في المناطق الرمادية لـ"فتاة الإيميل".. الكل خاسر

خرج الجميع من تلك الحرب خاسرين، إلا أن النقاش الذي تفجر في أمور طالما كانت من "التابوهات" ربما يكون النقطة الإيجابية الوحيدة.

الكتابة عن قضية "فتاة الايميل" مربكة جدًا. فالحرب التي دارت عبر وسائل التواصل الاجتماعي على مدار الأسابيع الماضية حملت قدرًا كبيرًا من خلط الأوراق، وقدرًا أكبر من القسوة في تراشق الاتهامات، كما حملت - بالنسبة لي- ارتباكًا في رسم الخطوط الفاصلة، نتيجة للنقاشات التي دارت على إثر الواقعة.

قبل عدة أشهر انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي صدمات متتالية حول حوادث الاغتصاب والتحرش والضغوط الجنسية من خلال حملة عالمية هي "أنا أيضا" #me_too.

أثناء النقاشات التي دارت في سياق حملة "أنا أيضا" كانت الخطوط الفاصلة بين الاغتصاب والتحرش، والضغوط الجنسية، والتراضي واضحة. وكانت شهادات من تعرضن لتلك الجرائم واضحة وتفصيلية، سواء أفصحن عن هوياتهن، أو فضّلن - في حالات قليلة- عدم الكشف عنها.

وفي السياق المصري، شهدت الحملة شهادات مباشرة أدلى بها عدد من الفتيات عن قيام كاتب سيناريو معروف بالتحرش بهن جسديًا في مناسبات مختلفة أثناء وجودهن في منزله أو في منازل أصدقاء مشتركين، ورد هو بشكل مباشر معتذرًا، وملحقًا اعتذاره بتبريرات مثل احتسائه الكحول واعتقاده بوجود "عشم" سمح له بلمس أجساد صديقاته، ما جعل اعتذاره وتبريراته عُرضة لحملة هجوم ضارية، تعلن رفض اعتذاره وتبريره، الذي عده مهاجموه مجرد "ذريعة لاستباحة أجساد النساء"، بشكل لا يختلف أبدًا عما تتعرض له النساء في شوارع مصر كل يوم من انتهاكات.

اقرأ أيضاً: "أنا كمان".. من هارفي واينستين إلى الشوارع المصرية

قبل حملة "أنا أيضا" بأسابيع قليلة، دارت على وسائل التواصل الاجتماعي نقاشات مماثلة عن الحد الفاصل يبن الغزل والتحرش في دوائر اليسار المصري، وتخللت النقاشات سخرية عامة من أن نفس الفعل قد يمثل غزلًا في سياق، وتحرشًا في سياق آخر.

لكن النقاش الأعمق كان حول مفهوم التراضي في العلاقة بين الرجل والمرأة في هذه الدوائر المتحررة نسبيًا، فشهد النقاش من ناحية انفراجات تقدمية، مقارنة بالسياق المحافظ للطبقة الوسطى المصرية. ومن ناحية أخرى؛ طاله الإرث الثقيل الذي ورثته تلك الدوائر من أنماط ذكورية وأبوية يتسم بها المجتمع المصري.

وبعكس النقاش في حملة "أنا أيضا"، عكست تلك النقاشات المحلية حول الحد الفاصل بين الغزل والتحرش وجود مناطق رمادية دارت بشأنها نقاشات مطولة حول مفهوم التراضي قبل وأثناء العلاقات، والفجوات بين ما تقوله المرأة وما تتوقعه، وما يقوله الرجل وما يتوقعه.

اقرأ أيضاً: سلافوي جيجيك: لنوقّع عقدًا قبل ممارسة الجنس

في أحد تلك النقاشات اختلفت صديقتان تنتميان لنفس تيار اليسار عما إذا كان من الطبيعي أن يسأل الرجل المرأة مباشرة ليحصل على تصريح بالتراضي قبل كل خطوة في علاقتهما الحميمية، أم أن الطبيعي هو أن تصرح السيدة برفضها أو عدم ارتياحها إذا ما كان شعورها هو الرفض وعدم الارتياح؟ وإذا كان الطرفان بصدد علاقة قائمة على التراضي/ علاقة تعاقدية، كيف سيعرف الرجل برفض المرأة إن لم تعلنه صراحة؟

لكن في قضية فتاة الإيميل بدا النقاش وكأنه يدور في عالمين متوازيين.

