الشيخ زكريا أحمد. الصورة: منتدى سماعي

زكريا أحمد.. موسيقار "حسب الظروف"

سُئل زكريا أحمد ذات مرة كيف تخرج ألحانك، فقال "حسب الظروف".

في مارس/ آذار عام 1919 صفى الشيخ الشاب زكريا أحمد جميع أعماله والتزاماته من حفلات ومسرحيات، ولم يقبل بأي أعمال جديدة وشد رحاله لقراءة القرآن وإنشاد المدائح في قرى ومراكز أقاليم مصر المختلفة، حاملًا بين طيات عمامته رسائل من ثوار القاهرة إلى ثوار الأقاليم، والعكس.

في هذه الليالي كان الشيخ يختار آيات بعينها أكثر من مرة لتوجيه رسائل معينة، يحكي صبري أبو المجد في كتابه "زكريا أحمد" أنه أثناء وزارة يوسف وهبة باشا الموالية للاحتلال الإنجليزي كان الشيخ زكريا يقرأ آية "اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين"، بقراءاتها السبع.

كان الشيخ زكريا أحمد في تلك الفترة شابًا يافعًا، يحاول الخروج من عباءة الأزهر والإنشاد الديني بعد أن تعلم على يد الشيخ درويش الحريري "أهم مشايخ مصر.. ليس في مصر ملحن مصري كبير لم يتعلم على يده أو يستفد بتراثه" بحسب رأي سيد مكاوي الذي نقله فكتور سحاب في كتابه السبعة الكبار في الموسيقى العربية.

ذهب زكريا إلى محمد القصبجي ليعلمه العزف على العود، كان زكريا مقبلًا على الطرب والموسيقى، خاصة بعد لقائه بالموسيقار سيد درويش عام 1916 بعد أن ذاع صيت الأخير لدرجة أن أصدقاء زكريا نقلوا إليه بعضًا من ألحان سيد درويش وأعجبته. في ذلك الوقت كان سيد درويش يغني في أحد مقاهي الإسكندرية مقابل 15 قرشًا كل ليلة، فسافر إليه زكريا ليستمع إليه.

حدث ذلك بالتزامن مع يأس الشيخ درويش الحريري من تحفيظ زكريا أحمد القرآن فعلمه آيات تناسب احتفالات بعينها، قبل أن يضمه إلى بطانة الشيخ علي محمود أشهر بطانات مصر، فتعلم زكريا الآذان والتواشيح والموشحات التركية والشامية والسيرة.

تزايدت لقاءات الشيخين سيد درويش وزكريا أحمد بعد ثورة 1919، ويذكر يونس القاضي أن زكريا أحمد عمل في فرقة سيد درويش الذي كان يعرف أن زكريا يحفظ موشحات الشيخ درويش الحريري. في النهاية ورث زكريا أحمد عن سيد درويش زعامة المسرح الغنائي وصداقة بيرم التونسي.

ارخي الستارة اللي في ريحنا..

في إحدى حواراته الإذاعية قال الشيخ زكريا أحمد أن أول ألحانه جائت في عام 1917، كانت طقطوقة غنتها منيرة المهدية من كلمات الشيخ يونس القاضي، في نفس الحوار قال الشيخ زكريا إن قلم الرقابة تأسس بسبب هذا اللحن الذي أكسبه شهرة واسعة، بالنسبة له كما ذكر فإنه كان شابًا "فرحان إن أنا بلحن.. ومبسوط قوي وهاطق م الانبساط لما يقولوا الموسيقار".

لكن في عام 1926 قاد الشيخ يونس القاضي ومحمد البحر درويش حملة هاجما فيها الشيخ زكريا، واتهموه بسرقة ألحان الشيخ سيد درويش، وكان لحن "ارخي الستارة اللي في ريحنا" ضمن تلك الألحان، لم يرد الشيخ زكريا على الاتهامات التي وجهت إليه، وتولى الكاتب المسرحي بديع خيري مهمة الدفاع عن الشيخ زكريا.


