حقل ظهر: البنود الكاملة.. أو كيف منحت الحكومة كل شيء لـ "إيني"؟

تحقيق من 4 فصول يكشف عن كل بنود الإتفاقية التي منحت بموجبها الحكومة لشركة إيني امتيازات وإعفاءات من الجمارك والضرائب، ويجيب على سؤال ما هو الجديد بخصوص الحقل الذي أعلن عنه للمرة الأولى قبل 20 عاما. ويبرهن على زيف ادعاءات المسؤولين الحكوميين بأن نصيب مصر من الحقل يحقق الاكتفاء الذاتي من الغاز

القاهرة 2015، آخر أيام أغسطس الحارة، بينما أزمة انقطاع الكهرباء في أوجها بسبب النقصٍ الحاد في طاقة الغاز بمحطات التوليد؛ تُعلن شركة إيني الإيطالية عن اكتشاف أكبر حقل مصري للغاز الطبيعي في الشمال الشرقي لمياه البحر المتوسط للمرة الأولى. بعد 28 شهرًا دخل الكشف الجديد "ظُهر" مرحلة الإنتاج، وقُدرت "إيني" احتياطاته الإجمالية بنحو 30 تريليون قدم.

حقل ظهر.. تحقيق من 4 فصول توصل إلى أن اكتشاف حقول الغاز في تلك المنطقة أعلن عنها منذ 20 عامًا وظلت بنود الاتفاقية "حبيسة أدراج" الحكومة. وبرهن على زيف حقيقة ادعاءات المسؤولين الحكوميين بأن نصيب مصر من الحقل يحقق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي. بالإضافة إلى ذلك يكشف التحقيق بنود الإتفاقية التي منحت بموجبها الحكومة لشركة إيني امتيازات وإعفاءات من الجمارك والضرائب.

التقديرات الأولى لحجم الغاز بحقل ظهر بحسب شركة إيني

طرفان، معارضون وخبراء شككوا في الكَشف مُعتبرين أن تلك ليست المرة الأولى التي يُعلن فيها عن الحقل، فيما راح السواد الأعظم يُهلل لـ "ظُهر"، وصولاً لتعليق الرئيس عبد الفتاح السيسي، في حفل افتتاحه، قبل شهرين قائلاً :" كنا ندفع مليار و200 مليون جنيه قيمة مشتقات بترولية شهريًا، وهذا لن يتكرر".


الفصل الأول: كنز تحت الماء

قبل 19 عامًا، كان لا يزال الرئيس حسني مبارك قابضًا على زمام السلطة ويستعد لفترة رئاسية رابعة، بينما يوقع وزير البترول المهندس حمدي البنيني اتفاقية تمنح شركة "شل رويال دوتش" الهولندية أضخم حق امتياز، وقتها، للتنقيب والاستكشاف في مياه البحر المتوسط.

أصبحت مصر بذلك أول دولة تُنقب عن الغاز الطبيعي في المياه العميقة بشرق البحر المتوسط، قبل نحو عقد كامل من اكتشافات حقلي الغاز في إسرائيل (ليفايثان وتمار) وحقل قبرص (أفروديت) عام 2010، وما يربو على الـ15 عامًا على اكتشاف حقل ظُهر.

"نيميد" NEMED كان اسم المنطقة المصرية في مياه المتوسط، احتلت مساحة ضخمة بلغت 31 ألف و135 كيلومترا مربعًا بنظام عقود "الامتياز" في الشمال الشرقي للمياه الإقليمية، وحُررت الاتفاقية بين شركة شل رويال دوتش وشريكتها بتروناس كاريكالي الماليزية والهيئة العامة للبترول في العام 1999، قبل أن تخرج إلى الوجود الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيجاس" التي أنشئت عام 2001.

خبر نشر في الأهرام بتاريخ 25 نوفمبر 2003 عن اكتشاف الغاز بشرق المتوسط

استغرقت الشركة الهولندية 4 أعوام لتعلن عن وجود احتياطات ضخمة للغاز الطبيعي، حسبما ذكرت في تقرير نشر في جريدة الأهرام نوفمبر 2003. قالت فيه :"إنها حفرت البئر الأول KG45 بمنطقة امتياز "نيميد"، في إطار حفر يشمل ثلاث آبار في المياه العميقة بمنطقة امتياز شمال شرق المتوسط على عمق 3 آلاف و613 متر".

قَدرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) وهي وكالة تابعة للنظام الإحصائي الفيدرالي احتياطات المنطقة بما يتراوح بين 800 مليون إلى تريليون قدم مكعب من الغاز.

عبر جريدة الأهرام أيضًا، أعلنت شل نبأ اكتشاف حقل ضخم للغاز الطبيعي بالمياه العميقة شرق المتوسط، في فبراير من العام التالي. لكن أخذ النسيان يتسرب شيئًا فشيئًا لهذا الكشف حتى مايو2007، بإعلان شل بدأها تنفيذ المرحلة الثالثة من المشروع باستخدام حفارات عملاقة، على أعماق تراوحت بين 1500 إلى 2750 مترًا، بعدما أنهت المرحلتين الأولى والثانية من اتفاقية الالتزام، حسبما ذُكر في بيان حول عمليات التنقيب بالمنطقة.

ثم في مارس2011 خرجت شل لتُعلن فجأة تَخليها عن امتياز نيميد وإعادته للحكومة المصرية. وفي نوفمبر من نفس العام فسر مسؤولو شل المسألة على أنها:"تَخلَيْ إجباري طبقًا لشروط اتفاقية الالتزام الصادرة عام 1999، حفرت الشركة خلال المدة 9 آبار وبلغ إجمالي النفقات 620 مليون دولار، واكتشفت احتياطيات بقيمة لا ترقى إلى تريليون قدم مكعب، لذلك فضلت عدم الاستمرار في الحقول لعدم جدواها الاقتصادية".

"الأجدى كان تجميع هذه الآبار في منطقة امتياز واحدة وطرحها بهدف التطوير والتنمية وليس التنقيب كما فعلت الوزارة، حتى لو تحملت الحكومة النصيب الأكبر من تكاليف استخراج الغاز، لأنه سيكون ملكًا خالصًا لها في النهاية"
​المهندس يسري حسان، مدير الاستكشاف والتنقيب السابق في إحدى الشركات اليونانية الخاصة

عقب ذلك الانسحاب، طالب عدد من نواب مجلس الشورى المنحل في 2012 بالتحقيق مع سامح فهمي وزير البترول الأسبق، وإعادة ترسيم حدود مصر الاقتصادية بين مصر وإسرائيل وقبرص واليونان، بسبب ما أعتقدوه إهدارًا لحقوق مصر.

وفي يوم الإعلان عن حقل ظُهر، أغسطس 2015، خرج المهندس نائل الشافعي، مؤسس موسوعة المعرفة والمحاضر في معهد مساتشوستس الأمريكي، معلقًا :"إيني تعيد اكتشاف حقل شروق الذي حفرته شل قبل 10 أعوام بمنطقة نيميد"، كما صُور في هذا الفيديو.

رسم توضيحي للغاز المكتشف في منطقة نيميد

لكن المهندس يسري حسان، مدير الاستكشاف والتنقيب السابق في إحدى الشركات اليونانية الخاصة، يحسم المسألة بقوله "بالنسبة لشركة خاصة تسعى وراء المكسب لن تكون احتياطات نيميد المُعلن عنها مجدية اقتصاديًا، نظرًا لارتفاع تكلفة استخراج الغاز بالنظر لزيادة عمق المياه عن 2000 متر تحت سطح البحر، وتباعد المسافات بين الآبار التي اكتشفتها شل".

ويقول في حديثه للمنصة، أن المنطقة المُكتشف بها الغاز أُطلق عليها اسم "حقل شروق-1"، وهو الاسم التجاري بينما المسمى الجيولوجي فكان KG45 والذي يتفق مع خطوط الطول ودوائر العرض.

ويضيف، أن شل لم تنسحب كما يُشاع، ولكن انقضت سنوات البحث والتنقيب المنصوص عليها بالاتفاقية دون تطوير الحقول تجاريًا، ثم تنازلت عن المنطقة للشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيجاس" دون مقابل.

حُرمت شل من اكتشاف حقل "ظهر"، كما يوضح حسان، لاعتمادها في البحث والتنقيب على المبدأ الجيولوجي التقليدي "البحث في منطقة امتداد الدلتا"، لافتًا إلى أن شل اعتمدت على ذلك المبدأ بعدما ترسخت قناعة بأن الغاز يكمن داخل الطمي المترسب الذي اخترق مياه المتوسط عبر آلاف السنين، مما عنى بالدرجة الأولى أنها تبحث داخل الخزان الرملي في محاكاة لاكتشافات الغاز التي تمت في دلتا النيل المصرية.

