أصدقاء الغريب| إلى أبي العزيز أحمد خالد توفيق

واليتم الذي يعاني منه جيل يائس من الحياة غريب في أرضه ازداد مرارة وقسوة برحيل أقرب الولائف إليه وأصدق الرفقاء المتبقين الذين نستدل بهم في عتمة الطريق.

ما أن قرأت الخبر حتى سارعت إلى الإنكار، لم أصدق أن تأتي النهاية مفاجئة بهذه السرعة القاصمة، وكأنه ليس بإنسان سيُكتَب عليه الأجل يومًا، وكأنه وُلِد ليخلد جسده خلود كتبه في العقول وخلود أفكاره في القلوب وخلود روحه التي سكنت بداخلنا وتلبّستنا وعشنا معها، فكان الصديق وقت الوحدة، المرشد وقت التيه، والحكيم وقت الاضطراب.

لا أحد يريد تصديق أن الموت قريب إلى هذا الحد، فما أن يربط بيننا الحب حتى نتناسى الموت وننكره، ربما لأننا لا نريد التصديق أن الفراق هو سُنّة الحياة، والبعد أجل محتوم القضاء.

ينصهر القلب حزنًا على رحيل الأستاذ وتتقطر النفس كمدًا على غيابه وينتاب الجميع شعور حقيقي بأن المفقود أبوه، وربما كان أقرب إلى البعض من أبيه بالنسب، فالأبوة الفكرية والروحية التي خلقها أحمد خالد توفيق تتفوق على أبوة الدم.

واليتم الذي يعاني منه جيل يائس من الحياة غريب في أرضه ازداد مرارة وقسوة برحيل أقرب الولائف إليه وأصدق الرفقاء المتبقين الذين نستدل بهم في عتمة الطريق. الأمل الأخير الذي يثبّت أقدامنا على صدق الحقيقة التي آمنا بها يومًا.

رحلت مع رحيله طفولتنا ومراهقتنا، وماتت مع موته ذكريات وخواطر شكلت ملامح جيل كان هو صانعها وبطلها.

إلى جانب الوحشة الموجعة التي خلفها وراءه، هناك وحشة أخرى زادت الأمر غصة، هي وحشة التوقيت، لم أكن أريده أن يموت الآن في تلك الحقبة المظلمة، وهو الذي اختتم آخر مقالاته عنها بدعوته إلى الله لحفظ الأجيال القادمة والتي يرى أن مستقبلها مظلم يختفى منه أي بصيص للنجاة.

أتمنى بخيال الطفل أن تشاهدنا من عليائك ولا تحرمنا بالكامل من وجودك، فليس لدينا القدرة على احتمال فقدانك.

لقد رثانا وقتها قبل أن نرثيه، وحزن علينا قبل أن نحزن عليه، لذا كنت أتمنى له أن يعيش سنوات أخرى لعل وعسى نصل معه إلى قارب النجاة الذي نبحث عنه، ويرى مصر التي أحبها كما كان يتمنى ويحلم فيموت على الأقل سعيدًا مغتبطًا بأبنائه مرة ثانية وهم يعيدون تشكيل الحاضر بأيديهم.

ولكنها إرادة القدر التي لا راد لها ولا اعتراض على حكمها، إرادة قررت أن تحرمنا من آخر قشة يتعلق بها الغريق وتفقدنا آخر صخرة أمان نلجأ إليها وقت هياج البحر وهبوب الرياح التي تعصف بكل ثابت صدقناه، لتتركنا إلى وحوش الحياة المزيفة التي لا تعرف رحمة ولا هوادة، لتقلب موازين الصدق والحقيقة وتحطم بداخلنا ما أراد الأستاذ أن نبنيه.

أتمنى بخيال الطفل أن تشاهدنا من عليائك ولا تحرمنا بالكامل من وجودك، فليس لدينا القدرة على احتمال فقدانك، فلنتصبر إذن بهذا الخاطر أن تبقى روحك معنا. لست أقول وداعًا أيها العزيز فالوداع لا يليق بالآباء، ولكني أقول إلى لقاء قريب نلتقي فيه معك يوم أن تجمعنا الأرض التي غرزت الإيمان بها بداخلنا ونسجت الحلم بقوتها في خيال العقول الصغيرة.

ولن أبكيك أيضا فهذا الفيضان من الحب الصافي الحقيقي، والذي اجتمعنا عليه باختلافنا، تشرذمنا، يأسنا وتيهنا، لن يقبل سوى بالفرح، هو اللغة المشتركة التي جمعت بيننا نحن العامة في تلك اللحظة الفارقة.

فهنيئا لمن وحد الأقطار في مصر بحبه، وسَحَرَنا ببساطته وألفته، فمشينا وراءه مشدودين فاقدي الإدراك بالزمن والمكان، يحركنا فقط شعور واحد جامع، وهو الحب؛ حب الطفوله الأول الذي اكتمل بنضج الشباب ولم يهتز ولم ينقص بحكم النضج العمري، بل ظل على ماهيته، بريئًا وواضحًا كما قرأناه أول مرة في رواياته واختتمها بمواقفه وانحيازته والتي كانت الإجابة فيها هي انتخاب الحق والحق وحده.

رحم الله العم العراب، الذي حمل وجوده الدفء، وكان البوصلة الموجهة للطريق الصحيح.

لا أجد أمامي سوى الدعاء الصادق النابع من القلب، الذي حجزت لنفسك مكانا فيه دون إرادة، فهو خير ما قد يجود به اللسان، وصلاة سرية في غياهب الليل هي أفضل ما نستطيع أن نقدمه إليك، فليشملك الله برحمته الواسعة ويسبغ صبره على قلوبنا المفجوعة بفراقك.