ريال مدريد: الملك.. الكرة.. الله

ريال مدريد لا يخسر يوم ميلاده، جملة كررها المعلق الرياضي عصام الشوالي أكثر من مرة في مباراة إياب دور الـ 16 من دوري أبطال أوروبا مساء أمس، المباراة التي فاز بها الميرينجي على باريس سان جرمان، بهدفين مقابل هدف واحد ليضمن صعوده إلى الدور ربع النهائي من دوري أبطال أوروبا. في حديقة الأمراء احتفل الريال بذكرى تأسيسه الـ 117، ولكن عفوًا يا شوالي، الريال يخسر في يوم ميلاده، فعلها أخر مرة في سانتياجو برنابيو في ذكراه المئوية عندما خسر كأس إسبانيا لصالح ديبورتيفو لاكورونيا.


117 عامًا مضت منذ أن أسسه الإسباني كارلوس بادروز، الذي وصفه باهاموند ماجرو في كتابه ريال مدريد في تاريخ إسبانيا بأنه بطريرك كرة القدم المدريدي، ولأننا نتحدث عن الميرينيجي فمصيره يبدو مرتبطًا على الدوام بغريمه التقليدي برشلونة.

برشلونة: الوطن.. كرة القدم

كانت إسبانيا تشهد تغيرات اجتماعية وثقافية واسعة مع بدايات القرن العشرين، وكانت كاتالونيا هي الداعم الأول للاقتصاد الإسباني، لكن رغم ذلك وقبل عشرة أيام فقط من الإعلان عن تأسيس برشلونة، فرضت الحكومة المركزية في مدريد ضرائب جديدة على أقليم كاتالونيا ما أدى إلى استقالة عمدة مدينة برشلونة احتجاجًا على الضرائب الجديدة بحسب ما ذكره فيل بال في كتابه Morbo: The Story of Spanish Football.

نحن نشجع برشلونة لأننا من كاتالونيا، نحن نؤيد الرياضة لأننا وطنيون

تأسس البارسا عام 1899، في وقت لم تكن فيه كرة القدم اللعبة الشعبية التي نعرفها اليوم، لكن منذ تأسيسه، قُدم النادي كرمز لكتالونيا التي تكافح ضد مركزية مدريد، وأصبحت كرة القدم في المنطقة وفي برشلونة على وجه التحديد رمزًا للحداثة والهوية الكتالونية.

نشر هنتر شوب أستاذ الجغرافيا الثقافية بجامعة بورتلاند في كتابه Place, Identity and Futbol Club Barcelona: A Critical Geography of Sport مقتطفًا من إعلان صادر عن جمعية اجتماعية في كاتالونيا صدر في عام 1920 جاء فيه ما يوضح مدى ارتباط سكان منطقة كاتالونيا بنادي برشلونة. جاء في الإعلان " نحن نشجع برشلونة لأننا من كاتالونيا، نحن نؤيد الرياضة لأننا وطنيون".

ريال مدريد: الكرة قبل أي شيء

وبعد ثلاثة سنوات من تأسيس برشلونة، وتحديدًا في السادس من مارس 1902، تأسس الريال والذي كان يعرف باسم نادي مدريد قبل أن يصبح ناديًا ملكيًا بقرار من ألفونسو الثالث عشر ملك إسبانيا في 1920 وهو نفس العام الذي صدر فيه الإعلان السابق عن برشلونة، وتحولت فيه كرة القدم في إسبانيا من لعبة يتابعها أبناء الطبقات العليا والمتوسطة إلى اللعبة الشعبية الأولى في المملكة..

فريق مدريد في 1902 قبل أن يصبح ملكيًا

لم تكن البدايات بالنسبة للمرينجي مرتبطة بالسياسة والتغيرات الاجتماعية والثقافية التي تشهدها إسبانيا، بالعكس، كانت كرة القدم فقط ولا شيء غيرها، وكان النادي المدريدي هو أول نادي دعى لتأسيس النسخة الأولى من الاتحاد الإسباني لكرة القدم عام 1910، لكن وبسبب النجاحات الرياضية التي حققها النادي والتي أدت بطبيعة الحال إلى انتشاره وسط أبناء الطبقة الوسطى وما فوقها، تم استخدام النادي كسلاح للدعاية السياسية في العقد الثاني من القرن العشرين بعد الانقلاب العسكري الذي قام به الديكتاتور الإسباني ميجيل بريمو دي ريفيرا عام 1923.

لم يفهم الكتالونيين أن النادي المدريدي يلعب الكرة ولا شأن له بالسياسة

ارتباط الثنائي برسا والميرينجي يتواصل، فمؤسس النادي ورئيسه الثاني كارلوس باردوز من كاتالونيا، ويؤكد تأسيس النادي على يد كاتالوني على أن تأسيس النادي الملكي لم تكن لمزاحمة الأندية الكاتالونية أو استخدامه كسلاح للدعاية السياسي ولكن كانت قائمة على فكرة دفع وتطوير النشاط الرياضي في إسبانيا. وأكثر دليل على ذلك هو الترحيب الحار الذي ناله فريق برشلونة في الكلاسيكو الذي أقيم في مدريد في إبريل عام 1916، والذي فاز به المرينجي 4 أهداف مقابل هدفين. وبحسب هنتر شوب فإن هذه الحادثة ذكرتها مجلة Mundo Deportivo الكتالونية في عددها الصادر يوم 17 إبريل 1916، وجاء في تغطية المجلة عن ترحيب المدريديين بالفريق الكتالوني "أن هناك حسا جيدا وتعليما جيدا، وهو أمر مثير للشك"، لم يفهم الكتالونيين أن النادي المدريدي يلعب الكرة ولا شأن له بالسياسة.