ورغم أنها أجرت عملية بحث سيزمي ثنائي وثلاثي الأبعاد لمنطقة واسعة في مياه شرق المتوسط العميقة؛ إلا إنها لم تقترب من منطقة حقل "ظُهر" لوقوعها خارج منطقة امتداد الدلتا المنتمية طبقاتها الأرضية للصخور الكربونية أو ما يشبه الحجر الجيري، بحسب الخبير البترولي نفسه.

ويقول :"إن وزارة البترول ارتكبت خطأ بتقسيم آبار "نيميد" المكتشفة (شروق1 - وليل 1) بين منطقتي امتياز، لأن ذلك "إهدار للاحتياطات" لفقدان الجدوى الاقتصادية للآبار بهذا التقسيم، وبذلك قد تظل آبار شروق-1 حبيسة باطن الأرض، بينما قد تحمل اسمه منطقة امتياز جديدة.

ويتابع أن الأجدى كان تجميع هذه الآبار في منطقة امتياز واحدة وطرحها بهدف التطوير والتنمية وليس التنقيب كما فعلت الوزارة، حتى لو تحملت الحكومة النصيب الأكبر من تكاليف استخراج الغاز، لأنه سيكون ملكًا خالصًا لها في النهاية.

المنصة البحرية لحقل ظهر

الفصل الثاني: كل شيء لإيني

العام 2012، وبينما ينشغل البرلمان بالمطالبة بمحاكمة سامح فهمي، طرحت الشركة المصرية للغازات الطبيعية "إيجاس"، في نوفمبر 15 منطقة، بينها منطقة شروق أو البلوك رقم 9، عن طريق مزايدة عالمية للتنقيب والاستكشاف بنظام عقود الامتياز.

عقود الامتياز: تمنح الدولة بموجبها الشركات حق البحث والتنقيب في قطعة أرض، فتتولى إجراء كافة أعمال التنقيب والاستكشاف. وإذا وجد النفط أو الغاز بكميات تجارية؛ تتحول الشركة إلى التطوير وصولاً إلى مرحلة الإنتاج والتصدير، ولاتدفع الدولة شيئًا

تلجأ مصر لهذه الصيغ من العقود لأن ميزانيتها لا تتحمل تكلفة التنقيب والاستكشاف كونها تحتاج مبالغ ضخمة، بحسب قول الدكتور رمضان أبو العلا، نائب رئيس جامعة فاروس والخبير البترولي في حديثه للمنصة، علاوة على أن المخاطرة ضخمة، فقد تستنفذ أموالاً كثيرة دون الكشف عن آبار للنفط أو الغاز، وبالتالي عقود الامتياز صيغ متوافق عليها من قبل شركات الطاقة العالمية".

وهناك عقود تضمن حقوقًا أكبر للدولة، وأبرزها "عقود الخدمة": وهي التي تتولاها الدولة من الألف إلى الياء ويتم الاستعانة بشركة لتقوم مقام المتعهد لتنفيذ أعمال البحث والتنقيب لصالح الدولة، مثلما كانت تفعل العراق إبان فترة حكم صدام حسين.

عقود الشراء المسترجع: تستثمر الشركات في مناطق التنقيب، لكن يتم استرجاع رؤوس الأموال للشركات مرة أخرى مع هامش ربح بسيط بعدها تكون الدولة مالكة للمنطقة بالكامل، ومثال ذلك دولة إيران.

مزايدة عام 2012 طرحت مصر خلالها 15 منطقة للامتياز منهم امتياز شروق رقم 9

منطقة "شروق" جزء من الامتياز السابق "نيميد"، تقع عند درجة عرض 33ْ شمالاً وخط طول 32ْ درجة شرقًا، على مسافة 170 كم شمال ساحل المتوسط بمحاذاة مدينة بورسعيد، يحدها من الشمال مياه مصر الاقتصادية الخالصة، ومن الجنوب امتياز "حابي" البحري، بحسب التقرير الفني لإيجاس.

التقرير يوضح، أن طبقات المنطقة تنتمي للصخور الكربونية، وتتراوح الأعماق بها بين "1400 – 1800 م". لافتًا إلى أنه المنطقة اكُتشف بجوارها مجموعة من الآبار الناجحة هي "KG70-1 ، و LA52، و LA51، وKG45".

