البداية لبنانية.. يد "نتفليكس" في جيوب العرب

هناك صعوبات تقف في طريق نموها في المنطقة أهمها نسبة المواطنين الشرق أوسطيين الذين يدفعون من أجل خدمات مشاهدة المحتوى عبر التليفزيون بالإضافة إلى مشكلة القرصنة.

أُطلقت "نتفليكس" Netflix، مع بداية مارس/ أذار الجاري، أول برنامج عربي من إنتاجها، كبداية لبث محتوى عربي خاص عبر الشبكة، بعد عامين من إتاحة خدماتها للمشتركين في الشرق الأوسط.

"لايف من بيروت" الذي يقدمه عادل كرم، الممثل والمذيع اللبناني، مجرد بداية. فبالتزامن مع إطلاق الفيديو الدعائي الخاص بالبرنامج، أعلنت الشبكة عن نيتها إنتاج أول مسلسل باللغة العربية مكون من ست حلقات بعنوان "جن"، وتجري أحداثه في مدينة البتراء، ويبدأ تصويره نهاية العام الجاي، لينضم إلى مكتبة الشبكة العام المقبل، 2019.

عندما بدأت نتفليكس تقديم خدماتها في الشرق الاوسط يناير/كانون الثاني، خلت مكتبتها من المحتوى العربي إلا من بعض الأفلام التي استحوذت عليها كالفيلم الإماراتي Rattle the cage أو "زنزانة"، والسعودي "بركة يقابل بركة" الذي شارك في عدة مهرجانات دولية في 2017، وهي الفرصة التي رأى فيها محمد الصبّاغ، كاتب ومخرج الفيلم "أفقًا جديدًا لفرص صناعة الفيلم المحلّي"، في إشارة إلى الإفلام السعودية.

ومع التغيّر الذي أحدثه وجود نتفليكس، في صناعة السينما، وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، أكبر سوق لصناعة الترفيه في العالم، من المثير أن نترقب التغيرات التي يحدثها انتشار الخدمة في العالم العربي. وربما بدأت علامات هذا التغيير المرتقب في الظهور بالفعل.

الاستحواذ على مشاهدي التليفزيون

في تقرير يعود تاريخه للشهر الماضي نشرته مجلة ثينك ماركتينج Think marketing المختصة بالتسويق، كشفت المجلة عن اتفاق وقعته نتفليكس وشبكة OSN، يتضمن تطوير الشركتان جهازًا لمشتركي OSN يمكنهم من مشاهدة محتويات مكتبة نتفليكس، بعد خسارة الشبكة 10.5% من مشتركيها بمجرد دخول نتفليكس للشرق الأوسط حيث وصل عدد مشتركيها 137 ألف مشترك في نهاية عامها الأول في الشرق الأوسط، 2016.

هذا الانخفاض يشبه ما حدث في الولايات المتحدة مع ظهور نتفليكس، حيث عانت الشبكات التلفزيونية الكبرى ومقدمي خدمات تلفزيون الكابل من انخفاض حاد في المشاهدين والمشتركين مع ظهور خدمات نتفليكس.

ففي فبراير/ شباط الماضي، نشرت فيلمتايكFilmtake وهي شركة خدمات بحثية إعلامية مقرها الولايات المتحدة، تقريرًا يفيد بانخفاض عوائد الإعلانات للشبكات التليفزيونية الأربع الكبرى في 2017 بنسبة 8% لأول مرة منذ عشر سنوات، وسبقه تقرير آخر يفيد بخسارة خدمات التلفزيون الكابلي 2 مليون مشترك أمريكي في 2017، مع توقع خسارتهم مليونًا آخرين في الربع الأول من 2018. التقريران أكدا أن الإعلانات فرّت وراء المشتركين إلى الفضاء الإلكتروني.

بوستر  لفرانك أندروود الشخصية الرئيسية لأول مسلسل تنتجه نت فليكس "House of Cards"

هذا الانخفاض المستمر يمثّل ضربة قوية للشبكات التليفزيونية التي تعتمد في تمويل وإنتاج برامجها على الرعاية وعوائد الإعلانات، وبالتالي، فإن قدرة خدمات التليفزيون الكابلي على تقديم وجبة متنوعة من البرامج تقل مع قلة مشتركيه وبالتالي قلة عوائده. ومع توفير جوجل وفيسبوك خدمات أكبر للمعلنين كالقدرة على تحديد الجمهور المستهدف بدقّة في ظل قلّة تكاليف الإعلان الإلكتروني مقارنة بالتليفزيوني، فإن عوائد الشركات تستمر في الإنخفاض.

