محدث| قصة قاضيين أحيلا للـ"صلاحية" بسبب مكافحة التعذيب

"في صُلب القانون، ولم ينطو على رأي سياسي أو معارضة لنظام الحكم.. أو إهانة لمنصّة القضاء"
حافظ أبوسعدة- محام

قرر مجلس التأديب بمحكمة استئناف القاهرة، أمس الاثنين، تأجيل محاكمة المستشارين هشام رؤوف رئيس محكمة الاستئناف وعاصم عبد الجبار نائب رئيس محكمة النقض، لجلسة 20 أغسطس المقبل، على خلفية مشاركتهما في وضع مسودة قانون لمكافحة التعذيب.

وأفاد مصدر مُطلع على سير التحقيقات والجلسات للمنصّة، خلال الجلسة السادسة التي عُقدت في 5 فبراير الماضي، بأن هذه المرحلة من القضية "إجرائية تُمثّل مرحلة التجهيز للدعوى".

وفي مارس 2017، أحيل القاضيان رؤوف وعبد الجبار لمجلس التأديب بهيئة الصلاحية التابعة للمجلس الأ`لى للقضاء، بدعوى ممارستهما العمل السياسي بالمخالفة لما تقتضيه اللوائح والقوانين المُنظمة للعمل القضائي، وذلك بناءً على مُشاركتهما في تقديم مشروع قانون لمناهضة التعذيب؛ ما قابلته منظمات حقوقية بتأكيد عدم جواز اتخاذ هذه الإجراءات ضدهما.

مناهضة التعذيب

تعود بداية قضية المستشارين إلى مارس 2015، حين نظّمت المجموعة المتحدة، وهي مكتب محامون ومستشارون قانونيون، ورشة عمل لمناقشة مسودة قانون للوقاية من التعذيب ليكون مُتفقًا مع الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية والمهينة للإنسانية، كان المُستشاران ضمن المشاركين في نقاشاتها التي انتهت برفع المقترحات لرئاسة الجمهورية.

منذ عام 1987، انضمت مصر للدول المُصدقة على اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة، والتي تُلزم المُصدقّين عليها باتخاذ ما يلزم سواء على المستوى التشريعي أو الإداري أو القضائي أو غيرها من المسارات، لتجريم ومناهضة التعذيب.

ومن وجهة نظر حقوقية، فإن مصر في حاجة لتعديلات تشريعية وتنفيذية، تكون مُتماشية مع ما فُرض عليها من التزامات تجاه تجريم ومكافحة التعذيب، بموجب الاتفاقية.

وإثر مُشاركتهما في الندوة، مَثَل القاضيان- رؤوف وعبد الجبّار- أمام قاضي تحقيق، انتهى إلى قرار بإحالتهما إلى مجلس التأديب بالمجلس الأعلى للقضاء. صدر القرار في مارس 2017 ولقي احتجاجًا حقوقيًا، كان منه تعليق قانوني صدر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، وصف فيه التحقيقات مع المستشارين بأنها "شابتها انتهاكات ومخالفات قانونية وإجرائية عدة".

كان مجلس القضاء الأعلى والتفتيش القضائي، فضلًا عن قاضي التحقيق، انتهوا في مذكراتهم إلى أن ما فعله القاضيان "يعد اشتغالًا بالسياسة؛ يفقدهما شرطًا من شروط الصلاحية لتولي المناصب القضائية".

وفي حال انتهت جلسات المجلس بتأييد هذا الرأي بحق القاضيين، فقد تكون العقوبة هي إحالتهما لوظيفة غير قضائية أو حتّى للتقاعد (المعاش).

لكن مركز القاهرة، ذكر في تعليقه القانوني، أن تحقيقات هذه القضية، رقم 550 لسنة 2015، شابتها "الخروقات والانتهاكات الجسيمة، التي تعكس نية مُبيتة للانتقام من القاضيين".

الانتقام من العدالة

شدد تعليق مركز القاهرة، الذي حمل عنوان "الانتقام من العدالة" أن حضور ندوة أو ورشة عمل "لا يعد تهمة بأي حال من الأحوال"، وأن هذا هو سبب عدم صدور قرار بإحالتهما لمجلس التأديب "الذي يتطلب وجود تُهمة بعينها بناءً على تحقيق إداري أو جنائي"، بل أحيلا إلى مجلس الصلاحية "الذي لا تتطلب الإحالة له تهمة محددة".

