الانتهاك المُتجدِّد لـ"دورا".. جيجيك ضد الصوابية السياسية

يلجأ جيجيك في مقالته إلى حيلة سوفسطائية قديمة؛ فلهدم أي فكرة والتشكيك في رجاحتها، يمكنك الاستعانة بواحدة من أكثر تمثلاتها تطرفًا ومبالغة وندرة وإثارة للسخرية.

" الموافقة المؤكدة الواعية الطوعية" من قبل من؟ أول شيء نفعله هنا هو أن نستعين بالثالوث الفرويدي: الأنان والأنا العليا، الهو.. ماذا لو كان هناك صراع بين الثلاثة؟ إذا قالت أناي لا، تحت ضغط الأنا العليا، ولكن الهو قاومت وتمسكت بالرغبة المستنكرة؟.. أو حدث العكس: قلت نعم للدعوة الجنسية خاضعًا لشعور الهو، ولكن في وسط ممارسة الفعل، أثارت أناي العليا مشاعر ذنب غير محتملة؟

في مقاله المنشور بالإنجليزية، على موقع روسيا اليوم في ديسمبر/ كانون أول الماضي، والذي قامت المنصة بنشره مترجما إلى العربية هذا الشهر، يفحص سلافوي جيجك موضوعي الصوابية السياسية والشغف، متسائلاً إن كان علينا توقيع عقدًا قبل ممارسة الجنس.

اقرأ أيضًا: سلافوي جيجيك.. لنوقع عقدًا قبل ممارسة الجنس

يعكس سؤال جيجك الاستنكاري خطًا فكريًا يساريًا، يشعر ببعض التململ والقلق من حركة مناهضة التحرش الجنسي، والحماس المصاحب لها. فمع أن صيحة "الصوابية السياسية جن جنونها"، التي أطلقتها جريدة الديلي ميل البريطانية في العقدين الماضيين، كانت حكرًا على اليمين الغربي الأكثر محافظة؛ فإن قطاعًا من اليسار قد التحق بها مؤخرا.

ما تتضمنه الصوابية السياسية على تنوع نطاقاتها من قيود وقواعد ومحظورات ومساحات محرمة، بدت للكثيرين حاملة لإمكانات رجعية وشحنات محافظة كامنة تحت السطح. فكل تلك القيود المفروضة على اللغة فيما يخص الجنس والعرق والميول الجنسية والدين، تبدو مفسدة لحس الدعابة، ومحملة بقدر لا بأس به من القمع تجاه قول الحقيقة في بعض الأحيان، والخوف من التصريح بها في أحيان أكثر.

جيجيك نفسه، عمل بشكل دؤوب على نقد الصوابية السياسية فيما يخص الإسلام، والتسامح اليساري "الزائد عن الحد" تجاهه. فاتهام منتقدي الإسلام بالعنصرية، كان بحسب جيجيك تغاضيًا عن الحقيقة، ودعمًا ضمنيًا لممارسات رجعية داخل الجاليات المسلمة في أوروبا، وخسارة لفرص سانحة لمواجهة القيم القمعية في الفكر الإسلامي، كما يقول: "من يصمت على انتقاد الرأسمالية يجب عليه أن يصمت على انتقاد الفاشية، وينطبق ذلك أيضا على الأصولية: فمن يصمت عن أخطاء الديمقراطية الليبرالية، يجب عليه أن يصمت عن الأصولية الإسلامية".

هكذا يريدنا جيجك أن نتحلى بالشجاعة الكافية لنقد الإسلام، كما ننتقد الرأسمالية، ووضع قيم المهاجرين والأقليات والمستعمرين تحت مجهر الفحص، كما نفعل مع المجموعات المهيمنة. يمدد جيجيك دعوته لتشمل النسوية، ومناهضة التحرش، والصوابية السياسية بشأن الجنس.

الفيلسوف السلوفيني الذي طالما سعى لخلق نقاط للنظر وتموضعات للفحص مثيرة للجدل، بهدف نقد المقبول والمتفق عليه، يبدو مخلصًا لمهمة الفلسفة بالتأكيد؛ لكن وفي سياق تلك المهمة الدؤوبة، يظهر أن جيجيك يسقط عمدًا في سلسلة من المغامرات الخطرة لا يتسع المجال للتعرض لها جميعها، ويبدو من المناسب في هذا المقام فحص موقفه من الصوابية السياسية تجاه الممارسة الجنسية، المعروض في مقال "روسيا اليوم".

الثقافة العليا، وقواعد التهذيب المجتمعي، ومعها ثلاثية الأخلاق والقانون والدين أخْصَت الحضارة الإنسانية، وجردتها من إمكاناتها الغريزية، وعنفوانها الطبيعي.

