Black Panther.. ملك مارفل الجديد يغير وجهها السنيمائي

المسكتشفون بحثوا عنها لقرون، "إل دورادو"، مدينة الذهب المفقودة، اعتقدوا أنهم سيجدوها في أمريكا الجنوبية، لكنها كانت في أفريقيا طوال ذلك الوقت ، "واكاندا"، أعجوبة التكنولوجيا..

- اقتباس من الفيلم -

في "الفهد الأسود" Black Panther 2018، تقدم استوديوهات مارفل السينمائية عرضًا يمنح الأفارقة الأمريكيين وغيرهم من المنتشرين داخل القارة الأم وخارجها، للمرة الأولى، بطلًا خارقًا خاصًا بهم، ففي "واكاندا"، نموذج التقدم والقوة، يعود عالم "الكوميكس" إلى وظيفته الأصلية، وهي تحقيق رغبات المجموع ومساءلة مخاوفهم.

تدور أحداث آخر أفلام المخرج ريان كوجلر حول قصة الفهد الأسود، البطل الخارق "تتشالا"، وهو في سبيله ليتوج ملكا على "واكاندا"، تلك الدولة الأفريقية التي تظهر للعالم بمظهر دولة رعوية فقيرة، بينما سرا، تملك "الفابرينيوم"، أقوى معادن الأرض، وتسبق العالم بأسره على المستوى التقني. الفهد الأسود يخوض معارك عدة للدفاع عن مملكته ضد أخطار الخارج والداخل، كما يتعرض لاختبار شديد الوطأة ليثبت أهليته للحكم واختيار سياسات حكمه.

قصة الفيلم التي كتبها ستان لي وجاك كيربي، وشارك جو روبرت كول المخرج كوجلر في وضع السيناريو، مأخوذة أصلًا عن سلسلة قصص مصورة "كوميكس"، تحمل نفس العنوان، وتعود فكرة تحويلها فيلمًا إلى فترات تسبق نشأة استوديوهات مارفل ذاتها، ذلك عندما أعلن المخرج والممثل ويسلي سنايبس بطل فيلم Blade عزمه صناعة فيلم عن الفهد الأسود من انتاج شركة كولومبيا بيكتشرز Columbia Pictures عام 1996.

لم يكتمل المشروع بسبب عدم رضا ستان لي، مبتكر الشخصية، عن السكريبت الموضوع للعمل. عاودت مارفل المحاولة أكثر من مرة على مدى الـ20 سنة التالية، حتى استقرت على ظهور الفيلم بهذا الشكل، مخرج جديد وواعد، يعاونه طاقم عمل بأكمله من الأفارقة الأمريكيين.


نستطيع كمشاهدين أن نسجل عددًا من السمات الأساسية لأفلام مارفل حاضرة في هذا العمل، حيوية العرض ازدادت هذه المرة، عناية فائقة ببناء التفاصيل البصرية للعالم المحيط بالأحداث والشخصيات، وكأننا نتصفح قطعة حية من القصة المصورة.

تصميمات الديكورات والأزياء والألوان على وجه الخصوص، حملت إشارات أصيلة ومبهرة لثقافة عدد من القبائل الأفريقية. العناية بالتصميم، جعل من "واكاندا" تصورا مبهرا ومقاربا للواقع في ذات الوقت، صورة لما ينبغي أن يكون عليه وطن الأفارقة الأم، مما جعل من الفيلم وطنا لذوي الأصول الأفريقية وغيرهم، يرغبون في العودة إليه ولا يسعون لمغادرته مرة أخرى.

تجدر إشارة هنا إلى اختلاف تصميم شخصية "الفهد الأسود"، فهو ليس كأبطال مارفل الذين سبق تقديمهم لعالم السينما. هو ملك، يتمتع بالكاريزما، أداء متزن ومسحة من العراقة والنبل غير مسبوقتين، بطل خارق يمارس الأكشن في حدود، فقط للدفاع عن مملكته وشعبه متى لزم الأمر. الشخصية تنحت وجودها وسط أحداث ملحمية، وأسئلة عن ماهية الوجود والأولويات بشكل أكثر عمقا مما اعتادت مارفل تقديمه.

إعادة تقديم الأفارقة الأمريكيين

قصص الأبطال الخارقين مسلية ومثيرة، لكنها ليست تفاهة بأي حال من الأحوال. كما أن "الكوميكس" فن، ارتبط في نشأته بالأحداث السياسية والاجتماعية لمقاومة مخاوف العامة ومواجهة التعقيدات الحياتية، هذا ما يجعل المؤرخين يميلون لوصفه بميثولوجيا العصر الحديث.

