عصفور أحمر Red Sparrow 2018

فيلم Red Sparrow.. جاسوسية الثمانينات تعود للشاشة

يجد المشاهد نفسه أمام سلطات دولة تسيء لمواطنيها وتستغلهم تحت دعوى مصلحة الوطن.

تحتوي هذه المراجعة على حرق لاحداث فيلم Red Sparrow المعروض الآن في السينمات المصرية

في الوقت الذي تُلاقي فيه حملة #Me_too (أنا أيضًا)، التي أطلقتها الممثلة الأمريكية "أليسا ميلانو" على خلفية فضيحة هارفي وينشتاين الجنسية، صدى واسعًا على شبكات التواصل الإجتماعي، بتشجيعها لكثير من النساء على كسر صمتهن عن حوادث الاعتداء والتحرش الجنسي الذي يتعرضن له خاصة في مجال العمل؛ يأتي فيلم "عصفور أحمر Red Sparrow"_ الذي يُعرض حاليًا بدور العرض المصرية بالتزامن مع عرضه عالميًا_ ليسلط الضوء على عدة قضايا، جعل أبرزها، قضية الاستغلال الجنسي الذي تتعرض له النساء، في عالم الجاسوسية.


جاء طرح الفيلم لتلك القضايا، في قالب من الإثارة والتشويق، سمح به طابع القصة التي تتناول الصراع بين الأجهزة الاستخباراتية لدولتين هما: روسيا والولايات المتحدة الأمريكية. وقد أبْدَى مُخرج الفيلم فرانسيس لورانس تأثُّرًا بأجواء أفلام المخرج الأمريكي ديفيد فينشر، حيث الغموض والظُلمة التي يصاحبها العنف والجنس الصادم أحيانًا. وهي أجواء تحاول هوليوود محاكاتها منذ النجاح الذي حققه فيلم فينشر "فتاة مفقودة Gone Girl" عام 2014، فكان فيلم "فتاة القطار The Girl on the Train " الذي عُرض عام 2016، على رأس تلك المحاولات، إلا أنه لم يُحقق النجاح المُتوقع.

ورغم عالمية القضايا التي يتعرض لها عصفور أحمر؛ إلا أنه بدا موجهًا للمُشاهد الأمريكي كأحد أفلام الجاسوسية التي تُنتَج بغرض الدعاية لأجهزة الدولة الاستخباراتية، أو لشحن الجمهور عاطفيًا تجاه أنظمة معادية. وهو نمط من الأفلام تراجع تقديمه بعد النصف الثاني من التسعينات ليحل محله نمطٌ آخر أنتجته هوليوود نفسها، حمل نبرة أكثر انتقادًا لأجهزتها الاستخباراتية، كفيلم "المُجند The Recruit" الذي عُرض عام 2003 وقدم فيه آل باتشينو دور ضابط CIA مُرتش، ومتورط في أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وفيلم "الراعي الصالح The Good Shepherd"، الذي أخرجه روبرت دي نيرو عام 2006، وألقى من خلاله نظرة على التاريخ المضطرب لبدايات إنشاء وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.

تبدأ أحداث فيلم "Red Sparrow-عصفور أحمر" في روسيا المُعاصرة، بسقوط راقصة البالية "دومنيكا إيجوروفا/جنيفر لورانس" على المسرح مكسورة الساق، لتنتهي مسيرتها الفنية، في اللحظة نفسها التي يتعرض فيها "نايت ناش/جويل إجيرتون"، عميل الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA، لمطاردة من قِبل الشرطة، تؤدي للكشف عن وجود عميل مزدوج داخل صفوف الاستخبارات الروسية يعمل لصالح CIA. فيصبح هدف الاستخبارات الروسية معرفة هوية ذلك العميل المزدوج والإيقاع به.

القصة وراء الفيلم

حقوق الصورة لموقع Entertainment Weekly

كنوع من العلاج، للتغلب على تركه لعمله السابق كضابط بإدارة العمليات في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA، لجأ جايسون ماثيوز - مؤلف الفيلم- للكتابة.

