حازم إمام.. ساحر لم يستطع مع الكرة صبرًا

لم ينتظر أن تُبدي جماهير الزمالك تعاطفها معه مثلما حدث قبل 10 سنوات في أودونيزي، فاحترم رغبة الجماهير وقال لنفسه، كفاية.

استجمع المعلق الرياضي، حمادة إمام، تركيزه وتأكد من أن الميكروفون يعمل بكفاءة، لأنه سيحضر حدث لا يتكرر كثيرًا. إذ يستعد المعلق الشهير للتعليق على أول مباراة يلعبها ابنه مع المنتخب المصري، كانت المباراة ضد أنجولا في بطولة إفريقيا 1996، وضع نفسه في خانة صانع الألعاب الذي أعاد لذاكرة جماهير الزمالك من سبقوه ممن أسموهم (الحواة) أو (السحرة)، مثل حمادة عبد اللطيف ورضا عبد العال.

لم يكن حاز إمام الذي تعود على أن يصف والده في كل مكان بـ "بابا"، على علم بأن والده هو من سيعلق على تلك المباراة، لكنه عندما شاهد تسجيل المباراة سمع "بابا" يثني على أداءه، كان هناك العديد من اللاعبين المهاريين في المنتخب المصري آنذاك، لكن عاطفة كابتن حمادة تجلت في نبرة صوته وهو يقول عبر الأثير: "يا ولد يا حازم، يا ولد يا حازم".

بعد سنوات، سيعتاد حازم الجلوس في الاستوديوهات التحليلية، وعند ذكر والده لن يتخلى عن وصفه بـ"بابا"، كان ذلك أمرًا غريبًا على زملائه في الاستوديو، الذين اعتادوا على لقب الكابتن حمادة إمام، فكانوا يتفاعلون مع الكلمة بالضحك.

ظهرت موهبة الثعلب الصغير مع نادي الزمالك والمنتخب الأوليمبي، حيث لعب للفريق الأول في نوفمبر 1993 عندما بلغ الـ21 عامًا، ثم لعب مع المنتخب بشكل أساسي في كأس الأمم الأفريقية 1996 مع المدرب الهولندي رود كرول إلى جانب مهاجم الترسانة الصاعد علي ماهر، ونجم الزمالك والنادي الأوليمبي أحمد الكاس، وذكرت أناقته بالكرة جماهير الزمالك كثيرًا بسلالة الموهوبين التي مرت على ملعب حلمي زامورا.

الوصول إلى الجنة

نادي أودينيزي بقيادة جيامباولو بودزو من الأندية التي لديها استراتيجية خاصة. يتعقب المواهب في جميع بلاد العالم ويجلبها للمدينة، التقطت أعينهم نجم الزمالك الشاب الذي كان لاعبًا أساسيًا يشعل حماس الجماهير الزملكاوية وقتها، وكان بريق الاحتراف مُغري للغاية، وخاصة في دوري كان يُعد الأقوى في أوروبا آنذاك.

انتقل حازم لأودينيزي على سبيل الإعارة مقابل 50 مليون ليرة إيطالية، مع وجود شرط لشراء عقده كاملًا في يناير 1997 مقابل 390 مليون ليرة إيطالية (ما يعادل 2 مليون ونصف المليون دولار).

 حازم إمام في أودينيزي صيف 1996

في الموسم الأول شارك حازم بأربع مباريات فقط، وكان التاريخ الأسود الذي يريد أن ينساه هو يوم 27 أكتوبر 1996، عندما أخرجه المدير الفني ألبيرتو زاكيروني بعد 7 دقائق فقط من مباراة بيروجيا، يومها بكى حازم لكنه لقى مساندة ودعم من الجماهير، رفعوا لافتات "ألف هدف لا يساوي دمعة من دموعك، إمام"، وهى القصة التي قالها حازم نفسه في حواره مع صحيفة لا جازيتا في عام 2016.