فرص الأمس الذهبية

تظهر نجاحات شركات مثل آيفليكس Iflix الماليزية، وآي سي فليكس Icflix المنشأة في دبي والمهتمّة بإنتاج المحتوى العربي بشكل خاص، وCinamoz اللبنانية، في تقديم خدمات بث عند الطلب ذات محتوى عربي أصلي، وتحقيقها عوائد بلغت 124 مليون دولار بحلول 2015، أن مستقبلاً حافلاً بالأموال ينتظر نتفليكس بعد خطوتها الأخيرة.

أما على مستوى أثر هذه الخدمات على جودة صناعة الترفيه فيظهر من قدرة آيفليكس على انتاج أفلام تمكنت من المشاركة في مهرجانات عربية وأجنبية وحازت اهتمام النقاد كالفيلم المغربي متلازمة الاحتراق Burnout، والفيلم التونسي حدود الجنة Borders of Heaven، والذي حظي بجائزة أحسن ممثل من مهرجان دبي السينمائي.

في المقابل؛ قد تؤثر هذه الخدمات بالسلب على سوق التوزيع والإنتاج العربي وعوائده، كما توقع الموزع المصري طارق صبري في ندوة حول الموضوع في مهرجان القاهرة السينمائي.

السيناريو الذي يخشاه صبري ليس إلا حقائق تظهرها أرقام عوائد ستوديوهات الإنتاج في هوليوود، أما عن صناع الترفيه أنفسهم فكثير منهم وجد ملاذًا في نتفليكس والخدمات المناقسة لها كأمازون وهولو HULU لتقديم أفلام مميزة قد لا تجد فرصة في هوليوود.

صورة مرسومة لبطلة مسلسل الخيال العلمي من نتفليكس "stranger things"

السباق بين نت فليكس والاستديوهات الكبرى في الولايات المتحدة انتهى العام الماضي بما وصفته فارايتي بظهور بودار هيمنة خدمات وستديوهات أمازون ونتفليكس على صناعة المحتوى الترفيهي. ففي سنة هوليوود "الأكثر جنونًا"، تراجعت إيرادات الأفلام السينمائية في موسم الصيف الذي وصفته فاراياتي بـ"الأسوأ منذ عقود"، وما تبعه لفقدان "السوق" الثقة في مجال توزيع الأفلام التقليدي، في مقابل ازدهار المشاهدة عبر نتفليكس والخدمات المماثلة.

الطريق ليس سهلاً

تكرار سيناريو الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ليس أمرًا سهلاً، كما يبدو، فهناك صعوبات قد تقف في طريق انتشارها ونموها في المنطقة، أهمها أن نسبة المواطنين الشرق أوسطيين الذين يمتلكون تلفازًا ويدفعون من أجل خدمات مشاهدة المحتوى عامة، بحسب Arab new، لايتجاوز 10%. كما أن هناك مشكلة القرصنة والتي وضعها محمد حفظي، المنتج السينمائي، كواحدة من أهم المشكلات التي أثرت على سوق التوزيع السينمائي بشكل عام، وستواجه نتفليكس ذلك أيضًا خلال تواجدها في السوق.

تبقى أيضًا مشكلة إيجاد كوادر قادرة على إنتاج محتوى يناسب ما تريد خدمات كنتفليكس ومنافسيها في السوق تقديمه للجمهور العربي للحصول على أموالهم، وهي عقبة، بحسب فارايتي، كبحت جماح نمو الشركة في الشرق الأوسط بشكل كبير، وإن كانت هناك مؤسسات، كمؤسسة الدوحة للفيلم، تسعى لفتح مجالات تعاون أكبر مع السينمائيين الشباب لإعدادهم ليكونوا وقودًا محتملاً لإنتاجات نتفليكس ومثيلاتها من الخدمات المتجهة للشرق الأوسط، من خلال تنظيمها ورشة لإعداد المسلسلات بالتعاون مع مشروع صناع أفلام نيويورك للأفلام المستقلة.