فيلم The Shape Of Water.. فانتازيا تهرب من الواقع فتتورط فيه

في الأصل، كان العالم مغمورًا بالمياه، وعندما جف الماء وانحسر، لم نعد نرى سوى العلائق الطحلبية الخضراء تعلو جميع الموجودات..

فتاة يتيمة، وحيدة وبكماء، تعمل كعاملة نظافة بأحد المراكز البحثية السرية لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية، تحديدًا في بداية الستينات. تتعرف الفتاة أثناء مناوباتها الليلية على وحش تم اصطياده من نهر الأمازون وإحضاره للمركز لإجراء دراسات عليه، وبينما يعذبه الضابط المسؤول عنه ويحاول إعدامه، تجد هي وسيلة للتواصل مع هذا الكائن، تنجذب إليه و ترتبط به عاطفيًا ومن ثم تحاول إنقاذه من الإعدام.

هذه هي قصة "شكل الماء"، (The Shape of Water (2017، الفيلم الأمريكي المرشح لـ 13 جائزة أوسكار للعام 2018. الفيلم من تأليف وإخراج جييرمو دل تورو، سيناريو فالنسيا تايلور ،تمثيل سالي هوكينز، مايكل شانون، ريتشارد جينكينز، مايكل ستولبيرج وأوكتافيا سبنسر.


الدلالة اللونية تصنع حكاية، فيلما، وثورة في المفهوم..

يبدأ الفيلم بالماء يغمر كل شيء؛ غرفة بأكملها تغط في سبات عميق وتسبح عناصرها عالقة في المياه. عندما يختفي الماء، تستعيد الجاذبية سطوتها وتستقر عناصر الغرفة. تكتشف أن جميع عناصر المشهد قد اكتسبت اللون الأخضر على اختلاف دراجته اللونية، الملابس، الأثاث، دهانات الحوائط، الشوارع، وحتى بعض الشخصيات، أينما تتوجه في هذا الفيلم لن تجد سوى اللون الأخضر، وكأنما العالم في الأصل كان مغمورًا بالمياه، وعندما جف الماء وانحسر، لم نعد نرى سوى العلائق الطحلبية تعلو جميع الموجودات، نوع من التلوث الطافي على الأسطح، استطاع أن يحجب الألوان الحقيقية لعناصر المشهد.

انطلاقا من هذه الرؤية، نرى أن استخدام "دل تورو" للبالتة اللونية في شريط الفيلم جاء موفقًا للغاية. فمن المعلوم شيوع استخدام اللون الأخضر في خطوط الأزياء والديكورات الأمريكية فترة الخمسينات وأوائل الستينات، دل تورو يأخذ هذه اللمحة ويضخمها، يزامنها كذلك مع الأحداث الفنية والاجتماعية والسياسية التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية في ذات الفترة، الصراعات الاجتماعية المتصاعدة لإقرار الحقوق المدنية ومناهضة التمييز السائد ضد السُود، الحرب الباردة بين المعسكرين الروسي والأمريكي، المجتمع الذي كان على أعتاب ثورات فنية وحسية ومعلوماتية مهدت لانفجارات السبعينيات وما لها من تطورات.

ومع هذا، فإن "دل تورو" لا يتحدث عن هذه الصراعات صراحة، هو يكتفي بأن يثبتها في الخلفية اللونية الخضراء، ومن ثم، يتفرغ ليصنع حكاية جديدة من حكايات الجنيات، قصة الحب الي جمعت بين آدمية ومخلوق أسطوري، دعوته لقبول الاختلاف ورؤية الأشياء متمايزة على حقيقتها، حينها فقط، ندرك أن أفلام الأبيض والأسود حبيسة شاشة التلفاز طوال الفيلم، لم تكن بالفعل خالية من التعدد اللوني، بل إن الأبيض والأسود كانا عنوانا لموجات متتالية من العواطف والموسيقى والرقص النقري، كما يظهر اللون الأحمر في شريط العرض عندما تمارس الفتاة الجنس لأول مرة، كذلك يتم تسجيل ظهور لون التيل، الأخضر المائل الى الزرقة، فكرة الجمع بين لونين وإقرانه في الحوار بالقبول المجتمعي والإشارة إلى التغيير واستشراف المستقبل، وأخيرا، فإن المياه تستعيد لونها الأزرق في المشهد الأخير، في العمق، عندما تغمر المكان وتبتعد عن السطح.