شاهدت إيطاليا صور انخراط حازم في البكاء، ووضع القميص على وجهه كما رافانيلي للتغلب على تأثره بعد القرار القاتل له معنويًا والمستغرب من زاكيروني، وعندما وصلت الصور للصحافة الرياضية في مصر، كان السؤال من قبل الأهل قبل النُقاد: ما الذي يحدث لحازم هناك؟ هل تعرض لإصابة خطيرة؟ ولكن حازم عالج الموقف بمكالمة هاتفية.بعد سبعة أيام من واقعة مباراة بيروجيا، شارك في مباراة أودينيزي ضد ريجيانا في كأس إيطاليا، حيث دخل في آخر عشرين دقيقة، وقلب المباراة بتسجيل هدف وصناعة هدف آخر للمهاجم بودجي.

وكان تصريح حازم بعد اللقاء دافعًا للكثيرين لأن يتفائلوا بمستقبله داخل النادي: "الحمد لله، أشكر المدرب وأشكر الجماهير، كنت أشعر بالخوف لكن ألهبتني حرارة الجمهور وتشجيعهم".

لاعبو أودونيزي يحتفلون مع ألبيرتو زاكيروني

كانت هذه هى المرة الأولى التي يلعب بها زاكيروني بثلاثي في خط الهجوم، قدموا أداءًا رائعًا، لكن ألبيرتو لم يقم مرة أخرى أبدًا بإعطاء الفرصة لحازم إلا في الدقائق الأخيرة من مباريات الدوري السهلة.

بلغ إجمالي مشاركات إمام في أودينيزي خلال موسمين 11 مباراة فقط، لم يلعب جميعها كأساسي، يقول ألبيرتو زاكيروني مدرب أودينيزي عن حازم في هذه الفترة: "لم ينجح في الاستقرار معنا، كنا نعتقد أن فوزه ببطولة إفريقيا مع المنتخب المصري سيكون دافع معنوي له، إنه شخص عنيد وحساس".

حقق أودينيزي إنجازات كبيرة بوجود الدنماركي توماس هيلفيغ، والإيطالي جوليانو جيانيكيد، والثلاثي الأمامي الرائع وهم المهاجم الإيطالي صاحب الرقم 11 باولو بودجي، البرازيلي مارسيو أموروسو، وأفضل قناص للرأسيات في التاريخ، العملاق الألماني بيرهوف، وكان أبرزها تحقيق المركز الثالث في الدوري الإيطالي في عز مجده بموسم 1997/1998، وحينها سطع اسم بيرهوف بـ31 هدفًا في الموسم، كما ترك بصمة طيبة في كأس الاتحاد الأوروبي.

التعثر في صقيع فريولي

حازم إمام مع أودينيزي 1997

في شهر يناير 1997، وبعد أن دفع مالك أودينيزي بودزو كامل مستحقات الزمالك من الصفقة، كان الفتى المصري صاحب الـ21 عامًا، يجلس في غرفته وحيدًا في الصباح، دون أي وسائل للإلهاء والتسلية، وحين ذهب لفتح الشرفة، رأى الشوارع كلها تكتسي باللون الأبيض، كانت الثلوج تغمر مدينة أوديني الهادئة، ولا يوجد أثر لقدم، لم يعتد ابن الفراعنة على الصقيع بعد، فقد بدأ في تلك الفترة في التردد على مطاعم المدينة.

يقول زاكيروني: "حازم لم يكن لديه الصبر، ولا الجوع للعب كما أرى في عيون اللاعبين الآخرين". ودعمت الصحافة وجهة نظر المدرب الذي نجح بعد ذلك في الفوز بالدوري الإيطالي مع ميلان عام 1999 مستعينًا بالقناص الألماني بيرهوف.

كتبت صحيفة لا جازيتا: "حازم إمام ينتمي لعائلة غنية، لا يحب أن يكون اجتماعيًا، ولديه عقلية وثقافة مختلفة عن بقية أقرانه في الفريق، عندما احتاج أودينيزي له في يناير 1998، لأنه كانت هناك بعض الغيابات في الهجوم، قرر حازم أن يسافر إلى مصر لخوض الامتحانات في جامعة القاهرة، مستغلًا الثغرة الموجودة في عقده بتحرير نفسه من الالتزام مع النادي في فترة الاختبارات الجامعية".