حكايات الأبطال الخارقين (السوبر هيروز) و حلول ما وراء الواقع خلقت حالة من الثقافة الشعبية Pop Culture على مدى الثمانين سنة الماضية، و بلمسات سحرية مجاوزة، عكست العديد من القضايا، مما جعلها مرآة لتطور الخيال القصصي الجمعي، وصولا لسيطرة جيل الكوميكس على مقاليد صناعة السينما بما لديهم من نوستالحيا خاصة بهم، كانت دافعا لمزيد من الحكي والصناعة.

المفارق في هذا العرض، هو طموح مارفل لطرح قضية أبعد من سطح الأكشن الذي يلعبه أبطالها الخارقون في كل مرة، مارفل تمنح الأفارقة الأمريكيين وغيرهم من المنتشرين داخل القارة الأم وخارجها، بطلا خارقا خاصا بهم..

مع بداية صناعة السينما أوائل القرن الماضي، تم استخدام الزنوج للظهور في الأفلام بشكل عنصري وبهدف تسلية الجمهور، كانت الدعاية لهذا النوع من الأفلام بكونه يحتوي على "عرق أصيل"، ذلك لتمييزه من أفلام أخرى يتم طلاء ممثل أبيض باللون الأسود ليؤدي دور زنجي على سبيل السخرية.

تطور العرض في العشرينات ليمثل مزارع الجنوب الأمريكي بعنصريتها ضد الزنوج باعتبارهم أشرارا وتبرر أفعال جماعة الكوكلوكس كلان، ومع بداية الثلاثينيات كانت العديد من الشركات الكبرى تخطط لانتاج أفلام يقوم ببطولتها زنوج حقييون لمقاومة النزعة الجنوبية.

شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية تغييرا كبيرة في تعامل السينما مع الأفارقة الأمريكيين، حيث ركزت أكثر على السمات الإنسانية لا الكاريكاتوررية للشخصيات، ظهرت في موتيفات المواجهة بين العرقين الأبيض والأسود كنوع من تبسيط لظاهر المشكلة العرقية.

في فترة السيتينات، ومع انتشار حركة الحقوق المدنية للزنوج في المجمع الامريكي بدأوا في الظهور في الأفلام بشخصيات مستقلة، ذات ملامح فردية، بصورة بعيدة عن الأزمة العرقية، تماشيا مع الدعوات الليبرالية التي تهدف إلى ذوبانهم في المجتمع، الأمر الذي تراجع في السبعينات مع اغتيال مارن لوثر كينج، حيث ظهرت نزعات الفخر الزنجي، ووجهت الأفلام في الأساس إلى جمهور من الزنوج.

مع بداية الثمانينات، كان الاتجاه العام لإنتاج أفلام تحفظ الهوية الزنجية، لكنها تلقى قبولًا من الجمهور كله على اختلاف أعراقه. ومن التسعينات فصاعدا، كان هناك تركيز على ثقافة العنف والسلاح، مجتمع الأمريكيين من ذوي الأصول الأفريقية المهمشين سياسيا وثقافيا.

"الفهد الأسود" يتوج مرحلة طويلة من تعامل السينما الأمريكية مع قضية الأفارقة الأمريكيين، فهو يحقق الأسطورة، يجعل من المجمع الزنجي الأقوى والأكثر تفوقا، يملك السلاح الأخطر في العالم. هنا يطرح السؤال الانتماء والهوية، وبشكل أكثر التباسا هذه المرة، هل ينتصرون للعرق أم للدولة؟ وما هي خياراتهم الحقيقية لمواجهة تطرف العالم؟ هل يتبنون خيار القوة والثورة الغاضبة للرد على الظلم المنتشر في العالم أم يفتحون أبواب "واكاندا" لاستقبال مشاكل الزنوج داخل القارة وخارجها؟

يعرض الفيلم حاليا في الولايات المتحدة الامريكية، تزامنا مع عرضه في دول كثيرة خارجها. ردود الفعل على العرض إيجابية وواسعة، بالنظر لما أثاره من حراكٍ وجدلٍ في مفاهيم الثقافة الأفرو-أمريكية، وحتى الآن فإنه من أكثر أفلام الأبطال الخارقين نجاحًا في دور العرض.

لا يعد Black Panther هو النموذج الأكمل لأفلام الأبطال الخارقين، لكنه عمل واعد، كما يمثل نقلة نوعية في إنتاج استوديوهات مارفل بوجه عام، تجعلنا متطلعين لما سوف تقدمه في الأعمال القادمة.