بعد أقل من شهرين على المزايدة العالمية، أعلنت شركة إيني الإيطالية فوزها بحق التنقيب والاستكشاف في امتياز شروق بالمياه العميقة شمال شرق البحر المتوسط، بنسبة 100%، بحسب البيان الصادر عنها في أبريل 2013، والذي أفاد بأنها ستعمل من خلال شركتها المملوكة لها بالكامل "أيوك بي.في" بصفتها المشغل الرئيسي في المنطقة التي تغطي مساحة من مياه البحر تصل إلى 3 آلاف و765 كم2.

وفي يناير 2014، وقعت الحكومة المصرية اتفاقية التزام مع شركة إيني الإيطالية، نشرتها الجريدة الرسمية تحت اسم " قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 2 بالترخيص لوزير البترول في التعاقد مع الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيجاس" وشركة "أيوك برودكشن بي.في" (شركة تابعة لشركة إيني) للبحث عن الغاز والزيت الخام واستغلالهم في منطقة شروق البحرية بالبحر المتوسط".

هذه الاتفاقية، حصلنا على نسخة منها، وتظهر للعلن ربما للمرة الأولى، خوّلت بموجبها لشركة إيني الحق في الحصول على امتيازات قانونية وإعفاءات من الجمارك والضرائب

صدرت الاتفاقية في غيبة مجلس الشعب أثناء فترة رئاسة المستشار عدلي منصور الرئيس المؤقت للبلاد، وتتألف من 29 مادة في 84 صفحة، تحتوي على كل الاشتراطات اللازمة لعمليات التنقيب والاستكشاف، وتحدد نصيب الحكومة المصرية وشركة إيني في الاكتشافات وغيرها، فضلاً عن 6 ملاحق رئيسية.

يَتضمن المُلحق "ج" من الاتفاقية صيغة خطاب ضمان بنكي يقدمه المقاول – إيني- لإيجاس بمبلغ 30 مليون دولار، هذا المبلغ ضمانًا لقيام المقاول بتنفيذ الحد الأدنى من التزاماته في عمليات البحث الأَوليْ الواردة في هذه الاتفاقية ومدتها 3 سنوات.

أما المُحلق "د" فهو عبارة عن صيغة عقد تأسيس الشركة المشتركة المُقرر إنشاءها عقب أي اكتشاف تجاري للغاز. ويخص المُلحق "ه" النظام المحاسبي. وأخيرًا المُلحق "و" يضم خرائط لشبكة خطوط أنابيب الغاز القومية وشبكة خطوط الخام والمتكثفات وشبكة خطوط البوتاجاز.

بموجب هذه الاتفاقية، منحت الحكومة المصرية شركة "أيوك" التابعة لإيني، باعتبارها مقاولاً، وشركة "إيجاس"، التزامًا مقصورًا عليهما في منطقة شروق، بحسب المادة الثالثة، التي قضت بتنازل الحكومة المصرية عن بند الإتاوة (حسبما وردت الكلمة في نص القانون) سواء نقدي أو عيني والمُقدر بنسبة 10% من مجموع كمية البترول المُنتج "إن وجد"، وأن تتحمل إيجاس دفع هذه الإتاوة، ولا تلتزم بها إيني.

خريطة جيولوجية توضح طبقات الأرض بمنطقة شروق

هذا التنازل عن "الإتاوة" وصفه الدكتور عبد الخالق فاروق، مدير مركز النيل للدراسات الاستراتيجية، بإهدار للمال العام كونه ربحًا صافيًا للدولة، لافتًا إلى أنه كان في الأصل يبلغ 20%، ولكن حكومات مبارك المتعاقبة قلصته إلى 10% ثم تنازلت عنه الحكومة الآن مثلما تنازلت عنه عام 2011 لصالح شركة بريتش بتريليوم في حقل شرق الإسكندرية.

حصلت إيني أيضًا على إعفاء من الضرائب، حيث نصت الفقرة "ز" من المادة الثالثة على أن تدفع إيجاس نيابة عن إيني قيمة الضريبة من حصة الحكومة المصرية في الإنتاج، مخصومًا منها التكاليف والمصروفات التي أنفقتها إيني وقيمة حصة إيجاس في فائض البترول المخصص لاسترداد التكاليف، علاوة على مبلغًا مساويًا لضريبة الدخل المستحقة على إيني إجمالاً.