حازم إمام مع منتخب مصر في مواجهة السعودية في بطولة كأس القارات 1999 حازم إمام مع منتخب مصر في مواجهة السعودية في بطولة كأس القارات 1999

"أي شخص آخر في مكانه، كان سيترك كل شىء لانتهاز فرصة اللعب بشكلٍ أساسي في الفريق، لكنه مختلف، هذا اللاعب يشبه جيانفرانكو زولا، وزيكو أسطورة أودينيزي، يعانى من بعض المشاكل العضلية، لكن مع اتباع النظام الغذائي المناسب، سيكون جاهز للعودة، ربما بعد بطولة إفريقيا يكون جاهزًا لإظهار نفسه في الدوري" لاجازيتا .. مارس 1998.

لم يلتفت لما تكتبه الجرائد، التي قال عنها ذات يوم إنها وصفته بباجيو الأهرامات، لكنه قرر مغادرة الكالتشيو حتى بعد رحيل المدير الفني ألبيرتو زاكيروني لتدريب نادي ميلان، ورفض كذلك عرض اللعب لفريق كوسينزا بالدرجة الثانية حتى ولو على سبيل الإعارة لأجل اكتساب الخبرة ثم العودة للعب في الفريق الأساسي للفريق الأبيض والأسود.

لم يكن لديه الرغبة في اللعب لفريق ينُافس في الدرجة الثانية الإيطالية، على الرغم من أن الدرجة الثانية في هذا الزمن أخرجت أسماء عملاقة للكرة العالمية والإيطالية، مثل فيليبو إنزاجي، كريستيان فييري وأليساندرو دِل بييرو.

ابن الذوات، من ليالي الصقيع في أوروبا إلى الحنين للوطن

 حازم إمام بقميص نادي جرافشاب الهولندي 1999

لم يكن الرحيل خطوة ذكية من حازم عن أودينيزي بعد تألقه في بطولة الأمم الإفريقية 1998، قرر الابتعاد عن إيطاليا والانتقال معارًا إلى الدوري الهولندي ولعب لفريق دي جرافشات، سجل معه 4 أهداف ساهمت في بقاء الفريق الهولندي بالدرجة الأولى، ولم يلعب حازم بعدها بقميص أودينيزي حتى عام 2001، رغم أن الدوري الإيطالي في هذا الوقت كان حلمًا لجميع اللاعبين، ووجد نجم الزمالك أن الأمور أكثر سهولة في هولندا، خاصة مع وجود جالية مصرية كبيرة، توفر المساحات على أرض الملعب، حيث أن المهارة تتغلب على القوة البدنية أو الجانب التكتيكي التي اتسمت بها المدرسة الإيطالية.

كانت عودة حازم إمام للنادي الأبيض أو بيته الذي لعب له والده وجده، بمثابة إعادة الولادة للنجم الذي كان يملك المهارات الكبيرة، ورغم تحقيقه لبعض الإنجازات المهمة مع الزمالك بعد عودته، لكنه فقد فرصة أن يُخلد على الصعيد العالمي، ولم يعطي نفسه الفرصة لإثبات خطأ زاكيروني، والعمل بعد ذلك مع لوتشيانو سباليتي الذي وصل لأودينيزي في مارس 2001، هل كان الفتى ينقصه بعض التحدي ليفرض موهبته على أرضية الميدان؟، وينتقل لنادٍ أكبر في إيطاليا، وربما كان لديه الفرصة لجعل زاكيروني يتراجع عن قناعاته، ويضمه لميلان، الذي أصبح فيما بعد مرعب أوروبا، ربما.

استعادة سحر الرقم 14..يا سلام يا حازم، يا سلام حسام

تتذكر الجماهير البيضاء دائمًا لحازم بعض اللقطات الساحرة، التي تُشبه القطع الفنية، فهى من تعلق بالذاكرة كثيرًا، مثل هدفه في مرمى الاسماعيلي بملعب الإسماعيلية في 11 يناير 2003، وهدفه في مرمى الوداد في نهائي السوبر الأفريقي.

وجد حازم لنفسه المساحة المناسبة للإبداع بعد العودة لمدرسة الفن والهندسة في أفضل نسخة لها في آخر عقدين، مع استعادة الثنائية المُفضلة له مع حسام حسن مهاجم الأهلي السابق عندما لعبا سويًا في المنتخب وحققا معًا لقب كأس الأمم الإفريقية في بوركينا فاسو، مع صوت المُعلق أحمد شوبير وهو يصيح بأفضل جُملة قالها كمعلق.. "يا سلام يا حازم، يا سلام يا حسام".