ينطلق جيجيك من طرح مقنع إلى حد كبير. فاختزال العلاقات الجنسية إلى قبول تعاقدي مشترك، وتحول الممارسات الحميمية إلى عملية معقدة من التفاوض البيروقراطي، بالتأكيد ستنزع الحميمية عن العلاقات والممارسة الجنسية، وستفرغها من عناصر الرغبة والشغف. لكن المقال يذهب إلى أبعد من ذلك: "صعود الصوابية السياسية وصعود العنف هما وجهان لعملة واحدة".

ومع أن ذلك الطرح يبدو مبالغًا فيه، إلا أنه يجد ما يؤيده بالتأكيد. فتياران رئيسان في الفلسفة الغربية يمثلهما كل من جون سيتوارت مِل ونيتشه، يقدمان ما يكفي من الأسس النظرية لدعم ما وصل إليه جيجيك بشأن العنف والصوابية السياسية.

في كتابه "عن الحرية"، يتجاوز ستيوارت مِل مسألة الدولة بوصفها أداة القمع للحريات الفردية، مشيرًا إلى التقييد الاجتماعي لسلوك الأفراد، فإن كان القانون هو وسيلة الدولة لفرض قواعد بعينها، فإن المجتمع يفرض قواعده عبر الأعراف والتقاليد وغيرها من الروادع الاجتماعية كالعار والفضيحة والنبذ العائلي.

تكمن حصافة أطروحة مِل وتمييزها بين أدوات الدولة وأدوات المجتمع في تقييد الفرد وحرياته، في كشفها عن العنف والطبيعة الجبرية في العمليات الاجتماعية التعاقدية التي تبدو رضائية في الظاهر على الأقل.

بينما يذهب نيتشه أبعد من هذا، ليضعنا أمام مفارقة أخرى لا تتعلق بالدولة والمجتمع؛ بل بالطبيعي والاجتماعي. الثقافة العليا، وقواعد التهذيب المجتمعي، ومعها ثلاثية الأخلاق والقانون والدين التي أخْصَت الحضارة الإنسانية، وجردتها من إمكاناتها الغريزية، وعنفوانها الطبيعي، وصراعها الذي يضمن بقاء الأقوى والأنقى والأكثر استحقاقًا وجمالاً، هكذا يرى نيتشه الأمر.

"نعم الجنس يخضع لوطأة ألعاب السلطة، والفواحش العنيفة..إلخ، ولكن الشيء الذي يصعب الاعتراف به، هو أن هذه الأشياء متأصلة فيه"، هكذا يعيد جيجيك إنتاج أطروحة نيتشه دون تغيير كبير. فالجنس -بالضرورة- يتضمن صراعات القوة والفحش والعنف، فيما تأتي الصوابية السياسية لقمع جذوته الغريزية، وتقليمها عبر سلسلة من عمليات التفاوض والتراضي والبقرطة القمعية.

لا يجانب جيجيك الصواب حين يربط بين البقرطة والعنف، فكلا من حنا آرندت وزيجمونت باومان قد بذلا ما يكفي من الجهد لتبيان العلاقة بين البيروقراطية والهولوكوست. فعملية الإبادة الجماعية لم تكن ممكنة سوى بنظام بيروقراطي صارم. وكل أشكال العنف التي تضمنتها النازية والستالينية أضحت مقبولة وممكنة لمرتكبيها والشهود عليها، طالما كانت ضمن "المخطط"، والنظام البيروقراطي.

اقرأ أيضًا| ليس في المدينة نساء يصمتن عن التحرش

ما يريد جيجيك أن يقوله لنا هنا هو إن توقيع عقد للتراضي بين أطراف الممارسة الجنسية لا يضمن بالضرورة تحاشي العنف الجنسي، بل على العكس؛ فأقصى صور العنف المتضمنة في العلاقات السادية المازوخية، تصبح مقبولة طالما كانت نتاج عملية تعاقدية. فعملية التعاقد تُضحي روتينًا مفرغًا من معناه، كفيلاً بإتاحة مساحة من اللامبالاة تجاه صور للعنف أكثر وحشية.

ألاعيب كلامية

يطرح جيجيك في مقالته القصيرة محاور عديدة جديرة بالتفكير بالطبع، فالصوابية السياسية عند ربطها بحملة مناهضة التحرش، تحوي بالفعل بداخلها إمكانات قمعية ورجعية ومحافظة، لكن المقال وأطروحته يحملان سلسلة من السقطات التي تبدو متعمّدة، والتي لا تقل خطرًا.