كتب ماثيوز عن أشخاص التقى بهم مع زوجته أثناء عملهما في CIA، وعن أماكن قاما بزيارتها، وربما أفعالاً قاما بها. ثم أعاد صياغة هذا كله في أجواء خيالية خضعت جميعها للقراءة والمراجعة من قِبل CIA، للتأكُد من عدم كشفه عن أية هويات حقيقية أو تفاصيل أثناء قيامه بمغامرته القصصية، ليقدم جايسون ماثيوز في النهاية ثلاثية"عصفور أحمر"، التي تسلط الضوء على الفساد داخل نظام الحكم الروسي، من خلال حكاية راقصة البالية "دومنيكيا إيجوروفا" وقصة صعودها كضابط داخل جهاز الاستخبارات الروسية.

صدرت أولى روايات الثلاثية عام 2013، بعنوان Red Sparrow عصفور أحمر، أعقبها روايتان صدرتا تباعًا هما قصر الخيانة، ثم مرشح الكريملين وهو الجزء الثالث والأخير، الذي تزامن صدوره مع طرح أول أفلام السلسلة على شاشة السينما، حيث قامت شركة فوكس القرن 20 (20th Century Fox) بشراء حقوق استغلال الرواية الأولى، قبل طرحها في المكتبات، لتقدمها في عمل سينمائي، يطرح الكثير من التساؤلات حول الهدف النهائي من إنتاجه.

المرأة في عالم الجاسوسية

بعد أن تفقد "دومينيكا" عملها كراقصة بالية، تتعرض لابتزاز عمها "إيفان إيجوروفا" الضابط بجهاز الاستخبارات الروسية، الذي يطلب منها الإيقاع بشخصية هامة للحصول على معلومات لصالح الجهاز مقابل تسديده نفقات علاج والدتها ودفع إيجار المنزل. لكن بعد انتهاء العملية، يخيِّرُها عمها بين العمل لصالح الجهاز أو الموت، فتقبل بالخيار الأول ويتم إرسالها إلى ما يُعرف بـ"أكاديمية العصافير"، لتلقي تدريباتها.

أستطيع القول أن الأمور متساوية بين الرجال والنساء داخل الـCIA، فزوجتي تدرجت في المناصب وتعاملت مع أشياء لا تُصدَّق. وإذا نظرنا إلى الوجه الآخر من العملة، فمازال أمام المرأة في الاستخبارات الروسية تحديات كبيرة.

- جايسون ماثيوز لمجلة هوليوود ريبورتر

بَنى جايسون ماثيوز واقعة "أكاديمية العصافير"، التي تستند إليها الحبكة على أحداث حقيقية. فقد تم إنشاء مؤسسة مشابهة في الاتحاد السوفيتي السابق مقرها روسيا، استمر العمل بها في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، حيث تم تدريب النساء بها على استخدام الأساليب الجنسية للإيقاع بعملاء الأنظمة المعادية للاتحاد. وهي واقعة تتشابه مع ما تعرضت له الألمانيات من استغلال جنسي خلال الحقبة النازية قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية، حيث تم استدراج العديد منهن، تحت مسمي العمل لصالح الوطن، للالتحاق ببرنامج "ينابيع الحياة" Lebensborn Program، الذي أشرف عليه هاينريش هيملر، لإنجاب أطفال ينتمون إلى العرق الآري من ضباط القوات الخاصة الألمانية.

تناول الفيلم الاستغلال الجنسي للنساء في عالم المخابرات لينطلق منه لمناقشة مفهوم "العمل لصالح الوطن". فما تتعرض له بطلة الفيلم من اساءات واستغلال نفسي وبدني، خلال فترة تدريبها وانضمامها إلى جهاز الاستخبارات الروسية، جعل مشكلتها تتحول من مجرد عمٍ قام باستغلالها لتحقيق مكاسب وظيفية، إلى مشكلة دولة بأكملها تستغل أبنائها تحت مسمى العمل لصالح الوطن.

حرب باردة جديدة

في خضم التوتر السياسي بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والعقوبات الإضافية التي وقعها ضد روسيا، نجد فيلم عصفور أحمر يستحضر تاريخ من الصراع بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية حين أتى على ذِكر الحرب الباردة، وتنبأ بأخرى جديدة، من خلال كلمات الضابطة "ماترون" لطُلابها المتدربين في"أكاديمية العصافير". إذ تقف "ماترون/شارلوت رامبلينج" في قاعة المحاضرات لتعلن لطلبتها وطالباتها أن الحرب الباردة ما زالت قائمة رغم تفكك الاتحاد السوفيتي، وأن روسيا وحدها قادرة على انتشال العالم من الفوضي إذا استعادت مكانتها على قمة الأمم.

