نوبل "ديلان" و"ألكسِيْفيتش" من جديد

هل يمكن أن نرى نوبل الأدب تُمنَح يومًا ما بالفعل لكاتبٍ كرَّسَ حياته لتبسيط العلوم أو لمؤلِّفٍ بارزٍ للـ(أدبيات) الجراحية؟

"مثال آخر شاع للأسف عندنا بلا مسوغ أيضًا، وهو التعبير عن (الكتابات) بلفظ (الأدب)، ذلك أن للكلمة Literature في الإنجليزية معنيين: أحدهما هو الأدب بمعنى العمل الأدبي، كالقصة والرواية والمسرحية والشعر، والآخر هو مجرد (الكتابات) أيًا كان موضوع هذه الكتابات ونوعها. ومن ثم يجوز أن نقول بالإنجليزية (Economic Literature) بمعنى الكتابات الاقتصادية. ولكننا للأسف نقلنا الكلمة وترجمناها بمعناها الأول (الأدب) للتعبير عن المعنى الثاني (وهو الكتابات) فنقول (الأدب الاقتصادي) مثلًا أو (الأدب الاجتماعي). ولا أدري كيف قُدِّر لهذا التعبير الانتشار لهذه الدرجة، اللهم إلا إذا إفترضنا أن كثيرًا من الكتاب يتعمدون استخدام تعبيرات غامضة وغير مفهومة لإيهام القارئ بأن وراء ما يكتبونه معاني خطيرة وعميقة لا تسعها عقول أمثالنا!".

هذا الاقتباس من فصل "اللغة العربية" من كتاب "ماذا حدث للمصريين؟" للاقتصادي المصري الكبير جلال أمين.

حين نبحث عن أصل كلمة "أدب"، نجد "لسان العرب" لابن منظور يقول عنها: "الأَدَبُ: الذي يَتَأَدَّبُ به الأَديبُ من الناس؛ سُمِّيَ أَدَباً لأَنه يَأْدِبُ الناسَ إِلى الـمَحامِد، ويَنْهاهم عن المقَابِح. وأَصل الأَدْبِ الدُّعاءُ، ومنه قيل للصَّنِيع يُدْعَى إليه الناسُ: مَدْعاةٌ ومَأْدُبَةٌ". إذَن فهذا الجذر اللغوي يتّسع في الأصل لما يتجاوز المفهوم من فنون اللغة من (قصة ورواية ومسرحية وشِعر)، ويلتقي في معناه الأصلي مع الاستخدام الشائع المعاصر له. بالطبع لهذه المقدمة علاقةٌ وثيقةٌ بنوبل "بوب ديلان" و"سفيتلانا ألكسِيفيتش"!

نال المطرب الأشهر "نوبل" في الأدب عام 2016 بصفته شاعرًا غنائيًا، ذا إسهامٍ شديد التميُّز في حقل القصيدة المُغَنّاة، وفتح حصوله على هذه الجائزة بابًا واسعًا للجدل حول ماهيّة الأدَب. وفي الحقيقة هو جدَلٌ مفهومٌ، لأنّ شهرة ديلان كمطرب تطغى على شهرته كشاعر غنائي، لكنّه أيضًا جدَلٌ محسومٌ، من ناحيةٍ أخرى، طالما أنَّ الشِّعرَ، منذ ما قبل تنظير أرسطو، إمّا أن يكونَ ملحميًّا (يتطور إلى الرواية بحسب قراءةٍ محتملةٍ لتطور الأجناس الأدبية)، أو مسرحيًّا (تنسلخ منه المسرحية النثرية فيما بعد)، أو غنائيًّا يُكتَب في الأساس ليُغَنَّى.

أمّا الصحفية البيلاروسية، الأشهر الآن في العالَم، "سفيتلانا ألكسيفيتش"، فقد نالت نوبل الأدب في 2015 عن مجمل أعمالها الأقرب إلى التحقيقات والحوارات الصحفية، والتي تهتم أساسًا بتصوير فظائع القرن العشرين، لا سيّما في حرب أفغانستان ومأساة تشيرنوبل وغيرهِما. هذه الأعمال تُصَنَّف عادةً باعتبارها "نثرًا غيرَ مُخَيِّل" إذا افترضنا أن هذه ترجمةً أمينةً للمصطلح النقدي التصنيفي Non-Fiction Prose. وبالتالي فهي أعمالٌ غير (أدبيةٍ) بالمعنى المتعارَف عليه هي الأخرى، مما يوسّع دائرة الجدل أكثر!

