أصدقاء الغريب| قصاصات غير قابلة للحرق

يتعاظم الروع حين نفقد أشياء كنا نحسبها تواجه عنا، تقف كحائط بيننا وبين هذا العالم الأليم، ثم نكتشف فجأة أن هذا الحائط تلاشى وتلاشت معه المقاومة


العنوان مأخوذ عن كتاب "قصاصات قابلة للحرق" للدكتور أحمد خالد توفيق


قصاصة (1)

"بل الموت يختار ببراعة.. يختار الأفضل والأنبل والأشجع".

د.أحمد خالد توفيق

الحقيقة أننا أطفال مذعورون؛ بكل ما نحمل من خفة أحيانا وثقل أحيانا أخرى، نبكي أنفسنا في كل مرة نفقد فيها أحدهم، والحقيقة أيضا أننا أنانيون؛ لا ينتابنا الحزن إلا على ذكرياتنا.

رحل اليوم د. أحمد خالد توفيق، وأمس رحلت ريم بنا، وقبلها رحل خالد صالح، ومنذ يومين رحل أحمد ذكي، " كأنها وكأنهم أيام "؛ منذ وقت بعيد أصبحنا نميز اليوم برحيل ما. وأصبحت الأيام متشابهة لا يميزها إلا رحيل ما أيضا. أصبحت الخسارات تؤرخ لحياتنا، نحصي الخيبات والانكسارات وننشيء من خلالها تقويمًا خاصًا؛ حدث هذا قبيل رحيل فلان، أو بعيده، لا يختلف الأمر كثيرا.

صحيح أن مرارة الفقد لها طعم معدني صدئ يملأ الحلق حتى يختنق المرء أو يكاد. لكن الحقيقة أننا نخلد ذكرى من مات ونؤطر صورته ونظل نترحم عليه؛ لنشعر أنفسنا أننا خالدون، لن نزول، ولن نلقى نفس المصير. لن ينسانا أحد. الحقيقة أننا لا نُعلي سوى قدر الميتين أما من عاش بيننا طويلا، فنصيبه الإهمال، ولعنة النسيان، سيرانا نفضل أنفسنا؛ لا نحمل هما لأي شيء.

قدر علينا أن تظل تغادرنا أشياء كثيرة طوال حياتنا، تتساقط من بين أصابعنا، بينما نحركها رغما في بحر الحياة الهادر، بعضها زهيد الثمن، وبعضها الآخر نفيس. لكن يتعاظم الروع حين نفقد أشياء كنا نحسبها تواجه عنا، تقف كحائط بيننا وبين هذا العالم الأليم، ثم نكتشف فجأة أن هذا الحائط تلاشى، وتلاشت معه المقاومة، حتى تهاوينا في قلب الزمان والمكان، لا نعي سوى هول الخسارة.

أذكر جيدا تلك الصدمة التي انتابتني حين رحل أحمد زكي -رحمه الله-، كأول رحيل لشخص أحبه، وليس هناك سبيل لألتقيه؛ فأعبر له عن عِظَمِ هذا الحب وكل هذا التأثر! أذكر هذا الحزن الذي لم أفسره، وخفت أن أحكيه لأي ممن رأيتهم يومها؛ حزن من عاش عمره يخشى ضياع ما لا يملك، حتى خسر حياته كلها أصلا في هذا الخوف.

ليس لدي موقف أثير مع د. أحمد لأرويه، ولست ممن فتح أعينهم على عوالم القراءة الفسيحة، لم تربني مؤلفاته، بل تفتَّح وعيي على "فلاش" للأستاذ خالد الصفتي، فلم أعرف د. أحمد إلا في مراحل متأخرة من رحلتي القرائية، معرفة لم أحفل بها كثيرا، لكنني لم أندم عليها قط، ولا حتى كنت من الذين ألهب خيالهم بسوط كتاباته، فانكفأوا يكتبون بلا روية. لكنني أعرف لكل ذي قدر قدره، أعرف قدر رجل لم يبع موهبته، رجل أدرك أن لا فائز إلا من قال لا من خلال في وجه من قال نعم عبر سيمفونية هادئة لحياة طيبة بسيطة المعطيات.

