إحدى جلسات مؤتمر دعم الاقتصاد المصري بشرم الشيخ- صورة أرشيفية

الذكرى الثالثة للمؤتمر الاقتصادي.. "مصر المُستقبل" رهينة جدول التسليم

بعد ثلاث سنوات، وبين التعثّر والنجاح النسبي والتوقف التام، اختلفت مصائر عدد من المشروعات التي أعلن في مؤتمر انعقدت عليه الآمال، حد وصف أحدهم له بأنه "نجح قبل أن يبدأ".

في هذا اليوم، 15 مارس/ آذار، قبل ثلاثة أعوام، خرج رئيس الوزراء- آنذاك- إبراهيم محلب، ليُعلن الحصيلة النهائية الرسمية للاستثمارات والقروض التي حصلت عليها مصر في مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري، الذي انعقد على مدار أيام ثلاثة بمدينة شرم الشيخ.

وقتها قال محلب إن قيمة تلك الاستثمارات والقروض بلغت 60 مليار دولار، بجانب تعهدات بدعم خليجي قدره 12.5 مليار دولار، في وقت أعلن وزير الاستثمار- آنذاك- أشرف سالمان أن حصيلة ما تم التوقيع عليه من اتفاقيات وعقود ومذكرات تفاهم خلال المؤتمر بلغت قيمتها 175.2 مليار دولار، منها 15 مليار دولار اتفاقيات استثمار وقعت عقودها النهائية خلال المؤتمر.

ومن بين عشرات المشروعات التي أعلن عنها، اختارت المنصّة، بعضًا من أبرز تلك المشروعات في قطاعات اقتصادية مختلفة، للبحث والتقصي عمّا آلت إليه منذ الإعلان عن فكرتها وحتى اليوم، الذي يشهد مرور الذكرى الثالثة لانعقاد المؤتمر.

العاصمة الإدارية الجديدة

أضخم مشروعات المؤتمر الاقتصادي، والذي وقّعت الحكومة المصرية مذكرة تفاهم بشأنه مع مستثمرين أجانب، على رأسهم شركة "كاببيتال سيتي بارتنرز" المملوكة للإماراتي محمد العبّار، التي كان من المفترض أن تمدّ المشروع بنسبة 60% من تمويله، بواقع 27 مليار دولار.

وانسحبت "كابيتال سيتي بارتنرز" من المشروع، في سبتمبر/ أيلول 2015، جرّاء خلافات دبّت بينها وبين الحكومة التي أعلنت أنها ألغت مذكرة التفاهم مع الشركة الإماراتية ﻷنها "لم تتطور"، بينما رددت مصادر سببًا آخر، يتمثل في خلافات بين الشركة والحكومة على طريقة التمويل ونسبة المستثمر وطرح نسبة من أسهم المشروع في البورصة.

أعقب رحيل "كابيتال سيتي" انسحاب آخر، كان هذه المرّة من الشركة الصينية العامة للهندسة الإنشائية، التي كانت ستشارك في العاصمة كمطور عقاري، حسبما أعلن في أكتوبر/ تشرين اﻷول 2016، قبل 4 شهور من إعلانها الانسحاب في فبراير/ شباط 2017، برر رئيس الاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء انسحاب الشركة الصينية بأنها "قدمت عرضًا بأسعار أعلى بكثير من الشركات المصرية، بالإضافة إلى أنها طالبت أن تكون مستحقاتها بالدولار وليس الجنيه المصرى".

بين الانسحابين، أعلن إبراهيم محلب مساعد رئيس الجمهورية، في ديسمبر/ كانون الأول 2016، أنه يتوقع الانتهاء من العاصمة الإدارية الجديدة خلال عام، أي في ديسمبر 2017، ويتطابق هذا مع مطالبة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال المؤتمر بأن ينتهي المشروع خلال عام واحد.