لكنّ هذا المقال يحاول أن يستثمر هذا الجدَل، لإثارة سؤالٍ حول ما يمكن أن يتّسع له مفهومُ "الأدَب"، وراء الأنواع (الأدبية) المعروفة.

رجوعًا إلى هجوم أستاذنا الدكتور جلال أمين على اصطلاح "الأدب الاقتصادي" أو "أدبيات الاقتصاد"، أتذكّر فقرةً من مقدمة إحدى طبعات "كتاب أكسفورد للتخصصات الطبية"، والتي حُرِّكَت في طبعة تالية (طبعة 2013) إلى داخل الكتاب، وبالتحديد إلى الفصل الذي يناقش الزيارات الطبية المنزلية Home Visits في صفحة 516. هذه الفقرة اقتباس من طبيبةٍ، لا أعرف من هي، اسمها مورا سان چون، تتخيل فيها أنها تقود سيارتها في طريقها لزيارة ليلية لطفلٍ مريضٍ في العاشرة من عمره، وفي المقعد المجاور لها يجلس نيتشه، الفيلسوف الألماني، محاولًا إقناعَها في هدوء بأنها تقيِّد نفسها بقيود أخلاقية زائفة، وتخدع نفسها بأنها تضحّي بحريتها وسعادتها من أجل هدفٍ أسمى، بينما هي في الحقيقة تقايض شيئًا من نفسها بشيءٍ آخر، لتَشعُرَ فقط بأنها أفضل. تقول مورا سان چون، إنّها ترى القمر مشرقًا لها في طريقها إلى هذه الزيارة المنزلية، وحين تحاول أن تُرِيَه لنيتشه في طريق العودة تُفاجَأ باختفاء الأخير واختفاء القمر، الذي ربّما كان يشرق لطبيبٍ آخر في طريقه لزيارةٍ منزليةٍ لمريضٍ آخر.

في هذه الفقرة تُنطِق مورا ضيفَ قصتِها (نيتشه) بحِكَمه الواردة في كتابه "ما وراء الخير والشر"، وتومئ لقرائها بالسخرية من هذه الحِكَم باتخاذها موقفًا أخلاقيًّا محددًا غيرَ عابئٍ بفحوى هذه الحِكَم، وتدعونا بشكلٍ غير مباشرٍ لمساءلة الموقف الفلسفي لنيتشه بشكلٍ ما أو بآخر. هل هذا شبيهٌ بما يفعلُه الأدباء؟

لا يخلو فصلٌ من كتاب "التقنيات الجراحية الأساسية" لمؤلفِه الجراح البريطاني العظيم رايموند كيرك من شكلٍ من أشكال "تشعير" الظواهر الجراحية.

إذا كانت هذه مقدمةَ كتابٍ يتعلق بتقنيات التشخيص والعلاج بشكلٍ عامٍّ في عددٍ من التخصصات الطبية، فإنَّ متن عددٍ يستعصي على الإحصاء من كتب الطب والجراحة يعجُّ بالمنعطفات الدرامية والتوقفات الشِّعرية والوصف (الروائي) الدقيق. ربما لا يخلو فصلٌ من كتاب "التقنيات الجراحية الأساسية" لمؤلفِه الجراح البريطاني العظيم رايموند كيرك من شكلٍ من أشكال "تشعير" الظواهر الجراحية، فضلًا عن استقصاء الوصف الذي لا يكاد يفلت شاردةً ولا واردة! في الفصل الأول من هذا الكتاب يتعامل (كيرك) مع الخَرَق الذي يعانيه المتدرّب الجديد الذي يبدأ حياته الجراحية بمشاهدة ما يَجري في غرفة العمليات، ويذهب معه إلى وقت تقشير البرتقال حيث يلفت انتباهه إلى أنَّ هذه العملية البسيطة تُعَدُّ تدريبًا على فصل الأنسجة عن بعضها البعض. في الحقيقة يمضي (كيرك) إلى أبعد من هذا حيث يدخل في تفاصيل الوقوف الأمثل ومد الذراع الأمثل والحِيَل المختلفة التي من شأنها أن تزيد ثبات المتدرب داخل غرفة العمليات. استقصاءٌ يذكِّرُنا بروايات تشارلز ديكنز.

إذا كان علمٌ تجريبيٌّ كالطب يحرص مؤلفو مراجعه الكبرى على إكساب مؤلَّفاتهم عمقًا إنسانيًّا من خلال هذه الحِيَل، فإنَّ حقول العلوم الإنسانية كالاقتصاد والاجتماع لا يمكن أن تتجاهل أهمية هذا العمق.