يتجهز جيجيك للنقد الذي سيوجه له بأن يهوّن من المعاناة المتضمنة في العنف الجنسي. فالأمر أضحى واقعًا، ولا يجهله أحد، على الأقل في الغرب.

" في الغرب على الأقل، صار كل الناس واعين بشكل هائل بمدى القهر والاستغلال في العلاقات الجنسية"، هكذا يبدأ جيجيك مقالته. تخدم الافتتاحية هدفين. فأولًا يتجهز الكاتب للنقد الذي سيُوجَّه له بأن يهوّن من المعاناة المتضمنة في العنف الجنسي بدعوى أن الأمر أضحى واقعا ولا يجهله أحد، على الأقل في الغرب. لكن الجملة تحمل أكثر من هذا، فضمنًا؛ تبدو مهمة فضح العنف الجنسي ومقاومته قد تمت بالفعل، وبالتالي؛ فإن أية جهود لاحقة في هذا الشأن تبدو من باب المبالغة والهوس، وبالطبع فإن نتائجها ستكون عكسية بالضرورة.

تشي لنا الكلمات الأولى من العبارة "في الغرب على الأقل" بالمركزية الغربية لأطروحة جيجيك هنا، وبالتالي عدم صلاحياتها للقياس والمقارنة في مجتمعاتنا. وفي نفس الوقت، فإن تلك الافتتاحية لا تخبرنا إن كان ذلك الوعي كافيًا لوقف العنف الجنسي، دعك من مدى حقيقة مقولة إن "كل الناس" في الغرب مستعدة للإقرار به. لكننا نعرف غالبًا أن وجود هذا الوعي لم يوقف التحايل عليه، كما لم يوقف استمرار العنف الجنسي في صوره الأقدم تاريخيا، مع إنتاج صور أحدث أكثر قدرة على التخفي.

صورة من عقد الممارسة الرضائية المشمول في حقيبة القبول 

يلجأ جيجيك في مقالته إلى حيلة سوفسطائية قديمة؛ فلهدم أي فكرة والتشكيك في رجاحتها، يمكنك الاستعانة بواحدة من أكثر تمثلاتها تطرفًا ومبالغة وندرة وإثارة للسخرية؛ تستدعي المقالة "حقيبة القبول" وهي منتج تجاري يباع في الولايات المتحدة، يحتوي على واقي ذكري وقلم وحلوى منعشة للفم، وعقد يوضح أن أطراف الممارسة الجنسية يقبلانها بكامل إرادتهما.

لكن ذلك المثال الذي يستغله جيجيك للسخرية من منطق التراضي كله، والتسخيف من مسألة القبول إجمالا؛ ينتهي ضمنا إلى التغطية على تاريخ طويل للقمع الجنسي مستمر إلى اليوم. فبإلقاء قنبلة دخان على "حقيبة القبول". يفقد الفيلسوف المعروف بحسه الساخر، القدرة على تبيُّن الإمكانات التهكمية في تلك الحقيبة، وحسها الفكاهي، بل وطرائق توظيفها هي نفسها في ألعاب الإغواء والإثارة التي يدافع هو عنها.

لكن في المقالة التي تحمل -على قصرها- عددًا هائلاً من الإشارات الذكورية المخجلة، تظل محاججة جيجيك بالاستعانة بفرويد هي الأكثر إثارة للاضطراب، إن لم يكن الهلع. ففي الاقتباس الذي بدأنا به هذا المقال، يلجأ جيجيك إلى النظرية الفرويدية عن الأنا والأنا الأعلى والهو، ولا يبدو هذا مفاجئًا، فالفلسفة الألمانية المثالية والماركسية والفرويدية في نسخة لاكان تحديدًا، هي المناهل الرئيسة لفلسلفة جيجيك.

يبدو من المستبعد أن يكون جيجيك مقتنعًا بوجود الأنا أو الهو حقًا؛ فاليوم ننظر إلي نظريات فرويد عن النفس البشرية وعناصرها الثلاث، بوصفها كنايات عن صراع بين الغريزي والاجتماعي، والذاتي والجمعي، الطبيعي والتربوي، بشكل لا يبعد كثيرا عما يطرحه نيتشه.

وبالرغم من أن فرويد، كان ولا يزال يُدَرَّس في أقسام علم النفس الجامعية في الغرب، بوصفه نموذج للا علمية وافتقاد الحد الأدنى من أداوت المعرفة النظامية؛ إلا أن الفضل يرجع له في اكتشاف -أو بالأحرى اختراع- "العقل الباطن"، وبشكل أدق "اللا وعي".

