عن نسوية الوصم.. "نعم" و"لا" غير صالحتين

إذا كان الوصم مقابل موضوعي للتجريس الذي مارسه المجتمع تجاه النساء الجانحة عن حدود العفة، فنتيجة ذلك أن الوصم؛ إما سيدفع إلى داخل نفس الحدود وبحيث تتحول الأماكن الآمنة للنساء إلى "حرملك"، أو سيفقد تأثيره عندما يعتاد المجتمع الوصم باعتباره ليس أكثر من تبشيع الآخر.

نحن اليوم بصدد موجة جديدة من الحركة النسوية، وتعتبر حملة "أنا أيضًا"، MeToo، إحدى تجليات هذه الموجة التي انتقلت إلينا بسرعة خارقة وتردد صداها من خلال العديد من الفعاليات النسوية، ربما كان أحدثها حملة "موجة حرة" التي أطلقتها منذ أيام مؤسسة نظرة للدراسات النسوية في محاولة منها لإبقاء وهج ما يمكن أن نعتبره "تطبيق" فتاة الإيميل، التي اتهمت عبر رسالتها عضوًا من حزب العيش والحرية اليساري باغتصابها وعضوًا آخر من الحزب نفسه بالتحرش بها جنسيًا.

الاتهامات جرت وقائعها خارج نطاق نشاط العضوين الحزبي، وارتبطت بعمل الشاكية بإحدى منظمات المجتمع المدني، بينما تحاول منشورات حملة "موجة حرة" الإيحاء بغير ذلك. المفارقة أن فتاة الإيميل ذكرت في رسالتها أن مقر مؤسسة نظرة من الأماكن التي ترتبط في ذهنها بالاغتصاب، ورغم التفاوت الكبير في جسامة الاتهامات الموجهة لكل منهما، حيث كان الاتهام الموجه لوكيل المؤسسين اتهامًا غير صريح بالتحرش، بينما كان اتهام العضو الآخر اتهامًا صريحًا بالاغتصاب.

اقرأ أيضًا: ما نعرفه إلى الآن: دليلك لفهم قضية "فتاة الإيميل"

اضطر العضوان للاستقالة من الحزب، مع أن نتائج التحقيق الداخلية، المنجز بمعرفة لجنة مستقلة شكلها الحزب من حقوقيين، انتهت بتبرئة وكيل المؤسسين من اتهام التحرش، وعجزت عن إدانة العضو الآخر واكتفت بوصف تصرفه تجاه الشاكية بالفعل المشين. استقال الأخير لأنه لم يكن راضيًا عن نتائج التحقيق، والأول لأن حملة الوصم الشرسة التي شنتها المجموعات النسوية الجديدة ضده وضد حزبه اضطرته لإنهاء مسيرته السياسية، أو هكذا بدا الأمر.

والحقيقة أن الموجة النسوية الجديدة التي نسميها في هذه المقال "نسوية الوصم" وتطبيق فتاة الإيميل تثير من وجهة نظرنا مستويين من الجدل يجب أن نخوضهما بلا تردد؛

المستوى الأول، يتعلق بالكود النسوي الجديد المؤسس على معيار "نعم تعني نعم" وبمقتضاه لا تعتد الموجة النسوية الجديدة إلا بالحالة النفسية لضحايا العنف الجنسي من النساء، وبحيث يمكن للضحية، فقط دون غيرها، أن تجزم بما إذا كان سلوك المتهم يعتبر تحرش من عدمه، وهو الكود الذي يفتح المجال لمجازاة المتهم بالوصم حال اتهامه ودون تروٍّ.

اقرأ أيضًا: نص ملخص تقرير لجنة التحقيق في اتهامات ضد عضوين بحزب "العيش والحرية"

أما المستوى الآخر من الجدل فيتعلق بعلاقة الموجة النسوية الجديدة باليسار الراديكالي، خاصة وأن ما نطلق عليه تطبيق سيدة الرسالة الإلكترونية وجد في هذا اليسار، ويمثله حزب العيش والحرية في لحظة توسعه، بالتحديد على خلفية مكاسبه الجزئية من الانخراط في المرحلة التمهيدية للانتخابات الرئاسية قبل الانسحاب منها، هدفًا أمثل لاختبار رده فعله تجاه هذا الكود النسوي الجديد.