لكن شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، شهد افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي للمرحلة الأولى من مشروعات العاصمة الجديدة، وأعلنت الحكومة أنه لا يزال أمامها ثلاثة أعوام حتى تكتمل المدينة تمامًا، حسبما أعلن المتحدث الرسمي باسم العاصمة الجديدة في يناير/ كانون الثاني الماضي، على الرغم من إعلان وزير الإسكان في حوار صحفي عام 2015، أنها ستنتهي خلال عامين، أي 2017.

.. ومشروعات الإسكان الخاصة

وعلى الرغم من إحاطة العراقيل بأضخم المشروعات العقارية- العاصمة الإدارية الجديدة- إلاّ أن الأمر لم يكن كذلك مع مشروعات أخرى للقطاع الخاص، وفّرت لها هيئة المجتمعات العُمرانية (حكومية) الأرض، لتنفذ عليها تحالفات استثمارية محلية- عربية مشروعات عقارية، بدأ تنفيذ بعضها بالفعل وفتح باب الحجز فيها.

.. وأخرى منسية

وفي مسار ثالث بعيد عن العراقيل أو سلاسة التنفيذ، غاب ذكر بعض المشروعات التي كانت محل احتفاء، مثل المدينة السياحية بالفيوم التي أعلنت عنها وزارة الإسكان، يوم ختام مؤتمر شرم الشيخ وكواحدة من ثماره.

المعلومات المتوفرة عن المدينة المنتظرة تقول إنها ستّنفَذ بشراكة بين وزارة الإسكان واتحاد الشركات العربية، على مساحة 575 فدّان على طريق الفيوم بالقرب من هضبة الأهرام، بقيمة استثمارية تبلغ 4 مليار دولار.

لم يُذكر خلال الإعلان موعدًا لوضع حجر أساس المدينة أو تدشين أول مراحلها، ولم يتردد ذكرها باستثناء حديث عنها بين محافظ الفيوم ومحلب، في فبراير 2016، باعتبارها واحدة من "المشروعات الواعدة التي ستشهدها المحافظة خلال المرحلة المُقبلة"، وسبقه بشهر واحد خبر عن انتهاء الإجراءات والموافقات الخاصة بها. ودون ذلك لا جديد يُذكر عن تطور أعمال في المدينة.

مجال النقل

وقّعت الحكومة المصرية، خلال انعقاد المؤتمر، 6 اتفاقيات مع شركات عالمية، لتنفيذ مشروعات بالموانئ والسكك الحديدية بقيمة 2.2 مليار دولار.

كان بين المشروعات قطار الإسكندرية المُكهرب، الذي جرى الاتفاق عليه مع السكك الحديدية الصينية بتكلفة تُقدّر بـ700 مليون دولار، حلاً للاختناقات المرورية.

واستغرق الأمر عامًا كاملاً كي يُعلن عن الاقتراب من بدء تنفيذ المشروع، إذ قال وزير النقل- آنذاك- سعد الجيوشي، خلال إعلانه عن المشروع في مارس 2016، أن التأخير سببه "زيادة تكلفة القرض المتعلق بالمشروع، إذ وصلت إلى 27 مليار جنيه، ما جعل الحكومة تعيد النظر في المشروع وإعادة دراسته مرة أخرى لأن موازنة اقتصاد الدولة حاليًا منهكة بالقروض".

وعلى الرغم من إعلان الوزير أن إنجاز المشروع بمراحله الثلاث سينتهي خلال عام، أي مارس 2017، إلاّ أن تخبط التصريحات الرسمية والارتباك أحاطا بالمشروع، بداية من الارتباك حول ماهيته بين ترام أو قطار، وصولاً لتفاصيل تمويله وتنفيذه. ولا يزال مصير المشروع غير جلي حتى هذه اللحظة، ومثله مشروع آخر اتفق عليه خلال المؤتمر، وهو تطوير قطار أبوقير.