لكن عندما ظهرت قضية فتاة الإيميل، بدا النقاش وكأنه يدور في عالمين متوازيين. العالم الأول هو عالم حملة "أنا أيضا" الذي يريد أن ينال من وردت أسماؤهم في ذلك الإيميل جزاء هارفي واينستين، أو ربما أراد التنكيل بهذين الرجلين اللذين اتهمت الفتاة أحدهما باغتصابها وألمحت إلى تحرش الثاني بها، لجعلهما عبرة لكل رجال اليسار من أصحاب السوابق في التحرش والاستغلال الجنسي، ممن أسعدهم الحظ دائما بالإفلات من العقاب أو الوصم. بينما رأي آخرون التعامل ببعض التريث والحذر مع مضمون الإيميل، كونه قد ينتمي إلى العالم الثاني: عالم المنطقة الرمادية بين التحرش والغزل.

اقرأ أيضاً: ما نعرفه إلى الآن: دليلك لفهم قضية "فتاة الإيميل"

ظل التثبت من الاتهامات الواردة في الإيميل غير متاح، كون صاحبة الإيميل رفضت الإفصاح عن هويتها أولًا، أو الإدلاء بشهادة تفصيلية ثانيًا، والمشاركة في تحقيق عرفي بشأن شكواها ثالثًا. كما أن الشخصين اللذين ورد اسميهما في رسالتها، لم ترد في حقهما شكاوى أو شهادات أخرى تنقلهما إلى عالم هارفي واينستين، وتجعل وصمهما بالتحرش والاغتصاب أمرا مفهومًا.

في الوقت نفسه، وُضِعَت الشاكية في خانة الشخص غائب الإرادة بشكل مطلق، سواء بدعوى احتسائها الكحول، أو بدعوى كونها غير قادرة على الإدلاء بشهاداتها، أو كونها مشوشة الذهن. وانتقاص/ غياب إرادة المرأة هذا لو استُخدِم في أي سياق محافظ، لوُصِفَ في نفس دوائر اليسار بالأبوية الكريهة بلا ذرة تردد.

وتحول الأمر من شكوى في واقعة غابت عنها التفاصيل ولم يتم التثبت من صحتها، إلى حملة وصم واغتيال معنوي للرجلين دون اعتبار لتأثير ذلك على حياتهما وعائلتيهما، تحت شعار "إنصاف" صاحبة الشكوى/الضحية/الناجية، كونها على حق مطلق، حتى وإن لم تُعنى هي باتخاذ أية خطوة لإثبات ذلك الحق.

القصد هنا ليس أبدا التقليل من وطأة جرائم الاغتصاب/التحرش/ الاستغلال الجنسي بأي شكل. إلا أن تلك الجرائم مثلها مثل جرائم التعذيب البدني والنفسي، أو الاضطهاد السياسي، يظل منوطًا بالضحايا/ الناجيات/ الناجين أنفسهم الإدلاء بشهاداتهم، وإثبات حقوقهم.

لم يكن تعامل أي من الأطراف المعنية بقضية "فتاة الإيميل" جيدًا، كما أن التحقيق الذي أُجري دون مشاركة صاحبة الشكوى لا يمكن اعتباره تحقيقًا منصفًا. وجاء التقرير الناتج عنه مليء بالاشكاليات الذكورية الأبوية في بعض توصياته. ولم تتح معلومات كافية عن أسباب عدم مشاركة صاحبة الشكوى في ذلك التحقيق، أو ما إذا كانت لجأت لجهات أخرى سواء لإجراء تحقيق أو لطلب المساندة.

اقرأ أيضاً: نص ملخص تقرير لجنة التحقيق في اتهامات ضد عضوين بحزب "العيش والحرية"

ويظل غياب المعلومات المشكلة الكبرى في قضية شغلت دوائر اليسار، وإلى حد ما الرأي العام، فضلا عن نتائجها المدمرة لحياة هذين الشخصين -وأيضا لتجربة حزبية مهمة.

إلى حد كبير خرج الجميع من تلك الحرب خاسرين. إلا أن النقاش الذي تفجر في أمور طالما كانت من "التابوهات" ربما يكون النقطة الإيجابية الوحيدة، ولذلك يجب أن يستمر.