أصدقاء الغريب| أكثر من أبٍ روحيّ

بقدر حزني على رحيله، أنا سعيدة من أجله، عاش أديبا شريفا ومعلما صادقا ومات على ما عاش عليه، كبقعة صافية من السماء لم يغشها الغيم أبدا.

لم يكتب الرجل فقط سلاسل قصصية مشوقة وممتعة وجديدة، أو روايات واقعية ساخرة، بل كان كمن فتح بابا للمعرفة لن يغلق أبدا..

في تلك الكتيبات الصغيرة من سلاسل ما وراء الطبيعة وسافاري وفانتازيا، عرَّفنا أحمد خالد توفيق بدوستويفسكي وباولو كويلو، ودان براون، وتشيكوف، وأوسكار وايلد، وكل عظماء الأدب العالمي الذين لم يكن ليعرفهم الكثير لولاه.

هذا الرجل نجح في لم شتات الشباب الذين ازدرتهم الدولة بكامل مؤسساتها، ورأتهم فقط لا يصلحون إلا للموت أو السجن، انتشلهم هو من غياهب جهل التعليم البائد الرتيب إلى نور الثقافة والفكر، اهتم بقضاياهم وساندهم ووقف إلى جانبهم في وقت تخلى فيه عنهم الجميع بمن فيهم بعض ذويهم وأقاربهم.

لا تستكثروا عليهم حزنهم على فقده، فقد خسروا آخر من كان يرعاهم بصدق، من كانوا يذهبون إليه باكين فيخرجون من عنده وقد علت ضحكاتهم بعد أن وصل صوت نحيبهم إلى حدود السماء.

تعودت منذ ما يقارب الـ15 عاما قبل أن أعرف طريق "جوجل" وموسوعة ويكيبيديا حين وقعت يدي على أول كتيب له، أن ألتهم كل محتوى كتب عليه "أحمد خالد توفيق"، مدونةً كل أسماء الكتب التي أجدها في هوامش كتبه، لأشتريها فيما بعد. فدخلت إلى عوالم في القراءة لم أكن لأدخلها لولاه.

وقبل عدة أسابيع كنت أطالع إحدى مقالاته، وقلت في نفسي: رباه كم يجيد هذا الرجل أن يعبر عما بداخلي بدقة أعجز أنا نفسي عن التعبير بها، وأوقن أن هذا ليس شعوري وحدي، وبالأمس تحققت من يقيني هذا.

إنه أكثر من مجرد أديب، إنه عالم بأكمله، دخلنا إلى عالمه فجعلنا نقرأ ونبحث فنقرأ أكثر، ونكتب فنكتب أفضل، علمنا ما لم تنجح المدارس ولن تنجح في تعليمنا إياه.

بقدر حزني على رحيله، أنا سعيدة من أجله، عاش أديبا شريفا ومعلما صادقا ومات على ما عاش عليه، كبقعة صافية من السماء لم يغشها الغيم أبدا.

رحمة الله عليك أحمد خالد توفيق