فالفرضية الجذرية بأن سلوكنا، هو نتاج لقوى خفية ولا واعية وباطنية تتصارع بعضها مع بعض، سلطت الضوء على الطرق الضمنية والخفية وغير المباشرة التي تعمل من خلالها السلطة بأشكالها. لكن نظريات فرويد حملت في داخلها إمكانات قمعية موجهة للنساء تحديدًا. فرويد نفسه مارس قدرًا غير قليل من العنف المعنوي تجاههن أثناء ممارسته للتحليل النفسي.

ففي حالة المريضة "دورا"، التي كتب عنها فرويد، تأتي المريضة باتهام لأحد أصدقاء العائلة بمحاولة الاعتداء الجنسي عليها. لكن والد دورا لا يصدقها، ولا فرويد أيضا. ما يصل إليه مؤسس التحليل النفسي هو أن دورا مصابة بالهيستيريا، وهو مرض كان يصيب النساء وحدهن طبعًا في نظر اليونانيين القدماء، فالهيستيريا، التي تأتي من الأصل اللاتيني للفظة "رحم"، أرجعها فرويد في حالة دورا لرغبة مكبوتة لدى دورا في تملُّك والدها جنسيا، وغيرتها من العلاقة الحميمية بينه وبين صديق العائلة.

لا يوجد أمام دورا ومن مثلها من النساء أية فرصة في إثبات معاناتهن، فكلما قدمن الدلائل والبراهين على ما حدث لهن، ففرويد سيجد في ذلك تأكيدًا على "غيرة القضيب" و"عقدة إليكترا".

إدا باور (دورا)

لا يعتدى السيد ك على دورا، ومن المستحيل تصديق ذلك لدى فرويد، بل دورا هي من تريد أن تمارس الجنس مع والدها. كل ما ستقوله دورا هو حيل نفسية، وأوهام تتسرب من لا وعيها، وهيستيريا ترتبط برحمها، وكل ما ستحتاج أن تفعله لتبرأ، هو أن تعترف بأن أحدا لم يقم بانتهاكها، بل هي الراغبة في الانتهاك سرًا، وتعاني من قمع الأنا الأعلى.

يعيد جيجيك دورا إلى الحياة، ويدعونا لانتهاكها، فالمرأة لا تعرف متى تقول نعم أو لا، فهي فريسة لصراع الأنا والأنا الأعلى وألاعيب الهو. فقط الذكر قادرٌ هنا عبر حيل الإغواء على تحريرها من ذلك القمع. "لا" لا تعني "لا" عند جيجيك، وكذلك "نعم" لا تعني "نعم" لديه.

يقودنا جيجيك من جدلية جديرة بالاهتمام عن ضرورة نقد الإمكانات المحافظة والرجعية في الصوابية السياسية، لينتهي بنا إلى نتائج مفزعة، وربما إجرامية. لا يخبرنا المقال متى "لا تعني لا"، ومتى يتوقف الرجل عن محاولات الإغواء، وعن مهمته المقدسة في تحرير المرأة من خجلها وترددها، وقمع المجتمع لغريزتها وقمعها لنفسها. ربما على الرجل إذن أن يستمر إلى النهاية، وفي اللحظة التي ستصرخ فيها المرأة من الألم؛ لن يتعدى الأمر سوى نعتها بالهيستيرية.

اقرأ أيضاً: هكذا تكلم كيفين سبيسي

فلا عجب أن يتهم جيجيك مع غيره حركة مناهضة التحرش بالهيستيريا والهوس في أكثر من موضع. ما يغيب عن جيجك هنا عمدًا، هو الطبيعة المنتجة للسلطة ولقيودها، ففي التحليل العميق لعلاقات القوى ومواقعها الذي مهدت له أفكار فوكو، لا يقتصر الأمر فقط على تبيان الجانب القمعي من ممارسات السلطة؛ بل يمتد إلى جوانبها المُنتَجَة.

بالطبع تحمل حملة مناهضة التحرش، والصوابية السياسية إجمالا، إمكانات قمعية. لكن تلك الجوانب القمعية تظل عرضًا جانبيًا لمحاولات الضبط، ولا يمكن استئصالها كاملة. فتاريخ بشري طويل ومستمر من معاناة النساء وانتهاكهن بصور متعددة من بينها الانتهاك الجنسي؛ كفيلٌ بدفعنا للتضحية ببعض من النشوة الذكورية التي يدافع عنها جيجيك، والتحفظ ولو قليلا في ألعاب الإغواء من طرف واحد. وربما يبدو هذا ثمنًا زهيدًا مقابل ألا تُنتَهَك دورا وأخواتها مرة بعد مرة، وتظل إلى اليوم محرومة حتى من حق التصديق والاعتراف بما جرى لها.