بحسب رواية زكريا فإن اللحن غنته منيرة المهدية واشتهر في حياة الشيخ سيد درويش، لكن بعد جدل كبير واتهامات ودفاع، رد الشيخ زكريا على متهميه بأنه مستعد لنشر النوت الموسيقية لألحانه إذا وافق محمد البحر درويش على نشر نوت والده ليحكم الجمهور.

ملك التفاصيل

ما يؤكد صدق رواية الشيخ زكريا أحمد في موضوع الألحان هو دفتر يومياته، فالحوار الإذاعي يبدو وأنه كان بعد انتهاء الأزمة، وقد يكون هناك احتمال أن بعض التواريخ اختلطت عليه، لكن في حالة الشيخ زكريا فالأمر مستحيل.

منذ عام 1916 داوم الشيخ زكريا على كتابة مذكراته يوميًا، وكان السر وراء هذه العادة كما ذكرت في كتاب صبري أبو المجد على لسان الأديب والفنان أحمد عوض وهو أن أحد رجال الوجه القبلي أُتهم في جريمة قتل وكادت التهمة أن تُثبت عليه لولا وجود دفتر يومياته الذي وجدته الشرطة حينما فتشت منزله وكان قد كتب فيه الشيخ زكريا تفاصيل اليوم الذي حدثت فيه الجريمة وتناوله للغداء عند أحد أصدقائه بالإضافة إلى أنواع الأكل وألوانه، الحكاية التي أثرت في الشيخ زكريا فبدأ بتدوين يومياته.

تلاحين زكريا.. المسرح الغنائي

قبل عام 1924 لم يلحن الشيخ زكريا إلا رواية واحدة فقط، قرر بعدها ألا يخوض غمار الروايات والمسارح. كانت هذه التجربة في عام 1916 عندما قرر طلاب بعض المدارس الثانوية إنشاء جمعية للمسرح، كان من ضمنهم الفنان حسين رياض والفنان حسن فايق. اختار الطلاب إقامة حفل يمثلون فيه رواية "فقراء نيويورك". وكانوا قد خصصوا ستة جنيهات لمؤلف الأغاني والملحن بالتساوي، وكان التلحين من نصيب الشيخ زكريا الذي احتال عليه المؤلف.

بعد وفاة الشيخ سيد درويش، طلب علي الكسار من الشيخ زكريا تلحين مسرحية "دولة الحظ"، كان ذلك في عام 1924 وكان الشيخ زكريا في ذلك الوقت الملحن الأول للفرقة خلف سيد درويش، وبعد نجاح المسرحية لحن مسرحية "الغول" لبديع خيري قبل أن يتعاقد مع فرقة علي الكسار للعمل كملحن للفرقة. لحن الشيخ زكريا أحمد 53 مسرحية غنائية، منهم 30 مسرحية لفرقة علي الكسار، وسبع مسرحيات لفرقة عزيز عيد وفاطمة رشدي، وأربع مسرحيات لفرقة منيرة المهدية، وبلغ عدد أغنياته المسرحية خمسمائة وثمانين لحنًا.

السينما الغنائية

وُلد الشيخ زكريا عام 1896 العام الذي تصادف فيه عرض أول فيلم سينمائي مصري، وفي عام 1932 لحن زكريا أغنيات فيلم "أنشودة الفؤاد" أول فيلم غنائي مصري، الفيلم قامت ببطولته المطربة نادرة والفنان جورج أبيض.

في الحقيقة كانت ألحان الفيلم تقليدية يقول عنها فكتور سحاب "لم يُبح القول إنه أنشأ الأغنية السينمائية"، وكان مؤسس الأغنية السينمائية هو الموسيقار محمد عبد الوهاب، لكن عمل الشيخ زكريا على مقومات الأغنية التي أسسها عبد الوهاب وطورها بطريقته الخاصة ليتجه بها ناحية الموسيقى العربية.