وأعفت المادة 12 إيني وإيجاس من الرسوم الجمركية والضرائب أو الرسوم أو الأتعاب من أي نوع حال استيرادهم أدوات إنتاج أو آلات أو خلافه. علاوة على جواز تصدير هذه الآلات أو الأشياء المستوردة مرة أخرى بمعرفة المستورد دون أن تستحق عليها رسوم تصدير أو أية ضرائب أو رسوم. فضلاً عن إعفاء البترول أو الغاز الذي يتم تصديره من الرسوم والجمارك والضرائب.

فضلاً عن الإعفاء من رسوم الدمغة والفرائض والجبايات التي تفرضها القوانين النقابية المصرية، والإعفاء من ضرائب المبيعات والضريبة على القيمة المضافة والضرائب المفروضة على البحث عن البترول أو تنميته وغيرها، حسبما نصت المادة 18 من الاتفاقية.

عمال على سطح المنصة البحرية لحقل ظهر

الفصل الثالث: جوليو ريجيني والغاز

كما جرت العادة في ذكرى ثورة يناير يغلق الأمن محطة مترو السادات، في حين تنتشر الشرطة في ميدان التحرير. لكن ذكرى يناير الـ5، كانت مغايرة، إذ اختفى الباحث الإيطالي جوليو ريجيني أثناء استقلاله المترو، وأُعلن بعد ذلك عن وجود جثته مشوهة في صحراء أكتوبر.

"طلبت من أحد زملائي المصريين ترجمة معنى اسم الحقل "شروق" فأجابني بأنها تعنى شروق الشمس. لذا طلبت منه إخباري بما يطلقُونه على الشمس وقت الظهيرة، فقال: ظُهر"
فرانسيسكو بارتيليو- مدير الاستكشاف بشركة إيني

بدا على أثر هذه الحادثة احتمالية تعقيد الموقف بين الحكومة المصرية ونظيرتها الإيطالية، لكن هذا لم يمنع استمرار الشركة الإيطالية من العمل في المياة الإقليمية المصرية. ففي أغسطس من العام نفسه، أعلنت إيني اكتشاف حقل"ظُهر" الذي قُدرت احتياطاته بنحو 30 تريليون قدم مكعب، تبلغ مساحته نحو 100 كم2، بحسب بيان لشركة إيني.

"لولا بعض الجيولوجيين بشركة إيني لما كان اكُتشف حقل ظُهر"، بهذا يعاود يسري حسان الخبير البترولي حديثه.

مضيفًا "أنه حين حصلت إيني على حق الامتياز بمنطقة شروق، انتهجت نفس رؤية شركة شل الجيولوجية التقليدية وهي التنقيب في منطقة امتداد دلتا النيل؛ بطبيعة الحال كان جهد بلا طائل".

ويقول، إن الجيولوجيين اقتنعوا بأن المبدأ التقليدي في البحث لن يُجدي، وراجعوا الخرائط مرة أخرى التي بينت وجود بعض "التراكمات" غير الواضحة بمنطقة بعيدة عن امتداد دلتا النيل. مشيرًا إلى اعتقادهم في بادئ الأمر أنها شُعَب مرجانية مدفونة، لذا طلبوا إجراء مسح سيزمي ثلاثي الأبعاد للمنطقة.

اجتماعات جيولوجيين بشركة إيني حول طبيعة أرض ظُهر

ويتابع :"ولكن لارتفاع تكلفة المسح ثلاثي الأبعاد واقترابها من كُلفة حفر بئر، اعتقد مسؤولي الشركة أن حفر البئر سيوفر عليهم تكاليف المسح، إضافة لأنه حتى مع إجراء المسح، سيتم حفر بئر حال اكتشاف تراكمات غاز". بمجرد الحفر بالمنطقة المشكوك فيها، اكُتشف ظُهر بين طبقات الصخور الكربونية.

أحد جيولوجي شركة إيني يستعرض مخطط الحقل

شركة إيني أكدت على تلك النقاط في عملية اكتشاف ظُهر، خلال فيديو أذُيع عبر قناتها على يوتيوب، صدر في ديسمبر الماضي بعنوان THE STORY OF ZOHR.