أين الخطأ في معياري "نعم" و "لا"؟

"لن تسمح ولاية كاليفورنيا للكليات أن تكنس حالات الاغتصاب تحت البساط"

بهذه الحماسة عبر المشرّع بولاية كاليفورنيا، دي ليون، في خريف سنة 2014، عن اعتزازه بإصدار مسودة مقترحة بقانون يأخذ بمعيار "نعم تعني نعم" وتضع له تعريفًا يحدد المتطلبات التي على الجامعات بالولاية اتباعها بشأن التحقيق في بلاغات الاعتداء الجنسي.

وفق هذا المعيار الجديد "نعم تعني نعم" أصبحت الموافقة الصريحة ضرورية، حيث أن الصمت أو عدم المقاومة لا يعتد بهما لدفع الاتهام بالاغتصاب، معيار "لا تعني لا" لم يعد كاف حيث أصبح من المتطلب أن يكون هناك اتفاقًا طوعيًا إيجابيًا واعيًا للمشاركة في النشاط الجنسي، كما يفترض المرسوم أن الشخص في حالات السكر أو الوقع تحت تأثير المخدرات إلخ لا يمكن أن يعبر عن موافقته على الممارسة الجنسية.

من شأن هذه القواعد الجديدة إهدار قرينة البراءة حيث يقع عبء الاثبات على المتهم! هكذا وفجأة انقلبت قواعد العدالة رأسًا على عقب، وهو ما يفتح الباب واسعًا أمام مشروعية الوصم على أوسع نطاق دون الحاجة لإدانة المتهم من قبل سلطة مخولة.

الرضا أهم من "نعم" و"لا"

ومن وجهة نظري، كلا المعيارين "نعم" و"لا" غير صالح، لأن هناك فكرة قانونية واحدة تعبر عنهما معًا وتتجاوزهما وهي فكرة "الرضا"، ولتوضيح أهمية هذه الفكرة علينا الإيضاح أولًا بأن القوانين العقابية "الوضعية" بما فيها القانون المصري- الجرائم المنصوص عليها بالباب الرابع من قانون العقوبات، وفق ما يشرح الفقيه الراحل نجيب حسني [1]، تجرم الاعتداءات الجنسية، ليس بوصفها اعتداءات تقع على الفضيلة الاجتماعية أو الأخلاق كما يلتبس الفهم على الكثيرين، وإنما بوصفها اعتداءات على الحرية الجنسية.

المادة 267 من قانون العقوبات: من واقع أنثى بغير رضاها يُعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد.

ويُعاقب الفاعل بالإعدام إذا كانت المجني عليها لم يبلغ سنها ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة أو كان الفاعل من أصول المجني عليها أو من المتولين تربيتها أو ملاحظتها أو ممن لهم سلطة عليها أو كان خادمًا بالأجر عندها أو عند من تقدم ذكرهم، أو تعدد الفاعلون للجريمة.

المادة 306 مكررا (أ):

يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل بأي وسيلة بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية.

المادة 306 مكررا (ب):

يعد تحرشًا جنسيًا إذا ارتكبت الجريمة المنصوص عليها في المادة 306 مكررا (أ) من هذا القانون بقصد حصول الجاني من المجني عليه على منفعة ذات طبيعة جنسية، ويعاقب الجاني بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين.

فإذا كان الجاني ممن نص عليهم في الفقرة الثانية من المادة (267) من هذا القانون أو كان له سلطة وظيفية أو أسرية أو دراسية على المجني عليه أو مارس عليه أي ضغط تسمح له الظروف بممارسته عليه أو ارتكبت الجريمة من شخصين فأكثر أو كان أحدهم على الأقل يحمل سلاحًا تكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنين والغرامة التي لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تزيد على خمسين ألف جنيه.

هنا ليس الأمر حتى متعلق بأجساد النساء بقدر ما هو متعلق بحرياتهن الجنسية، وهذا التصور الليبرالي الكلاسيكي في القانون المصري تحاول أن تطمسه اليوم الدوائر الأكاديمية العربية لصالح التصور الإسلامي المحافظ، الذي يعتبر تلك النوعية من الجرائم اعتداء على العرض أو الشرف، خاصة وأن مدونة القانون الجنائي تستخدم هذه المفردات رغم أن فلسفة التشريع تجاوزتها.