لكن أهم مميزات موسيقى الشيخ زكريا السينمائية هو طريقته في تضفير أشكال موسيقية كالطقطوقة والمونولوج وتطوير شكل المحاورة كما في أغنية "قل لي ولا تخبيش يا زين" من فيلم "سلامة"، وهي حوار بين أم كلثوم والمجموعة، وتأتي الأغنية أقرب لشكل الطقطوقة.


تعد الأغنية نقلة كبيرة في تاريخ تطور الأغنية المصرية والسينمائية على وجه الخصوص، حيث اعتمد الشيخ زكريا على بناء كلمات الأغنية في معالجتها موسيقيًا، فكل مقطع في الأغنية يبدأ بسؤال وتجيب أم كلثوم بألحان مختلفة.

ومن أهم أعمال الشيخ زكريا هو تطويره لفن تصوير المشاهد الجماعية موسيقيًا، وهو الشكل الذي اعتمد عليه الفنان سيد مكاوي في "الليلة الكبيرة"، ففي أغنية "يا نبي" من فيلم "ليلى بنت الفقراء" صمم الشيخ زكريا الشريط الصوتي والموسيقى لمولد السيدة زينب، وعمل على تضفير عدد من الألحان المختلفة في مشهد المولد.


منذ ليلتها وأنا أصم مفتونا، لا أسمع إلا صوتها، أبكم لا أتحدث إلا باسمها، فقد أصبحت مفتونا بها وأقول مفتونا، لأننى أحببتها حب الفنان للحن الخالد تمنى العثور عليه دهرا طويلا

وزة أم كلثوم

كان الشيخ يحب التحدي، ولا يقبل أي سلطة عليه، كان معروفًا بتحديه، ولهذا كان على خلاف مع الإذاعة المصرية وصل إلى المحاكم ولم يتراجع حتى اعترفت الإذاعة بحقه في نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي.

وعلى الرغم من أن خلاف الشيخ زكريا مع أم كلثوم بدأ عام 1948 أي بعد حوالي 30 عامًا من لقائهما، إلا أن الحقيقة غير ذلك، فخلاف الشيخ مع الست بدأ مع انضمامه لتختها بعد وفاة والدها، في نفس السنة التي غنت فيها أم كلثوم طقطوقة "اللي حبك يا هناه" أول ما لحّن الشيخ للست.

لم تكن أم كلثوم بالنسبة لزكريا مطربة فحسب، بل كانت أبنته، رغم فارق السن الصغير بينهما، إلا أنه كان السبب في قدومها إلى القاهرة، وهو من قدمها لفرقة علي الكسار لتغني بين فصول المسرحيات، لذلك نجد حتى مؤرخي الموسيقى ونقادها عندما يكتبون عن ألحان زكريا أحمد يقسمونها إلى "ألحانه مع أم كلثوم" و "ألحانه لغير أم كلثوم".

يقول زكريا أحمد عن لقائه بأم كلثوم في أول مرة "منذ ليلتها وأنا أصم مفتونا، لا أسمع إلا صوتها، أبكم لا أتحدث إلا باسمها، فقد أصبحت مفتونا بها وأقول مفتونا، لأننى أحببتها حب الفنان للحن الخالد تمنى العثور عليه دهرا طويلا".

لكن حبه غير المشروط لأم كلثوم لم يستطع منع الخلافات بينهما، فبحسب فيكتور سحاب فإن الخلافات بين الشيخ وأم كلثوم بدأت بعد أقل من أربعة أشهر من انضمام الشيخ لتخت أم كلثوم بسبب خلاف على الاتعاب. في الواقع لم يكن زكريا عوادًا، وكان تخت أم كلثوم يضم محمد القصبجي العواد العربي الأول حينها. ويبدو السر وراء الخلافات بين أم كلثوم وبينه بدأت بسبب عدم تقدير أم كلثوم له، حيث كان يردد بصوته مع المذهبجية وراء الست بحسب ما ذكره فيكتور سحاب.

ولكن الخلاف والقطيعة الكبرى التي استمرت حوالي 12 عامًا كانت بسبب 40 ألف جنيه، يقول الشيخ زكريا "في شبابي ضحكت علي أم كلثوم بإوزة تمنها أربعة قروش ولما كبرت ضحكت علي في أربعين ألف جنيه" بحسب ما نقله صبري أبو المجد في كتابه "زكريا أحمد".