ومجلس التأديب بهيئة عدم الصلاحية، طبقًا لنصوص قانون السُلطة القضائية، هو جهة ذات تشكيل خاص من السلطة القضائية، منوط بها تأديب القُضاة وأيضًا تقييم مدى صلاحية استمرار القاضي في ممارسة مهام وظيفته من عدمه.

ويقول حافظ أبو سعدة، المحامي بالنقض ورئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، إن مشاركة القاضيين في فعالية تتعلق بتشريع يكافح جريمة التعذيب "من صميم أعمال القُضاة، والتي تشمل المُشاركة في ندوات علمية أو كتابة أبحاث قانونية"؛ ما يدفع للقول بإن محاسبة القاضيين "ليست ذات بُعد قانوني بحت، بل ربما لها بُعد سياسي أيضًا"، لا سيما وأن أيًا منهما لم يتقاض مقابلًا على هذا العمل الذي كان تطوعيًا.

يتفق مع طرح أبو سعد، تعليق "مركز القاهرة" الذي وقّعت عليه 8 منظمات حقوقية أخرى، إذ ذكر أن "الإحالة للصلاحية باتت تستخدم كثيرًا مؤخرًا كوسيلة للانتقام من بعض القضاة وإقصائهم عن مناصبهم القضائية، كعقوبة على تعبيرهم عن آرائهم، في حين أن هناك الكثير من القضاة أفصحوا عن آراء سياسية سواء في أحكامهم أو من خلال الإدلاء بحوارات صحفية، ولم يتم التعرض لهم".

وأحيل عشرات القُضاة- على أقل تقدير- اعتبارًا من منتصف العام 2013، إلى مجلس التأديب بهيئة عدم الصلاحية، وكانت القرارت النهائية بحق غالبيتهم هي الإحالة للتقاعد، كما وقع مع 32 قاضيًا في مارس 2016، فيما وصفته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بـ"مذبحة جديدة للقُضاة"، كما خضع للمجلس كُلًا من المستشار زكريا عبد العزيز عام 2016 وتقرر عزله، والنائب العام الأسبق طلعت عبد الله عام 2014 وتقرر إحالته للتقاعد، وهما الاثنان من رموز "تيار الاستقلال"، بعد اتهامهما بالانتماء لجماعة الإخوان.

ويقول المصدر لـالمنصّة "هناك تربُص بقضاة تيار الاستقلال" والذي ينتمي إليه أيضًا كل من عبد الجبار ورؤوف، والثاني عمل لسنوات كمساعد لوزير العدل الأسبق أحمد مكي، أحد أبرز رموز تيار الاستقلال.

لا إثم عليهما

قال المحامي بالنقض حافظ أبو سعدة، الذي حضر جلسات التحقيق مع المستشارين، قبل إحالتهما لمجلس الصلاحية، إن طلبات المحامين كانت حفظ تلك التحقيقات معهما، فما فعلاه "كان في صُلب القانون، ولم ينطو على رأي سياسي أو معارضة لنظام الحكم أو انخراط في عمل معارضة سياسية أو إهانة لمنصّة القضاء".

وبموجب المادة 73 من قانون السُلطة القضائية، يُحظر على القُضاة الاشتغال بالعمل السياسي ولا يجوز لهم الترشح لانتخابات مجلس الشعب أو الهيئات الإقليمية أو التنظيمات السياسية، إلاّ بعد تقديم استقالتهم.

لكن التحقيقات لم تُحفظ، بل انتهت لقرار إحالة المستشارين للمجلس.

وذكر أبو سعدة أن التحقيقات شهدت توجيه أسئلة للقاضيين عن "محاولتهما التأثير على السلطة السياسية لاتخاذ إجراءات تتعلق بتعديل القوانين"، وهو ما ردّ عليه المحامي بالنقض بقوله إنه "أمر مشروع طالما كان بصورة علمية، وبلا ضغط سياسي"، ودللّ على ذلك بأن المحاكم "عادة ما تختتم أحكامها باقتراح تعديلات مقترحات تشريعية".

واختتم المحامي بالنقض حديثه بتقديم مزيد من اﻷدلة على شرعية دور القُضاة التطوعي في الندوات العلمية، بقوله إن لكثيرين منهم إسهامات بأوراق عمل وأبحاث قانونية استعان بها المجلس القومي لحقوق الإنسان نفسه (شبه الرسمي) في مؤتمراته وفعالياته المختلفة.