صدقًا فكرت ألا أكتب هربًا من أي عبثية قد تحملها كلماتي، استحيت أن أكون كمن يصر على الكلام عن شيء يجهله، لكني خفت أن ينفجر الحزن في قلبي، ولا مهرب لي إلا بالكتابة. إنني منذ علمت بوفاته أفكر، ما سبب كل هذا الحزن ذي الدبيب الخافت في قلبي؟

جيل كامل يستيقظ كل يوم على فجيعة جديدة، بدءًا من أصدقائه الذين يتساقطون، انتهاء بنجومه التي طالما كانت ترشده، شعور بالانكسار الجماعي، لجيل ضاع منه كل شيء قبل أن يبدأ

إنه لم يكن يوما كاتبي المفضل، رغم أني لم أسقطه من اعتباراتي القرائية، ولم يكن يوما عرّابي؟ فلم كل هذا الحزن؟!

قلبي صار يؤلمني كثيرا مؤخرا؛ لم أعد أحتمل المزيد من الخسارات، لم يعد أحدنا يحتمل، جيل كامل يستيقظ كل يوم على فجيعة جديدة، بدءًا من أصدقائه الذين يتساقطون، انتهاء بنجومه التي طالما كانت ترشده، شعور بالانكسار الجماعي، لجيل ضاع منه كل شيء قبل أن يبدأ حتى في البحث عن هذا ال "كل شيء". شباب لم يعلمهم أحد كيف يحتملون قساوة هذا العالم وأذاه المستمر، حين يكتشفون فجأة أنهم هم الكبار.

قصاصة (2)

"ستكون مشاهد جنازتي جميلة ومؤثرة لكني لن أراها للأسف برغم إنني سأحضرها بالتأكيد"

د.أحمد خالد توفيق

صديقة تسأل " هل سيتهمني الناس بالجنون إن رأوني متشحة بالسواد حدادًا على كاتبي الأثير؟"

تستقبل عيني منذ الأمس رسائل محبة صادقة إنما صًنعت بود يخالطه حزن لهذا العرّاب، تترجمها إلى عقلي الرافض، حتى يكاد أن يتوقف، وتنغلق عيني على ألم. أشخاص كثر لديهم موقف ما مع هذا الرجل، تربيتة، "تطييبة خاطر"، أو حتى نقاش سريع، يهدهم الحزن بينما يحكون.

صديق يطرح على جداره الشخصي على الفيس بوك هذا السؤال "ما الخبيئة التي بينك وبين الله ليحبك كل قرائك"، ويرثونك ويعزون بعضهم بعضا فيك؟، حتى يشعر من يرى هذا المأتم الافتراضي الهائل على بعد، كل حزين هو من أهل الفقيد.

ماذا فعلت يا د. أحمد لتنال كل هذا القدر من الاحترام، وتستحق كل هذه الهالة الزرقاء من الحزن، الحزن الذي من فرط جلاله لا ينبغي أن نبذله إلا لشيء يستحق أن تنفرط بغيابه حبات القلب.

يعصف الحزن بشباب كثر كانوا يعتبرونك أبا لهم. ويعصف الحزن بي إذ لا أحتمل تفاصيل الموت. لكل منا سببه، وكلنا يعيش حزنا خاص به، لكنه تحت أي مسمى يكون حزنًا، ينغز القلب، ويوغر الصدر.

قصاصة (3)

" ما أعنيه بقوة الضعف .. ثمة كائنات هشة يبلغ من ضعفها أنها قوية جدًا، وأنها قادرة على ترويض المردة. انعدام الحيلة قد يبلغ مبلغًا يحرك الجبال. ليست هذه بالطبع دعوة لأن نكون ضعفاء.. لكنها دعوة لأن نتذكر القوة الكامنة في الحب والعطف. الحنان يسري في الاتجاهين، وكما نمنح الحنان للآخرين فإننا نتلقاه في اللحظة ذاتها، كالمعادلات ذات الاتجاهين التي كنا ندرسها في حصة الكيمياء. هناك قوة ربانية عليا تحمي الضعفاء وترعاهم، بشرط ألا يزول الحب والرحمة من قلوب الآخرين .. "

د.أحمد خالد توفيق

أطفال يهرعون إلى المكتبات في عمر تفتُّح الزهور، يتهافتون كل على الكاتب الذي يشعر بأنه قريب من روحه، الكاتب الذي يصلح أن يكون عرابه. جيل ليس له إلا القراءة، أو اللهم بعض ما يعرضه التليفزيون ويكون مفيدا. يكون الملل صديقًا ملازمًا لمن لا يعرف كيف يقتنص هواية تشغله.