ريال مدريد والبروباجندا السياسية

كان كل ذلك قبل انقلاب ميجيل بريمو دي ريفيرا وحالة التسييس والاستقطاب التي انتشرت وتصاعدت في إسبانيا أثناء فترة الجمهورية الثانية والحرب الأهلية.

فريق ريال مدريد أثناء حكم الديكتاتور ميجيل بريمو دي ريفيرا

في تلك الفترة كانت مدريد نموذجًا للمدينة الطفيلية كما وصفها باهاموند التي تتغذى على موارد المناطق الأخرى في إسبانيا، سمعة سيئة لمدينة مركزية يحكمها جنرال جاء إلى سدة الحكم بانقلاب عسكري، وبدأ الإسبان في المناطق الأخرى في تحويل النادي المدريدي إلى رمز للعاصمة المركزية التي تمارس القمع ضد باقي الإسبان.

فأصبح الريال في المخيلة الشعبية ناد طفيلي لا روح له، يتغذى على موارد غيره من الأندية ويستفيد من وجوده في العاصمة المركزية وقربه من السلطة الحاكمة التي استغلت بدورها نجاحات الفريق للدعاية السياسية فأصبح ريال مدريد نادي الرأسمالية والسلطة والدعم الحكومي والعدو النموذجي في سردية النضال الإسباني ضد ديكتاتورية دي ريفيرا.

سانتياجو برنابيو.. ضد كتالونيا

انتخب سانتياجو برنابيو رئيسًا للنادي الملكي عام 1943 بعد انتهاء الحرب الأهلية الإسبانية، لعقد صلح مع النادي الكتالوني بعد أحداث عنف عقب مباراة نصف نهائي كأس إسبانيا والذي كان يسمى del Generalísimo تكريمًا للديكتاتور فرانكو والتي فاز فيها الريال بـ 11 هدف مقابل هدف واحد.

لم يكن فرانكو يحب الثقافة الكتالونية وكان يعرف جيدًا إن فريق برشلونة ما هو إلا أداة للكتالونيين للتعبير عن ثقافتهم وحداثتهم فحرص على عدم وصول الفريق الكتالوني إلى نهائي الكأس، سافر برشلونة إلى مدريد وهو متقدم بثلاثة أهداف في مباراة الذهاب، وقبل انطلاق المباراة مباشرة جاءتهم رسالة تهديد من مدير عام الأمن لنظام فرانكو وعمدة مدريد السابق خوسيه فينات.

خسر برشلونة وتأهل الريال إلى النهائي واندلعت أعمال العنف بين الجماهير وجاء برنابيو للصلح، برنابيو الذي حفر تاريخ الريال كرئيس للنادي في الفترة من 1943 وحتى وفاته عام 1978، لم يكن فقط مؤيدًا للنظام الديكتاتوري وحسب بل كان جنديًا محاربًا في صفوف القوميين أثناء فترة الحرب الأهلية.

الديكتاتور الإسباني فرانكو يسلم كأس إسبانيا لفريق ريال مدريد

كان برنابيو مثل فرانكو لا يحب الكتالونيين ويكره ثقافتهم، وفي فترة رئاسته للنادي الملكي كانت اليد العليا للريال، النادي الذي استغله نظام فرانكو للدعاية السياسية لتسويق وتحسين صورته في أوروبا، فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، لم يتبق لفرانكو ونظامه أي أصدقاء في أوروبا بعد زوال النظام النازي في ألمانيا والفاشي في إيطاليا، ورأى فرانكو أن النجاح الذي حققه النادي أوروبيا في فترة الخمسينيات، فرصة جيدة لتسويق نفسه ونظامه. واستغل برنابيو قربه من دوائر الحكم لتطوير النادي، فأنشئ استاد "سانتياجو برنابيو" الذي سمي على اسمه تكريمًا له، استطاع برنابيو بعد أقل من عامين على توليه رئاسة الريال من توفير الأموال اللازمة لبناء الاستاد الذي لم يستغرف العمل فيه إلا عامين تقريبًا.

تحول الدوري الإسباني لمجموعة من المنافسات العرقية والثقافية بين المدن الإسبانية المختلفة

ريال مدريد.. الفريق الذي أسسه كارلوس بادروز الكتالوني المؤمن بأن نشر النشاط الرياضي عامة وكرة القدم خاصة هو الحل المثالي لحالة الاستقطاب التي بدأت في إسبانيا أواخر القرن التاسع عشر، وطوره سانتياجو برنابيو الذي يكره كاتالونيا وثقافتها، واستغل النادي كبوق دعائي لصالح نظام ديكتاتوري.

في ذكرى التأسيس التي تقاطعت فيها السياسة مع الكرة، أصبحت الأخيرة في إسبانيا تعبيرًا عن القوميات في بلد تتعد فيه والأعراق والثقافات، فبعد 117 عامًا على تأسيسه؛ تبدو أحلام كارلوس بادروز بعيدة المنال، فالفجوة بين مدريد وكاتالونيا تتسع أكثر وأكثر مع رغبة الكتالونيين في الاستقلال عن إسبانيا، وتحول الدوري الإسباني لمجموعة من المنافسات العرقية والثقافية بين المدن الإسبانية المختلفة.