حسنا، فما شكل الماء الذي يقترحه "جييرمو دل تورو"؟

الماء لا شكل له، هذه حقيقة. انسيابيته تجعله يتخذ شكل الفراغ الذي يوضع فيه، كما أنه المكون الأساسي لجميع العناصر الحية على وجه الأرض على اختلافها. ومع ذلك، البعض لا يراه سوى على شكل واحد، الماء في الكوب، في المطر، في البحر ربما، بينما ينساب الماء داخلا وخارجا فينا ومنا وفي الأشياء من حولنا، قطرة المطر التي تلاحق قطرة أخرى على الزجاج لتكبرا معا ثم تتحدان سويا ثم تتحولان إلى سيل جارف.

الماء وسط، لذا نجد زوايا الكاميرا تطفو حول الممثلين طوال العرض دونما اهتزاز، "ديل تورو" أغرق جوانب الفيلم بموسيقى تصويرية رومانسية الطابع ، معزوفات على آلة الاكورديون بحركتها الموجية المعروفة، أغاني راقصة من حقبتي الأربعينات والخمسينات، شريط النهاية يقر باستعانته بأكثر من 15 أغنية منها بالفيلم، وكأنما الرومانسية خلقت ابتداءً في الماء.

غير قادر على إدراك شكلك

أجدك دائمًا حولي

وجودك يملأ عيني بحبك

هذا يجعل قلبي ذليلًا

لأنّك في كل مكان

-اقتباس بالفيلم، من مثنويات حكيم سنائي الغزنوي

إن الرؤية الفنية للفيلم تتجاوز ظاهر قصة الحب، تنجح في أن تغمس مشاعر مشاهديها في هذا المفهوم. نحن، في الحقيقة، من يصنع القطيعة والتمييز والاختلاف، نرى هذه بكماء ، وهذا وحش، وهذه زنجية ، وهذا شاذ جنسيًا. بينما نحن مغمورون بالماء، بفيض المشاعر من حولنا طوال الوقت، فقط عندما نحاول تجفيفه، يصيب الأمكنة جفافا، وتظهر العوالق الخضراء ويختفي تمايز الألوان.

"حكاية خيالية لمواجهة الأوقات العصيبة"

عشر سنوات تقريبا هي ما تفصل فيلمنا الحاضر عن تحفة دل تورو"متاهة إله القطعان" (2006) Pan's Labyrinth، الفيلم الذي يعده بعض النقاد أفضل فيلم فانتازي في القرن الواحد والعشرين. مرة أخرى، يستخدم "دل تورو" الأسطورة والحكاية الخرافية وتداخلاتهما مع الواقع في اتجاه تفسير ذلك الواقع، وقبول نتائجه والتغلب على مآسيه.

يبدو أن "دل تورو" لم يزل يحلم بتكرار صيحات الإعجاب التي حازها عند عرض فيلم "المتاهة"، فأقبل يرسم ملامح حكايته الجديدة من ذات العناصر، الآدمي المتسلط الشرير، الفتاة اليتيمة ذات الشعر الأسود القصير، الكائن الأسطوري في مقابلها، الشخصيات التي لا تنتمي إلى هذا العالم ومن غير المعلوم من أين أتوا. لذا، ومع إحكام الواقع، نتهلل لرحيلهم عن عالمنا في كل مرة، حكاية خيالية أخرى تبدو في ظاهرها وكأنها تسعى للانفصال عن الواقع لكنها، وفي كل مرة، تشتبك معه وتعبر عنه بشدة.

حقوق الصورة لموقع Hollywood Reporter

جاء الفارق الرئيسي بين الفيلمين في طريقة اشتباك الواقع بالخيالي، وعلى الرغم من أن الفيلم الحالي عالج هذه التداخلات بصورة أعلى فنيا وأكثر رقيا من الفيلم السابق عليه، إلا أن The shape of water ، لن يحصد ذات التقدير الذي حصل عليه Pan's labyrinth، فقد لحق بالفيلم الأخير بعض الرتابة في الأحداث، ربما كانت انعكاسا سلبيا لشيوع حركة الطفو أو السباحة في الماء التي سبق وأن أشرنا إليها، مع طول الزمن الذي استغرقته صناعة حكاية رومانسية من السهل توقع نهايتها بشكل مسبق، بينما تمتع الفيلم الأول بحيوية عظيمة في الحكي وطرافة الخيال، وتميز بإثارة تتابع الأحداث مع دخول صور من ويلات الحرب الدائرة في الخارج، كذلك التعاطف العظيم الذي حصدته البطلة الطفلة في النهاية من الجمهور حد البكاء؛ سعادة لموتها وإنقاذها من عالم الواقع الذي نحيا فيه.

مع ذلك، فالعمل الحاضر جيد بالفعل، "جييرمو" لازال يواجه الواقع بقوة الأفلام والموسيقى والألوان السحرية.ِ