مجال الكهرباء

كانت الطاقة، الكهربية تحديدًا، هي المجال الذي خصّه الرئيس بالذكر في كلمته التي ألقاها في ختام مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي، خاصة وان مصر كانت تعاني أزمة خانقة في توفير الكهرباء تمثلت في انقطاعات واسعة اضطرت الحكومة لوضع جدول انقطاعات للكهرباء في المحافظات والأحياء المختلفة.

في تلك الكلمة، قال السيسي إنه طالب شركة "سيمنز" الألمانية بإنشاء محطة للطاقة الكهربائية بقدرة 4200 ميجاوات خلال فترة ين 30 أو 36 شهرا, واقترح عليها إنجازها خلال سنة ونصف، ما وصفه الرئيس بأنه "تحدي" رأت الشركة إنجازه "ممكنًا".

المحطة التي تحدّث عنها الرئيس هي الواقعة في محافظة بني سويف، والتي من المنتظر لها أن تكون أكبر محطة في العالم تعمل بالدورة المُركّبة.

وافتتح السيسي والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، المرحلة الأولى من المحطة في مارس 2016، ومايزال العمل جاريًا على بقية مراحلها، ومن المنتظر انتهائها بالكامل في مايو/ أيار 2018.

وعلى الرغم من إصرار الرئيس على افتتاح المحطة بالكامل في وقت أقرب، حسبما كشف مصدر حكومي لوسائل إعلامية، قائلاً إن الموعد تقدّم من مايو لفبراير، إلاّ أن الأمر لم يتم ومن المقرر- بحسب تصريحات مصادر في وزارة الكهرباء- أن يُجرى الافتتاح في أبريل/ نيسان المقبل.

في المقابل، سارت أعمال تطوير ورفع كفاءة المحطات الكهربية القائمة، التي أسندتها مصر باتفاق خلال المؤتمر لشركة جنرال إليكتريك بصورة أكثر سلاسة نسبيًا.

وكان الرئيس أعلن، في كلمته تلك، أنه طالب الشركة برفع كفاءة المحطات خلال 8 أشهر فقط بدلا من 24 شهرا، وهو ما تم الموافقة عليه، وكذلك على تخفيض 100 مليون جنيه من تكلفة التطوير.

وعلى الرغم من أن الشركة لم تنته من اﻷعمال في المدة التي حددها الرئيس، إلا أنها أتمت أعمال تطوير محطة كهرباء بنها بعد عام واحد فقط من انعقاد المؤتمر.

لوجستي التموين

كان مشروع إنشاء مركز عالمي لتخزين الحبوب الغذائية والغلال في مدينة دمياط، محلّ اتفاق بين وزارة التموين ومجموعة آل سودين الإماراتية، بتكلفة تبلغ 6 مليارات دولار في "مشروع المركز اللوجيستي للحبوب".

ونظرًا لأهميته الاستراتيجية، قوبل الإعلان عن المركز بالحفاوة، حد قول وزير التموين- آنذاك- أن من شأنه تحويل مصر إلى بلد مُصَدّر للغلال على العكس من وضعها الحالي، وأكد الأمل في المشروع إعلان تدشين محلب للمركز بالفعل، وما تلاه من ترحيب به من منظمات دولية مثل "فاو" المعنية بالغذاء.

وبعد أحاديث غير مؤكدة عن إلغائه، مقابل نفي من الحكومة، اختفى ذكر المشروع قبل أن يُقال وزير التموين إثر "فضيحة فساد القمح"، ثم يتعرض المشروع للهجوم الإعلامي، قبل أن يعود للنور من جديد بخبر عنه، في أغسطس/ آب 2017، باعتباره واحد من الاستثمارات الجديدة في الوجه البحري.

مليارات الدولارات وعشرات الاتفاقيات والتفاهمات شهدتها شرم الشيخ، لكن بعد ثلاث سنوات، وبين التعثّر والنجاح النسبي والتوقف التام، اختلفت مصائر المشروعات التي أعلن عنها عام 2015، خلال مؤتمر اقتصادي انعقدت عليه الآمال حد وصف أحدهم له، من فرط حماسه، بأنه "نجح قبل أن يبدأ".