في الفيديو الدعائي، تقول مديرة المشروعات الشركة بمنطقة الشرق الأوسط بولا رونشي "عندما فحصت بعض الخرائط والأوراق وجدت تجمعات بمنطقة ما بين الصخور الكربونية، ولكن الجميع كان متشككًا بشأنها، خاصة وأن كل الاكتشافات المصرية من الغاز كان في الخزان الرملي".

أما مدير الاستكشاف بإيني فرانسيسكو بارتيليو يعلق قائلاً "طلبت من أحد زملائي المصريين ترجمة معنى اسم الحقل "شروق" فأجابني بأنها تعنى شروق الشمس. لذا طلبت منه إخباري بما يطلقُونه على الشمس وقت الظهيرة، فقال (ظُهر).. وبذلك اُختِير اسمًا لهذه المنطقة قيد البحث اعتقادًا بأنه قد يجلب حظًا سعيدًا".

عقب الاكتشاف التجاري، وإعمالاً للمادة الـ6 من اتفاقية التزام شروق، تأسست شركة مشتركة بين إيجاس وإيني، أُطلق عليها اسم "بترو شروق" وهي شركة مساهمة.

سفينة Maridive zohr تجري عمليات البحث والتنقيب داخل منطقة الحقل

الشركة الجديدة حصلت على إعفاءات أيضًا، إذ تم استثناءها من تطبيق قوانين :" نظام العاملين بالقطاع الخاص – شركات المساهمة والتوصية – قانون هيئات القطاع العام – قانون شركات القطاع العام – قانون الأسواق المالية – أحكام الفصل الثاني من الباب السادس من قانون البنك المركزي بشأن التعامل بالنقد الأجنبي" وبذلك يُسمح لها الاحتفاظ بحساب مفتوح في إحدى البنوك الخارجية شرط أن يكون "مراسل للبنك الأهلي"، بحسب المادة السابقة.

الدكتور إبراهيم نوار رئيس الوحدة الاقتصادية بالمركز العربي للبحوث والدراسات، يوضح في حديثه للمنصة، أن الطرف المصري الذي وقع عقد شركة بترو شروق مع أيوك هي شركة "بترول بلاعيم" Petrobel التي تنوب عن الهيئة العامة للبترول في عمليات التنقيب، لافتًا إلى أنها مُكلَفة بالقيام بعمليات التطوير والتنمية وتشغيل عمليات الحفر.

بتروبل (بترول بلاعيم) تأسست بموجب القانون رقم 16 لسنة 1978، وهي شركة مساهمة مصرية بين الهيئة العامة للبترول وشركة أيوك برودكشن التابعة لإيني، وتقوم بإدارة عمليات الأنشطة المتعلقة بالاستكشاف والتنمية لـ7 مناطق امتياز ضمنهم حقل "ظُهر"

ويقول نوار، إن نسبة شركة أيوك التابعة لإيني في بتروبل غير معروف ولكن تقديريًا في حدود "10-20%" من إجمالي الشركة.

وبحسب تقرير صادر عن شركة شلمبرجير – إحدى أكبر الشركات العاملة في مجال خدمات حقول النفط- في الصفحة الـ13منه، يذكر أن بتروبل مُنحت عقدًا من الهيئة العامة للبترول بقيمة 170 مليون دولار لتوريد نظام إنتاج تحت سطح البحر للمرحلة الأولى من حقل ظُهر.

ويضيف التقرير الصادر في الربع الثاني من عام 2016، أن بتروبل حصلت على هذا العقد عقب إجراءها دراسة هندسية متطورة نتاج تعاون بينها وبين شركة إيني. متابعًا أن هيكل المعدات للمنصة البحرية طويل جدًا إذ يصل طول خطوطه لنحو 150 كم، ليكون ثاني أطول خط عالميًا، ويتكون من أنظمة تحكم وسلسة هبوط ونظام ربط وحماية وضوابط علوية وسفلية من تكنولوجيا الاتصالات بالألياف الضوئية وكشف للمياه ومراقبة الملوحة وتحليل المياه.

عام واحد فقط، كان كافيًا لإيني حتى تجني أرباح حقل ظُهر قبل أن يبدأ في الإنتاج، فجمعت مبلغًا بقيمة 2 مليار و434 مليون دولار، نتيجة لسياسة بيع الحصص بمنطقة امتياز شروق، الذي لم يُكلفها الحصول عليه سوى 30 مليون دولار فقط، وفي صورة خطاب ضمان وقعته لشركة إيجاس، حسبما ذكرت اتفاقية الالتزام.

