحة مكتب براءات الاختراع الأوروبي على فيسبوك، وهو اﻷمر الذي أعاد الحديث مجددًا عن تكنولوجيا نقل وزراعة الأعضاء، في خضم استعراض اختراعات المرشحين في القائمة القصيرة للفوز بجوائز مكتب براءات الاختراع الأوروبي في المجال الطبي والبحثي حول العالم لعام 2017.

تضمنت القائمة اسم الجراح المصري اﻷمريكي، واختراعه جهازًا يحفظ الأعضاء البشرية الأكثر أهمية في عالم زراعة الأعضاء وهي القلب والكبد والرئتين لمدة 24 ساعة منذ لحظة وفاة المتبرع، بينما تحفظ الأجهزة الحالية الأعضاء البشرية قرابة أربع ساعات فقط.


على الرغم من مرور قرابة ستة أشهر على إعلان مكتب براءات الاختراع الأوروبي عن الفائزين بجوائزه التي لم يحالف الحظ حسانين للفوز بها، إلا أن الجهاز الطبي أحدث طفرة في إمكانية حفظ الأعضاء ونقلها للولايات النائية في الولايات المتحدة لبدء العمليات الجراحية للمرضى المنتظرين لتلقي أعضاء المانحين.

ولد حسنين في القاهرة عام 1968، لعائلة جميع أفرادها من الاطباء، نشأ حسنين في إحدى ضواحي القاهرة القريبة من المطار، ما جعله يحلم أن يصبح طيارًا، إلا أن التقاليد العائلية أرغمته على دراسة الطب كباقي أفراد العائلة، فسافر الشاب إلى لندن للدراسة قبل أن يعود إلى جامعة القاهرة للدراسة مجددًا لمدة ثلاث سنوات.

وفي عام 1990 سافر حسنين مجددًا ولكن إلى الولايات المتحدة هذه المرة، ليحصل على درجة الماجستير في الطب عام 1993 من جامعة جورج تاون في واشنطن. وبعدها حصل على زمالة جراحة أبحاث القلب من مركز بريجهام الطبي 1995. قبل أن يُشرع في تأسيس شركته "TransMedics" والتي أحدثت طفرة نوعية في مجال نقل الأعضاء البشرية.

نشأة شركة "TransMedics"

في عام 2015 اختير الجراح المصري وليد حسانين (49 عامًا) ضمن قائمة أعدتها صحيفة "فورين بوليسي" عام 2015 لمئة من المفكرين حول العالم. واستعرضت الصحيفة في عرضها نبذة مختصرة عن اختراع حسنين وكيف ولدت الفكرة التي تعود إلى ليلة مشؤومة عام 1994 عندما كان حسنين جراحًا مقيمًا في مستشفى جورج تاون بالعاصمة الأمريكية واشنطن، إذ وجد نفسه ينقل قلبًا بشريًا في مُبرد به أكياس من الثلج من العاصمة واشنطن حيث توفى أحد المانحين إلى ولاية فرجينيا حيث ينتظر المريض - المتلقي - لإجراء عملية زرع القلب البشري.

بُعد المسافة بين المدينتين والتي تبلغ قرابة ثلاثمئة كيلومتر تقطعها السيارة في ثلاث ساعات ونصف، وهي نفس المدة اللازمة للحفاظ على أنسجة العضو البشري باستخدام التقنية التقليدية - مبرد الثلج.

ما عايشه حسنين في تلك الليلة، دفعه إلى التفكير في البحث طرق أخرى لإطالة صلاحية الأعضاء البشرية عن الفترة المعتادة، وهو الأمر الذي دفعه بعد سنوات قليلة إلى التخلي عن مجال عمله كجراح والتفرغ في دراسة تكنولوجيا الأجهزة الطبية، في محاولة لجعل الأجهزة الطبية تحاكي الظروف الطبيعية في الجسم البشري للمحافظة على صلاحية الأعضاء البشرية للمانحين خارج الجسد البشري.

بعد ذلك بعدة سنوات، ابتكر الطبيب المصري جهازًا للحفاظ على الأعضاء لفترة أطول من الساعات الثلاث لتصل إلى 24 ساعة، ليستخدم هذا الجهاز في أكثر من 800 عملية زراعة ناجحة في جميع أنحاء العالم حتى اليوم.

على عكس إبتكار الطبيب المصري والذي يوفر كافة البيانات الحيوية للقلب، بتهيئة البيئة الطبيعية كما في الجسم البشري. واستخدم جهاز "OCS" في أكثر من 800 عمليات زرع ناجحة في جميع أنحاء العالم، تجاوزت مدة صلاحية الأعضاء باستخدام تلك التقنية قرابة الـ24 ساعة.

أنشأ حسنين شركة "TransMedics" عام 1998، المعنية بإنتاج وتطوير تكنولوجيا أجهزة الحفاظ على الأعضاء - Organ Care System - وترأس حسنين مجلس إدارتها. لتنجح الشركة الناشئة في إنتاج ثلاثة أجهزة للحفاظ على الأعضاء البشرية لمدة تتجاوز 24 ساعة عن الفترة التقليدية باستخدام -المبرد - أنتجت الشركة الأجهزة الثلاثة للحفاظ على القلب، والكبد، والرئتين خارج الجسد البشري.

جهاز رعاية الأعضاء البشرية "OCS"


على عكس المُبرد التقليدي للنقل الأعضاء، يوفر جهاز رعاية الأعضاء - OCS -والذي يحتوي على وحدة تحكم محمولة تقوم بتغذية العضو البشري، بالعمليات الدقيقة للحفاظ عليه حيًا ونابضًا كما في الجسم البشري، بما في ذلك إمدادات الأكسجين ومضخة تستخدم للحفاظ على تدفق الدم الدافئ كما في جسم الإنسان، مرورًا بعمليات التغذية إلى الجهاز. إلى جانب احتوائه على بطاريات توفر الطاقة أثناء عملية النقل.

يحتوي "OCS" على جهاز لا سلكي يستعرض الوظائف الحيوية للعضو البشري. وهو ما يوفر المعلومات الهامة للسماح بتقييم حالة العضو البشري من قبل الطبيب.

على سبيل المثل في حالة نقل قلب بشري، تقوم الشاشة الضوئية بعرض كافة العمليات الحيوية للقلب مثل الضغط الأبهري، والتدفق التاجي، ودرجة حرارة الدم، ومعدل ضربات القلب.

بدأ الاستخدام الفعلي للجهاز عام 2007 ما أحدث طفرة في مجال تقنية نقل الأعضاء، بعد عقود من استخدام "التبريد" والذي دائمًا ما كان يواجه مشكلة نقص التروية الباردة - Cold Ischemia - وهى التقنية التي تُفرغ العضو البشري من الدم ومن ثم حقنه بمحلول معقم ونقل في صناديق مُبردة، تلك الطريقة كانت تحافظ على العضو البشري المنقول لمدة لا تتجاوز أربع ساعات.