على أيه حال، هذا التصور الليبرالي الكلاسيكي يفهم الحرية الجنسية بشكل "صوري" أو "قانوني"، ومن ثم يرتبط التأثيم وفق هذا التصور بشرط "عدم الرضا" ومفاداه أن الموافقة الصريحة "معيار نعم" أو الضمنية "معيار لا" ينفيان الاتهام بالتكامل مع قرينة البراءة، وهذا التصور بلا شك غير كاف ومرفوض من النظريتين القانونية النقدية والنسوية الراديكالية، لأن الحرية الجنسية لن تتحول لإمكانية "مادية"، materialist، تتمتع بها النساء إلا من خلال تحررهن من كل القيود المفروضة على الممارسة الجنسية أو المرتبطة بها.

وفق هذا التصور الأخير حتى معيار "نعم" أو الموافقة الصريحة لا يعبر عن "الرضا" في كل الحالات إذا كنا نفهم الحرية الجنسية باعتبارها واقعًا جوهريًا.

والحقيقة أن فكرة "الرضا" تعبر عن حالة الضحية النفسية أو الذاتية في سياق وقائع الاتهام المادية، ومن ثم لا يمكن اخضاعها لمعيار أو مقياس مجرد سواء "نعم" أو "لا" أو الاكتفاء بادعاء الضحية التي لم تصرح "بنعم"، لأن التأثيم غير ممكن بدون الأخذ في الاعتبار حالة المتهم النفسية، وهذا هو الأصل في التأثيم، وما يعكس الجانب المعنوي من الجريمة، ولهذا لا يمكن تحت أي اعتبار أن يرضخ منطق العدالة لمحاولة إهدار قرينة البراءة. ويتضح لنا بهذا الشكل أن المنازعة حول معياري "نعم" و "لا" منازعة بطبيعتها مصطنعة ربما بنفس الطريقة التي يدار بها النقاش حول هذه القضية. رغم ذلك، فإن إنتاج وتطبيق هذا النوع من المعايير، المثقلة في القلب منها بالإكراه، فَعال فيما يمكننا أن نصفه بتطبيع normalizing المجتمعات.

والحقيقة أن نقد الكود النسوي المتمحور حول معيار "نعم تعني نعم"، في هذا التوقيت العاصف، يبدو كمغامرة تتطلب الكثير من الإقدام، لأن الموجة النسوية الجديدة ومناصريها لن يرحما أحدًا.

"عندما یكون الموضوع جنس المرأة، یصبح الماركسي لیبرالیًّا، شكلیًّا، إجرائیًّا"

هذا الانتقاد وجهته لمى أبو عودة إلى اليسار العربي لأن أصوات هنا وهناك تجرأت على انتقاد معيار "نعم تعني نعم". تقول أبو عودة "عندما یصبح الموضوع جنس المرأة یتحول الماركسي إلى لیبرالي فج (اللقاء الجنسي عقد اتفاقي)، یصر الماركسي محض عرض وقبول". لا أعرف من أين جاء هذا الاستخلاص ولكن ما أعرفه أن معيار "نعم تعني نعم" يؤدي لهذه النتيجة الغثة.

من وجهة نظر المفكر الماركسي سلافوي جيجيك أن معيار "نعم تعني نعم" بما يمثله من صوابية سياسية هو الوجه الآخر لصعود العنف "طالما أن الافتراض الأساسي للصوابية السياسية هو تقليص الجنسانية إلى قبول تعاقدي مشترك"، غير أن ما لم يشر إليه جيجيك بوضوح هو أن معيار "نعم" محاولة لتطبيع العلاقات الجنسية ووضعها في إطار تعاقدي "ليبرالي" جديد. فالأمر ليس فقط أن معيار "نعم" يفسد المزاج الجنسي، ويقيد العلاقات الحميمية العفوية ويعوق تطورها، كما يشير جيجيك، بما يمثله ذلك من نزعة محافظة جديدة، همها حماية النساء من خوض تجارب الجنس الخطرة، إنما كذلك لأن هذا الكود النسوي المتمحور حول "نعم" لا يكترث في الواقع لانعتاق النساء، emancipation، من القيود المادية المفروضة على حرياتهن الجنسية والمرتبطة بالهياكل الأوسع من اللامساواة.