ويلفت الدكتور إبراهيم نوار إلى أن إيني باعت حصص من حق الامتياز الذي حصلت عليه بنسبة "100%"، وهذا حقها طبقًا لاتفاقية الالتزام والقانون. مشيرًا إلى أنهم سيحصلون على جزء من إنتاج ظُهر مساوية لنسبتهم من ملكية الامتياز تُقتطع من حصة إيني، وسيتحملون جزء من تكاليف التنقيب والاستكشاف.

في بيان لإيني حول عمليات البيع تقول :"إن عمليات البيع نتاج لسياسة الاستكشاف المزدوج والذي يتأسس على بيع بعض أنصبتها في الامتياز لتسريع عملية الاستكشاف والبحث". لافتًةً إلى أن هذه الاستراتيجية مَكنت إيني من الحصول على 9 مليار دولار خلال أخر 4 أعوام".

بهذا دخل 4 شركاء جدد في امتياز شروق وحقل ظُهر، بريتش بتريليوم البريطانية التي اشترت 10% بقيمة 375 مليون دولار، علاوة على سداد تكاليف النفقات السابقة والبالغة 150 مليون دولار، مع إعطاء BP خيار شراء حصة إضافية بنسبة 5% بنفس الشروط، بحسب بيان صادر في نوفمبر 2016.

وشركة روسفينت الروسية التي حصلت على نسبة 30% من الامتياز بقيمة مليار و125 مليون دولار، إضافة لتسديد حصتها من التكاليف في شهر ديسمبر من العام نفسه، وفقًا بيان لإيني.

ثم في مارس الماضي، باعت إيني 10% من الامتياز لشركة شركة مبادلة للبترول التابعة لشركة مبادلة الإماراتية، بقيمة 934 مليون دولار، بحسب بيان للشركة.



الفصل الرابع: ظهور الكنز

بورسعيد.. يناير الماضي، الرئيس عبد الفتاح السيسي يتوسط حضور كثيف بإحدى قاعات مدينة بورسعيد حيث يبعد حقل ظُهر 170 كيلو مترًا فقط معلنًا دخوله مرحلة الإنتاج، معلقًا :"أنه سيوفر نحو 6 مليارات دولار سنويًا" كما صُور في هذا الفيديو.

منطقة تواجد حقل ظهر من شاطئ بورسعيد

يصل إنتاج المرحلة الأولى من حقل ظُهر نحو 350 مليون قدم مكعب يوميًا، وبذلك ستُسهم في خَفض الواردات المصرية من الغاز المسال بنسبة 25%، وتوفير 60 مليون دولار شهري، تعادل 720 مليون دولار شهريًا، وفقًا لوزير البترول طارق الملا.

لذلك يقول الدكتور إبراهيم زهران الخبير البترولي في حديثه للمنصة، إن هناك فجوة بين الاحتياجات والاستهلاك تُقدر بنحو ألف مليون قدم في اليوم الواحد، ولا يمكن الحديث عن الاكتفاء حاليًا. مُعلقًا :" "ميناء العين السُخنة لا تزال شاهدة على شحنات الغاز التي تستوردها مصر".

ويُضيف الملا في بيان وزارته الصادر في يناير الماضي إنتاج الحقل سيصل بنهاية العام المقبل إلى 2,7 مليار قدم مكعب/ يومي وهي مرحلة الذروة، ويُمثل ذلك نحو 50% من إنتاج مصر من الغاز، بتكلفة ستصل إلى 12 مليار دولار تُنفقها شركة إيني وشركاؤها، بحسب بيان الوزارة.

وستسترد إيني هذه النفقات أو التكاليف عبر خصم 40% من إجمالي الإنتاج كل ربع عام مالي "4 أشهر" ومن ثم ستوزع باقي النسبة بين الحكومة المصرية وشريكتها، حسبما قضت المادة الـ7 من اتفاقية التزام شروق في الفقرة "أ".


لكن إتفاقية الإلتزام، لم تُحدد فترة زمنية لاسترداد التكاليف. ويتساءل الدكتور عبد الخالق فاروق حول ذلك قائلاً "بافتراض أن الشريك الأجنبي صرف 12 مليار دولار، فإنه سيحتاج لـ 12 عامًا لاسترداد تكاليفه، بواقع الحصول على مليار دولار سنويًا".