استمر الخلاف بين الشيخ زكريا وبين أم كلثوم منذ عام 1948 وحتى عام 1960، توقف فيها الشيخ سنتين عن التلحين، بعدما أعلن اعتزاله الفن، ولكنه عاد مرة أخرى عام 1950 بتلحين أغاني جديدة للمطربة أحلام، ويبدو أن تبني الشيخ لمطربة شابة أخرى حرك المياه الراكدة بينه وبين الست التي كادت أن تتصالح معه عام 1951، عندما قررت أم كلثوم أن تقوم بتسجيل القرأن الكريم بصوتها وبألحان الشيخ زكريا. وفشلت المصالحة بعدما نسبت أم كثلوم فكرة المشروع لنفسها، فكتب الشيخ مقالًا في مجلة روز اليوسف ينتقد فيه أم كلثوم، المقال الذي نقله فيكتور سحاب نصًا في كتابه السبعة الكبار.

كتب زكريا أحمد في مقاله يقول "أحب أن أهمس لأم كلثوم بكلمة صغيرة، وهي أنها أرادت أن تعود عليها بركة القرآن وحدها، ولكن عليها أن تتذكر أن عليها تعهدات والتزامات اخلت بها نحوي ونحو غيري، وأن عليها أن تفي بكل ذلك، ما دامت تريد أن تتقرب إلى الله، بتسجيل آيات كتابه الكريم".

الشيخ زكريا.. مطور أم تقليدي

نقل لنا فيكتور سحاب في كتابه ما قاله الموسيقار محمد عبد الوهاب عن زكريا أحمد "زكريا أحمد هو الوحيد في مصر ذو اللون الشرقي البحت الذي لا يدخل عليه أي تجديد. وهو وإن كان جميلًا ومطربًا، إلا أن هذا اللون كان يلحن به الموسيقيون في عام 1920.. وربما هو كان أبعد نظرًا مني في هذا، ولكني أرى لزكريا أن يحاول التجديد في موسيقاه، فلربما استفاد من عراقته إن هي طُعمت بألوان الفكر الجديد".

صنف الشيخ زكريا كفنان محافظ يعاند التطوير، لكن الرجوع إلى القوالب الموسيقية التي ساهم الشيخ زكريا في تطويرها، نجد أنه ساهم بشكل كبير في تطوير قالب الطقطوقة، وتعد طقطوقة "اللي حبك يا هناه" لأم كلثوم هي أول ألحان الشيخ زكريا لأم كلثوم، اعتمد فيها الشيخ على أن يكون لكل غصن لحن مختلف، وهو أمر كان يعتبر جديدا في طريقة تلحين الطقطوقة حيث كان يعتمد المحلنون أن تكون الأغصان متشابهة.


كما طور الشيخ قالب الدور قبل أن يبدأ في الاندثار أواخر الثلاثينيات ويتوقف تلحين الأغاني على هذا القالب، لكن تزامن هذا مع خروج الشيخ زكريا نفسه عن القوالب التقليدية، فتجد أغاني ليس لها تصنيف موسيقى حيث تخلو من أسس القوالب الموسيقية المعروفة وقتها، فتجد على سبيل المثال أغنية "حبيبي يسعد أوقاته" وهي أقرب للطقطوقة ولكن دون مذهب، أو أغنية "هو صحيح الهوى غلاب" أيضًا جائت بدون مذهب، وينتهي كل مقطع من مقاطع الأغنية بجملة "إزاي يا ترى" التي لا علاقة لها بمطلع الأغنية.

ساهم الشيخ زكريا في تطوير الأغنية المصرية، لكن لم يكن هذا التطوير في مضمون الأغنية المصرية ولكن كان في شكلها، فهو لم يقترب من آلات الموسيقى الشرقية، ولم يحاول تطوير الإيقاعات أو المقامات، ولكن عمل على تطوير الأشكال والقوالب وتبديلها.