بعد رحيل حسام حسن وشقيقه عن القلعة الحمراء، قادا مع حازم والمدرب الألماني أوتوفيستر كتيبة مميزة من اللاعبين أصحاب الخبرة مثل عبد الحليم علي، تامر عبد الحميد وجمال حمزة لتحقيق الإنجازات، وتذوق طعم البطولات المتتالية، وهو الطعم الذي نساه لاعبي الزمالك من بعد هذا الجيل.

على الرغم من احتفاظ حازم بسحره، لكنه لم يعد أبدًا مثل النسخة الأولى من نفسه، حازم إمام الشاب، حازم إمام الذي لا يبكي في أوديني، بل الملك المتوج جماهيريًا.

حقق صاحب القميص رقم 14 لقب دوري أبطال إفريقيا مع الزمالك، إضافة إلى بطولة الدوري المصري 3 مرات، في الفترة الثانية له مع القميص الأبيض، لكن بعد 3 سنوات بدأ مستواه البدني ينخفض تدريجيًا ويفقد بريقه وقدرته على صناعة الفارق في وقت بدأ أزمة طاحنة تعرض لها النادي لم تخمد حتى الآن، وأعلن اعتزاله في عام 2008 بعد أن حقق الزمالك أول لقب له بعد 4 سنوات عجاف.

يقول مهاجم مانشستر يونايتد دوايت يورك عن حازم، بعد أن شاهده في بطولة بيبسي لتحدي المهارات عام 2000، متفوقًا على لاعبين عالميين مثل فيرون، روي كوستا، ديفيد بيكهام روبيرتو كارلوس وريفالدو: "لم أكن أعرف إمام، كان مفاجأة حقيقية بالنسبة لي"، ومدح العديد من المتواجدين نادي أودينيزي، ومديره الرياضي مارينو على هذا الاكتشاف، لكنهم لم يعرفوا أن صانع الألعاب الموهوب، قرر أن يرفع الراية البيضاء، وأن لا يستمر أكثر من ذلك في أوروبا.

معبود الجماهير قال: كفاية

استسلم حازم لضغوطات بعض جماهير الزمالك الغاضبة من أداء الفريق بصورة عامة، وترك معشوقته كرة القدم، ليتفرغ للعمل الإداري والإعلامي، وكان لاعتزاله قصة أخيرة لا تليق ولا تتناسب مع حجم جماهيريته الهائلة في الشارع الزملكاوي الذي أطلق عليه لسنوات لقب "العو"، فبعد نزوله لأرضية الميدان في مباراة الإسماعيلي بالدوري المصري، وتمرير أكثر من كرة خاطئة، هتفت الجماهير الحاضرة ضده: "كفاية، يا حازم"، ولم يكن لدى حازم الكثير من الثبات وقتها ليتحدى هذه النداءات، ولم ينتظر أن تُبدي الجماهير تعاطفها معه بعد ذلك كما حدث قبل 10 سنوات في أودونيزي، فاحترم رغبة الجماهير وقال لنفسه، كفاية.

ساحر لم يستطع مع الكرة صبرًا

لم تكن أفعاله دائمًا أمرًا متوقعًا، فحازم الذي حقق كل آماله فقط بقميص المنتخب المصري وناديه الأبيض، وترك آماله في أن يصبح لاعب عالمي، اعترف بعد ذلك بندمه الشديد، على عدم تحليه بالصبر الكافي ليحصل على فرصة اللعب في أفضل تشكيلة بتاريخ نادي أودينيزي، ولم يملك الكثير من الحوافز قبل نهاية مسيرته، ليستطع مع الأجواء المتأزمة في الزمالك صبرًا، فلم يطق صبرًا، وكان الختام السىء لمسيرته يُغريه بالحنين للماضي، حينما كان عليه أن يقاتل للحصول على مكانه في ملعب الفريولي، دون التأثر بالحنين للوطن، ولا صقيع يناير.