وفي الفقرة "ب" من نفس المادة، تحددت طريقة اقتسام المُتبقي من إجمالي إنتاج ظُهر وهي 60% عبر تقسيمها إلى شرائح إنتاجية بشكل يومي تبدأ من 100 مليون قدم مكعب يومي وصولاً لأكثر من 500 مليون قدم مكعب.

وبلغ إنتاج مصر من الغاز الطبيعي 31,3 مليون طن متري خلال العام المالي 2015/2016، وهي أخر البيانات المتاحة والمُدققة، بحسب النشرة السنوية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادرة العام الماضي. أي قبل دخول حقل ظُهر في المراحل الإنتاجية.

ويُعلق الدكتور عبد الخالق فاروق قائلاً "إن حصة مصر من حقل ظُهر لا تكفي وحدها لتشغيل محطات توليد الكهرباء". مضيفًا أنه حتى تكتفي مصر ذاتيًا لابد لها من شراء الشريك الأجنبي أو جزء منها على الأقل.

وتعتمد مصر في إنتاج الكهرباء على الغاز الطبيعي بنسبة 80,6%، بمعدل استهلاك من الغاز يصل إلى 35,3 مليون طن متري سنويًا، بحسب التقرير السنوي الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في العام 2016.

ويتابع، أن مصر لديها التزامات أخرى دولية تتعلق بالتصدير سواء التعاقد مع شركة يونيون فينوسا الإسبانية التي تمتلك مصنعًا لإسالة الغاز في دمياط، والتعاقد مع الشركة المصرية للغاز الطبيعي المُسال ELNG - Egyptian Liquefied Natural Gas Co ومصانع الأسمدة الحكومية. فضلاً عن التعاقدات التي ماتزال سارية مع الجانب الأردني بخصوص الغاز.

ووصلت مشتريات إيجاس من الغاز الطبيعي المسال إلى 70 شحنة، فيما سيتم تقليص هذه الشحنات الاستيرادية إلى 30 فقط خلال العام الجاري، بحسب تقرير نشرته رويترز.

"كأننا نقوم بالاستيراد ولكن من داخل مصر"
المهندس صلاح حافظ رئيس هيئة البترول السابق متحدثا عن شراء مصر حصة الشريك الأجنبي

وكانت الحكومة المصرية وافقت لشركة دولفينوس، وهي شركة مصرية خاصة، على استيراد 64 مليار م3 من الغاز الطبيعي من حقول لوثيان وتمار بنحو 15 مليار دولار، بحسب تقرير نشرته بي بي سي.

منطقة انطلاق العمل في حقل ظهر على ساحل بورسعيد

المهندس صلاح حافظ رئيس هيئة البترول السابق يقول للمنصة، إن اتفاقية التزام شروق، تمنح وزارة البترول حق شراء حصة الشريك الأجنبي أو جزء منها، وتسُّعر ضمن بنود الاتفاقية الأساسية للحقل. واصفًا هذا الإجراء بأنه "كأننا نقوم بالاستيراد ولكن من داخل مصر".

وتعطي المادة السابعة من اتفاقية الالتزام "بند بيع الغاز"، الأولوية للوفاء باحتياجات السوق المحلي، كما تحددها إيجاس، وذلك بمقتضى عقد بيع طويل الأجل يُبرم بين إيجاس وإيني، وتكون مُسَعّرةْ بالدولار حتى يمكن تحويلها للخارج، في حالة الدفع نقدًا.

أما في حالة الدفع عينًا، فتُحسب مستحقات إيني من خلال تحويل قيمة الغاز وغاز البترول المسال "LPG" إلى ما يُعادلها من براميل الزيت الخام التي تحصل عليها إيني في نفس الوقت من المنطقة. أو إذا كان الزيت الخام غير كاف، يكون الأخذ من الزيت الخام المُستخرج من مناطق الالتزام الأخرى التابعة للمقاول أو من أي منطقة أخرى، على أن تُدرج المدفوعات المستحقة لإيني ببيانها المتعلق بالبترول المخصص لاسترداد التكاليف.

لذلك، "فإن معايير الشفافية الدولية تقضي بضرورة الكشف عن اتفاقيات التنقيب والاستخراج" بهذه العبارة يُنهي الدكتور إبراهيم نوار الحديث حول ظُهر.