ورغم أن أحداث الفيلم تدور في الوقت الحاضر، فقد بدا قادمًا من حقبة الحرب الباردة، حين أنتجت هوليود أفلامًا تركز على غياب الحريات الشخصية في الاتحاد السوفيتي السابق. فيقدم الفيلم روسيا الحالية باعتبارها لا تزال قلب هذه الأفكار التي لا تعترف بالفردية. فالفرد ملك للدولة، لا سيطرة له على أفكاره أو جسده، بل كل هذا ملك للوطن وحده. ففي أحد المشاهد بين "دومينيكا" والضابط "ماترون"، تُحدثها الأخيرة قائلة: "كنتِ من قبل ترقصين من أجل روسيا. منذ ولادتك والدولة ترعاكِ، والآن الدولة تُريد شيئًا في المقابل".

لم ينس الفيلم خطه المُستَعَاد من أفلام الجاسوسية التي أُنتجت في أوج الحرب الباردة. ففي مقابل تقديم صورة سيئة عن جهاز الاستخبارات الروسية ومن وراءها الدولة؛ يقدم الفيلم دعاية إيجابية لجهاز الاستخبارات الأمريكية بأن أظهره في الجانب الذي يعمل لصالح الإنسانية، ليقدم المبررات التي تجعل "دومينيكا" تتحول للعمل لصالحه بعد الإذلال النفسي والجسدي الذي تعرضت له داخل الأكاديمية في وطنها الأم.

الأمر نفسه يتضح مع العميل المزدوج، الذي يتم الكشف عن هويته في نهاية الفيلم. فعندما نتعرض إلى تاريخه، نكتشف السبب الذي جعله هو الآخر يتحول للعمل لصالح الـCIA. فقضية فساد داخل وطنه فقد بسببها زوجته، هي ما جعلته يفتح عينيه على حقيقة السجن الذي يحيا فيه، فوجَّه نظره إلى الجانب الآخر، حيث أمريكا وطن الحريات، كما وصفها.

"جنيفر لورانس" وتجربة أكثر انفتاحًا

استطاعت "جنيفر لورانس" من خلال تجربتها في هذا الفيلم أن تخرج من دائرة الأمان التي ظلت قابعة فيها منذ بداية مسيرتها الفنية. فهي التي طالما سخرت لقاءاتها من الأجسام النحيفة لممثلات هوليوود، وصرحت أنها لا تستطيع اتباع أية حمية غذائية، وتعتبر وزنها الزائد من علامات الصحة. تُصرح أنها من أجل أداء دورها في هذا الفيلم كراقصة باليه محترفة، فقد اكتفت بتناول 5 حبات من الموز يوميًا، كما خضعت لتدريبات مكثفة مدة ثلاثة أشهر علي يد كورت فورمان، أحد أساتذة البالية المحترفين، الذي عمل مع ناتالي بورتمان وميلا كونيس في فيلم بجعة سوداء Black Swan. كل هذا من أجل أن تقدم "جنيفر" رقصتها في بداية الفيلم.

كما نجد جنيفر التي كانت تتناول الثوم قبل تقبيل ليام هايمسورث في فيلم "ألعاب الجوع The Hunger Games"، تُقَدِّم المشاهد الحميمية مع جويل إجيرتون الذي يلعب دور عميل الـCIA. وقد أظهرها المخرج "فرانسيس لورانس" عارية في أكثر من مشهد بالفيلم، إلا أنها لم تكن بدافع الإغراء كما رُوج لها، بقدر ما كان الهدف منها إظهار الإذلال الذي تعرضت له "دومينيكا".

في النهاية، يمكن اعتبار فيلم عصفور أحمر إضافة هامة في مسيرة جنيفر لورانس الفنية، بسبب القضايا التي يطرحها، وعلى رأسها الدعاية الأمريكية لجهاز استخباراتها، التي داعب من خلالها الفيلم حِس الوطنية لدي المشاهد الأمريكي. لكن على ما يمثله هذا الفيلم من فرصة فنية لها، فقد جاء آداؤها باهتًا ومُخيبًا للتوقعات، فلم تظهر في أفضل حالاتها كممثلة، وطلت بوجه خالٍ من التعبير طوال أحداث الفيلم، رغم مساحة الدور التي أعطتها فرصة التنوع. إلا أن تجربة خروجها من دائرة الأمان، قد تجعلها أكثر انفتاحًا عند اختيار أعمالها السينمائية المقبلة.