اقرأ أيضًا: لنوقّع عقدًا قبل ممارسة الجنس

وبهذا الشكل تتمحور الموجة النسوية الجديدة أكثر حول سياسة الهوية الجندرية وتعلن قطيعتها مع كونها أحد روافد الحركة الاجتماعية الأوسع.

نسوية الأذى وربما الوصم

"یغیب عن الرجل أن رغبة النساء في تغییر القواعد القانونية، أو الاحتكام إلى الناس ووصم المتحرش، قد یكون ردًّا على فشل القواعد القانونية الحالیة، التي كشفتها حملة MeToo، وقبلها حملة الطالبات في الجامعات".

هكذا بررت أبو عودة الوصم باعتباره ردة فعل انفعالية تجاه البنية القانونية التي لا توفر الحماية الكافية للنساء إلا أن هذه الانفعالية بلغت بالفعل حدودًا "هستيرية" في كثير من الحالات. إلا أن هذا ليس كافيًا لفهم الدور الذي تلعبه الموجة النسوية الجديدة أو "نسوية الوصم" فالأمر يتجاوز ردة الفعل – التي ربما يبررها المرار الذي تشعر به النساء – حيث أن الوصم بهذا الشكل يعتبر محاولة سياسية لتطبيع العلاقات الجنسية.

تفترض أبو عودة أن هناك تعارضًا ما بين تيار نسوية الأذى وتيار نسوية الجنس متجاهلة حقيقة أن الأذى الواقع على النساء هو الاعتداء على حريتهن الجنسية. التعارض ليس بين الأذى والجنس، إنما التعارض هو مابين مواقف النسوية المحافظة (التطهرية) والنسوية الراديكالية. وكما يشير جيجيك "القاعدة الجنسية التي تقول (نعم تعني نعم) هي حالة نموذجية للمفهوم النرجسي للذاتية المهيمنة اليوم، ذات تعتبر شيئًا ضعيفًا، شيئًا لا بد أن تحميه مجموعة معقدة من القواعد، يتم تحذيرها مسبقًا من كل التعديات التي يمكن أن تزعجه/تزعجها".

عند أبو عودة معيار "نعم تعني نعم" هو معكوس معيار "لا تعني لا"، حيث لن تعمل قرينة الرضا لصالح الرجال في العلاقات الجنسية، ولكن من قال إن هذا في صالح النساء خاصة في العلاقات الجنسية المتكافئة؟ والحقيقة أن هذا "العكس" تكتيك ما بعد حداثي بامتياز يزكم الأنوف برائحته العدمية.

والسؤال الذي يطرح نفسه ماذا بعد الوصم؟ الحقيقة أنه إذا كان الوصم مقابلًا موضوعيًا للتجريس الذي مارسه المجتمع تجاه النساء الجانحات عن حدود "العفة والطهارة"، فنتيجة ذلك أن الوصم؛ إما سيدفع إلى داخل نفس الحدود وبحيث تتحول الأماكن الآمنة للنساء إلى "حرملك"، أو سيفقد تأثيره بالتدريج عندما يعتاد المجتمع الوصم باعتباره ليس أكثر من تبشيع الآخر.

اليسار وإعادة تأسيس الحركة النسوية

بالطبع ما من أحد يرغب في كنس حالات الاغتصاب تحت البساط، بتعبير دي ليون، ولكن السؤال إذا كنا نرفض معيار "نعم تعني نعم" والكود النسوي الجديد المتحور حول هذا المعيار فما العمل؟

لقد تعرض حزب العيش والحرية لضغوط كبيرة من دوائر الموجة الجديدة ونسوية الوصم مثل مجموعة ثورة البنات، قبل الانتهاء من التحقيق الذي أجراه، أو بالأحرى رعاه، الحزب من أجل اتخاذ "تدابير احترازية" تجاه أعضائه المتهمين بالاعتداءات الجنسية، كان المطلوب من الحزب تجميد عضوية أعضائه قبل ظهور نتائج التحقيق معهم ووقف حملة وكيل مؤسسي الحزب الرئاسية حيث اعتبر بيان جماعة الشراميط الأنجاس أن "استمرار عمل ماكينة الحملة أثبت ضيق أفق القائمين عليها وانعدام الخيال السياسي لديهم".

