الخانقاة النظامية.. ضحية عدوان الفرنجة وإهمال المصريين

إذا دخلت إلى الحواري الداخلية لمنطقة الحطابة، يمكن الصعود إليها عن طريق استئذان سكان بعض البيوت الملتصقة بالتل بالصعود إلى سطح البيت، ثم القفز منه إلى التل، ومن ثَم استكمال الصعود إلى الخانقاة.

تحدثنا في مقال سابق عن الصوفيين الذين (استوردهم) صلاح الدين الأيوبي من إيران -الدولة السُنيّة في ذلك الوقت- ليستعين بهم على تحويل مصر من المذهب الشيعي إلى المذهب السني. لدينا هنا واحدة من أقدم المنشآت التي ارتبطت بهذه الظاهرة، و-كالعادة- هي على وشك الانهيار.

هذه هي الخانقاة النظامية، وهي تقع خلف قلعة صلاح الدين الأيوبي، بالقرب من شارع باب الوداع.

أنشئت هذه الخانقاة (الخانكة بنطق العامة) -وهي مكان لانقطاع الصوفيين للعبادة- عام 1352 على يد نظام الدين إسحق بن عاصم القُرَشي الأصفهاني، وهو صوفي آخر أتى من بلاد فارس ليسكن مصر. وتولى خانقاة زاوية سرياقوس، ثم سافر إلى الهند رئيسًا لبعثة الأزهر، وأُثرى هناك، فعاد ليبني هذه الخانقاة في عهد الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاوون، ولازمها حتى وفاته في 1381 ودفن فيها.

ظلت هذه الخانقاة أو الزاوية على حالها، واستخدمت في أواخر أيامها كمدرسة كما يذكر الجبرتي، إلى أن حدث التغيير الكبير بقدوم الحملة الفرنسية (1978-1801).

عام 1800، وكما يخبرنا الجبرتي، حدث أن: "هدموا أعالي المدرسة النظامية ومنارتها، وكانت في غاية من الحسن وجعلوها قلعة، ونبشوا ما بها من القبور فوجدوا الموتى في توابيت من خشب، فظنوا داخلها دراهم فكسروا بعضها فوجدوا بها عظام الموتى، فأنزلوا تلك التوابيت وألقوها إلى خارج، فاجتمع أهل تلك الجهة وحملوها وعملوا لها مشهدًا بجمع من الناس ودفنوها داخل التكية المجاورة لباب المدرج، وجعلوا تلك المدرسة قلعة أيضًا بعد أن هدموا منارتها أيضًا".

بقايا الجدران

يدلنا هذا على أن الفرنسيين قاموا بتعديلات إنشائية كبيرة في الخانقاة، لتحويلها إلى قلعة أو حصن لمراقبة القاهرة وإخماد ثوراتها، وساعدهم على هذا موقعها المرتفع، إضافة إلى سُمك جدرانها الكبير.

بعد رحيل الفرنسيين، تعرضت الخانقاة لمزيد من أعمال التخريب عبر السنين، فأزيلت أسقفها الخشبية بالكامل، وتهدمت كثير من جدرانها، واختفت فتحة الصهريج تحت الردم.

الخانقاة منعزلة أعلى التل الذي يحمل قلعة صلاح الدين. إذا دخلت إلى الحواري الداخلية لمنطقة الحطابة، يمكن الصعود إليها عن طريق استئذان سكان بعض البيوت الملتصقة بالتل بالصعود إلى سطح البيت، ثم القفز منه إلى التل، ومن ثم استكمال الصعود إلى الخانقاة.

مدخل خلوات الصوفية

جزء من النص التأسيسي

ورغم انعزالها بهذا الشكل، إلا أن جدرانها لم تَسْلَم من كتابات العابثين.

الأسوأ من هذا، أن شخصا ما قام باتخاذ إحدى غرفها ورشة لتقطيع الرخام. يمكننا أن نرى الغبار الأبيض المتخلف من أعمال الورشة وهو يغطي جدران المكان.

يذكر الدكتور عاصم محمد رزق في كتابه "خانقاوات الصوفية في مصر"، أن جزءا من بقايا الخانقاة تم تحويله إلى مدرسة حديثة في الخمسينيات، الأمر الذي كان له أسوأ الأثر على ما تبقى من مبانيها.

هذه الخانقاة المظلومة التي دمر معظمها الفرنسيين، وأتلف بقاياها المصريين، أما آن الأوان لإنصافها وترميمها قبل أن يختفي ما تبقى منها؟