كذلك يُعرَف كثيرٌ من مؤلفي الكتب الجراحية النصّية surgical textbooks بولعهم بتحقيق الجذور اللغوية للاصطلاحات التي يستخدمونها Etymology للبحث عن تطور دلالة المفردات، وبالولع بالاقتباسات (التناصّات) من مصادر أدبية وفلسفية وجراحية مختلفة.

بالطبع ينسحب ما نقولُه على كل الحقول المعرفية خارج الطب وداخله. فإذا كان علمٌ تجريبيٌّ كالطب يحرص مؤلفو مراجعه الكبرى على إكساب مؤلَّفاتهم عمقًا إنسانيًّا من خلال هذه الحِيَل، فإنَّ حقول العلوم الإنسانية كالاقتصاد والاجتماع لا يمكن أن تتجاهل أهمية هذا العمق.

في تقدير كاتب هذا المقال، يقوم المؤلفون الكبار مثل رايموند كيرك ونورمان براوز (مؤلف كتاب: أعراض وعلامات الأمراض الجراحية) بخدمةٍ إنسانيةٍ جليلةٍ لفئتين من الناس، أعني فئة الأطباء وطلَبة الطب من ناحية، وفئة المرضى من ناحيةٍ أخرى. هذه الخدمة تتعدى فكرة الإرشاد التقني إلى ما هو أبعدُ منها، وأقصدُ بالتحديد بثّ "الأدب" في الممارسة الطبّيّة. الأدب بكل ما ينطوي عليه من إمكانات الارتقاء بذائقة الطبيب أو المتدرب للمس الجمال والتناسق في كل تفصيلةٍ من تفاصيل العمليتين التشخيصية والعلاجية، وبالتالي زرع عاطفة الحُبّ في علاقة الطبيب بمهنته، وانتهاءً ينعكس هذا إيجابًا على المردود الذي يجده المرضى من عملية الاستشفاء.

أنَّ الكتابات في حقولٍ معرفيةٍ مختلفةٍ قد تستحقُّ عن جدارةٍ أن تُسمَّى أدبيات.

بشكلٍ ما أو بآخر، يقدم هؤلاء المؤلفون "أدبًا" من نوعٍ خاص، لا "كتابةً" محايدةً باردة. ربما يقترب هذا النوع الخاص من الأدب ممّا أسماه سارتر في كتابه "ما الأدب" بـ"الأدب الملتزم". فإذا كان سارتر يقرر أن الشاعر يخدم اللغة ويمارس فعلاً "إدراكيًّا" من خلال القصيدة بقطع علاقات مفرداته بسياقاتها المستخدمة في اللغة اليومية وإنشاء علاقاتٍ جديدةٍ يُدرِكُ من خلالِها عالَمًا جديدًا ينشئه هو، بينما كاتب السَّرد "يستخدم" اللغة "ملتزمًا" بإيصال أفكاره عن العالَم الحقيقي إلى متلقّيه، فإنّ "أدبيات" الجراحة والطب والاقتصاد والاجتماع ومؤلَفات تبسيط العلوم popular science تحقق درجةً أكبر من "الالتزام" في الحقيقة، متذرّعةً بدرجاتٍ متفاوتةٍ من التأدُّب Literariness – وهو المصطلح الذي قدَّمه عالم اللغويات والناقد الأدبي الروسي الكبير رومان ياكوبسون – بمعنى الحِيَل التي قدَّمنا لها من التناصّات والاقتباسات والتخييل والاستقصاء (الروائي) إلى غير ذلك، في سبيل دفع قرائها لتبنّي سلسلةٍ من المواقف تنتهي لصالح مجتمعهم.

هل يمثل هذا مطالَبةً بمنح نوبل الأدب لمؤلفي أمهات الكتب المرجعية في هذه الحقول المعرفية؟ ليس تمامًا في الحقيقة. هي فقط محاولة للفت انتباه نقاد الأدب والمهتمين باللسانيات وتحديدًا بتحليل الخطاب إلى أنَّ الكتابات في حقولٍ معرفيةٍ مختلفةٍ قد تستحقُّ عن جدارةٍ أن تُسمَّى أدبيات، وقد تسهم محاولات فهم كيفية تشكُّلِها وبنيتها في رفد المعرفة الإنسانية – وربما الأدب المتعارف عليه نفسه من شِعر وقصة ورواية ومسرحية – بالكثير من الإمكانات الواعدة.

انتهاءً، هل يمكن أن نرى نوبل الأدب تُمنَح يومًا ما بالفعل لكاتبٍ كرَّسَ حياته لتبسيط العلوم أو لمؤلِّفٍ بارزٍ للـ(أدبيات) الجراحية؟ وحده الزمن كفيلٌ بأن يُطلِعَنا على إجابة هذا التساؤل.