تحليل هذا الخطاب يظهر بوضوح تأثره بالموجة الجديدة (رغم أن بيان جماعة الشراميط الأنجاس يظهر تحفظه على الخلفية الليبرالية لهذه الموجة) فالضحية صادقة في كل ما تضمنته رسالتها وبدون تحقيق يجب مجازاة المتهمين ومعاقبتهم بتجميد عضويتهم ووصمهم. "نعم تعني نعم" وعدالة الموجة الجديدة لا تعترف بقرينة البراءة ولا تكترث بالتحقيق في الواقعة من الأساس.

فإذا كانت هناك استحالة لاثبات الاعتداءات الجنسية أمام جهات التحقيق الرسمية أو البديلة فالموجة الجديدة سوف تلقي باستحالة عبء الإثبات على عاتق المتهم. هذا يظهر لماذا التحقيق غير مجدٍ، سوف تستخدم الدوائر الجديدة كل ما لديها من أدوات أهمها قوة الإعلام الاجتماعي لوصم المتهمين وإدانتهم، لأنهم فقط متهمين، هذا كافٍ ومناسب وفق معيار "نعم تعني نعم" والكود النسوي الجديد.

وبعد أن ظهرت نتائج التحقيق وأعلن عنها الحزب كانت نفس الدوائر تعمل على وصم الحزب نفسه وإدانته أخلاقيًا لأن الحزب لم يرضخ لضغوط الموجة الجديدة المستمرة إلى اليوم في شكل حملات منظمة مثل حملة "موجة حرة". والحقيقة أن نتائج التحقيق لم تلق قبولًا من أحد لأنها عندما عجزت عن إدانة عضو الحزب بالاغتصاب، وصفت سلوكه بالشائن، وهو بلا شك وصف أبوي ومتزايد.

والحقيقة أنه وكما أشرنا فيما سبق أن الرسالة الالكترونية كانت بمثابة "تطبيق" مارسته دوائر نسوية الوصم بما تستبطنه من نزعة محافظة جديدة، تجاه خصم اختير بعناية، يمثل نموذجًا متقدمًا لن يقابل الوصم بالتجريس، وهو حزب العيش والحرية الذي تبني خلال تجربته القصيره قضايا النساء ورفض اعتبارها قضايا هامشية. من ناحية اخرى تكالبت على تجربة الحزب الدوائر اليسارية الأخلاقوية مثل جماعة الشراميط الأنجاس التي تريد من الحزب أن يتحول لحلقة دعائية تستنكف خوض المعارك السياسية.

ولا شك أن للنساء الحق في الحماية من الاعتداءات الجنسية داخل المؤسسات مثل الجامعات ومواقع العمل ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية.. إلخ، وأعتقد أن هناك أولوية قصوى لتطوير آليات داخلية لمناهضة العنف الجنسي بهذه المؤسسات تحافظ على خصوصية الناجيات، وتعطيهن حقوقًا متكافئة، كما تعمل على مساءلة أعضائها ومجازاتهم إذا كان لذلك مقتضى، دون الخضوع لابتزاز نسوية الوصم. وستظل تجربة العيش والحرية في هذا الخصوص، تجربة ملهمة حتى بأخطائها وارتباكها نظرًا لكونها تجربة رائدة وغير مسبوقة.

إلا أن مهمة أخرى تقع على عاتق اليسار تتمثل في إعادة تأسيس الحركة النسوية، فمقاومة الموجة النسوية الجديدة بما تستبطن من نزعة محافظة جديدة وبما تستخدم من تكتيكات ما بعد حداثية، غير كافية. فالحركة النسوية باعتبارها إحدى روافد الحركة الاجتماعية الأوسع لا يجب أن تترك لتوجيهها بمعرفة دوائر الموجة الجديدة إنما يجب على اليسار أن يُسهم في تجذير مفاهيمها وخطابها ويعمق نضالها ويربطه بشكل أوثق بمشروعه السياسي.


[1] محمود نجيب حسني (2012) شرح قانون العقوبات القسم الخاص: وفقًا لأحدث التعديلات التشريعية (القاهرة: دار النهضة العربية، الطبعة الرابعة).