مراهقون متمردون، لكنهم ما زالوا يحتفظون بعرَّابهم داخل أعصاب أنهكها صراع تافه ولكن لا تحتمله أجسادهم. يثورون على كل ما حولهم إلا هذا العراب.

إنها قوة الضعف يا صديقي، ما يفسر كل هذا الحزن، هذه الابتسامة الخجول الطيبة، والباب المفتوح على مصراعيه، الذي لم يغلق يوما في وجه أحد

ثم شباب ما زال البعض منهم يحتفظ بعرابه، ثم يخالط سواد شعرهم الشيب فيسقط معظمهم فريسة الهموم اليومية، يظنون أنهم نسوا أسطورة العراب، حتى يقرر العراب أن يودعهم وداعا حقيقا لا مواربة فيه، فينهارون. يكتشفون أن كل ما مضى كان محاولة لخنق ما يعتمل بداخلهم من رغبة في المحافظة على ما تبقى منهم من سُنى الطفولة المضيئة.

ستجيب هذه الفقرة من مقال د. أحمد "قوة الضعف"، هذا السؤال، إنها قوة الضعف يا صديقي، ما يفسر كل هذا الحزن، هذه الابتسامة الخجول الطيبة، والباب المفتوح على مصراعيه، الذي لم يغلق يوما في وجه أحد. أن تجعل بينك وبين الله ضعفًا، فيجبره لك بقوة لا تتخيلها أنت، فيقيض لك جيوشًا بأكملها تدافع عنك، وأعين تبكي لأجلك، وأيد تفعل الخيرات واهبة لك الأجر. أن تجعل الحنان الذي تفيض به يداك، رمية قوس تصيب قلب الهدف، ثم يرتد أثرها إلى يديك ثانية؛ لكثرة ما بذلت.

قصاصة (4)

" إن كل إنسان مهما صغر شأنه يحوى طاقة روحية إنسانية يمكنك أن تحبها متى دنوت منها .. صحيح أن هناك أناسًا ميئوسًا منهم لا يمكن أن تحبهم مهما فعلت .. هؤلاء هم أغبياء الروح .. أصحاب الأرواح المغلقة".

د.أحمد خالد توفيق

على النقيض تمامًا من ذوي الأرواح المزهرة، يربض أغبياء الروح، هكذا وصفهم د.أحمد، الذين لا يستطيع أن يحبهم أحد مهما سعوا. أصحاب الأرواح المغلقة، الذين لا يتورعون عن محاولات القطف، التشويه، لمن يحظى بهذه الهالة الوردية من حب الناس.

هل من المقبول أن تلوم أحدهم على حزنه الجم في مأتم والده، بينما تراب المقبرة ما زال ينفضه عن ملابسه؟

ألسنة قليلة مشوهة كأنها تلتهب بشوربة ساخنة جعلتها لا تدري ما تقول، يحاولون أن ينالون من هذا الحزن الشفيف، وهذه المحبة الخالصة المبرأة من كل مصلحة، والود المنساب. صحيح أن السخرية سلاح قوي وفعال، لكنها ما تلبث أن تكون صدئة حين يمسك بها شخص غبي؛ قرر فجأة أن يتنكر لكل هذه السنوات من العطاء، أن يكيل الاتهامات لمن قادهم الحزن لأن يرفعوا أيديهم بالدعاء.

قصاصة أخيرة

"وداعا أيها الغريب، كانت إقامتك قصيرة ، لكنها كانت رائعة.. عسي أن تجد جنتك التي فتشت عنها كثيرًا.

د.أحمد خالد توفيق

كنت قد قرأت في أحد مقالات د. أحمد أنه يكتب قصاصات كثيرة وغير مفهومة، حتى أنه ينسى إلى أي صورة كان يريد إحالتها، وأنها تظل دومًا معرضة للحرق أو الضياع- لا أذكر في أي مقال بالظبط فذاكرتي لا يعول عليها-، لكن هذه قصاصاته، ليست قابلة للحرق، كما هي المحبة ليست قابلة للمزايدة.