أصدقاء الغريب| الناجح في اختبار الثورة

اختطفتنا الثورة لسنوات، توقفت فيها عن كل شيء، لم أبحث عنه ولا حاولت، كنت أخشى أن يسقط كغيره في هوة لم ينج منها رفيقه وصديقه اللدود نبيل فاروق.

مر يومان على الرحيل. أحاول الكتابة عنه ساعة وراء الأخرى، أفشل غالبًا في صياغة الجمل، تخونني العبارات، فما جرى كان حادًا ومفاجئًا. حاولت استيعاب الأمر، أنتِ قوية بما يكفي، كبيرة بما يكفي، لا تبكِ الآن لن يفيده بكاء ولن ينفعه رثاء، قلت لنفسي كثيرًا واقتنعت، اقتنعت لدرجة الانهيار، أغلقت ذلك الباب الخلفي مذعورة وبكيت لدقائق معدودة حتى أجبرني ابني الصغير على الخروج.

خرجت مجبرة وأنا أستعيد شريط عمرى مذ كنت في المدرسة الإعدادية، أول قصة، "أسطورة النداهة"، تلك الرجفة والغرابة، الرفض، نعم، رفضت هذا الغريب كلية، ذلك الرجل الكئيب الأشيب النحيل بشدة، رفضته. لم يكن وسيما كما ينبغي، ولا فتيًا ولا يحمل سوى قلب وعقل كبيرين. رفضته لعام أو اثنين حتى قررت يومًا أن أعاود الكرة وأن أقرأ من جديد، واكتشفت وقتها كم كنت -كما كان يقول دائما - ساذجة ولأبعد الحدود. تسلل لروحي بهدوء وسلاسة، صرت أنا التي اعتادت القراءة لكبار الروائيين عربًا وأجانب انتظر إجازة نصف العام وآخرها بشغف شديد لأحصل على المزيد والمزيد.

صارت تعبيرات د.رفعت وسخريته المريرة من كل شيء جزءًا لا يتجزأ مني ومن كل من كُنّ حولي. سنوات وسنوات مرت، كتب فيها الرجل كثيرا، كان جل ما يكتب خياليا بشدة وواقعيا بشدة، وحتى اليوم لم أفهم كيف أمكنه أن يفعل ذلك، أكاد أجزم أني قد قابلت د.رفعت أو عبير في مكان ما يوما ما، أعرف أني قد رأيتهما هنا أو هناك أما علاء فقد كان أول احتكاك لنا بعوالم الطب، كان هنا يكتب عن خبرته كطبيب وعن تخصصه في أمراض المناطق الحارة، كان رائعًا وبسيطًا حتى أننا صرنا نظن أنفسنا أطباء بالفعل.

الصدق والبساطة جعلا منه أسطورة حقيقية. كان يرد على قرائه عبر البريد قبل عصر المدونات والسوشيال ميديا وغيرها، وكان ينشر لهم قصصهم. بعضها كان ساذجًا للغاية، ولكن من منا لم تكن بداياته كذلك.

كبرت أنا وتخرجت ولا زالت كتبه أول ما انتظر وأول ما أقرأ يوما بعد يوم، حتى قررت التوقف يوما. هكذا ودون سبب واضح، كنت كبرت بما يكفي وصارت دنياي أكثر كآبة ووحدة، قررت التوقفذ حتى كتب يوتوبيا مجزأة على حلقات بجريدة الدستور، تلقفتها غير مصدقة، عدت للقراءة بعنف أشد، حتى ذلك اليوم العزيز 25 يناير.

اختطفتنا الثورة لسنوات، توقفت فيها عن كل شيء، لم أبحث عنه ولا حاولت، كنت أخشى أن يسقط كغيره في هوة لم ينج منها رفيقه وصديقه اللدود نبيل فاروق. خفت بشدة حتى أني كنت أتجاهل أي مقال له عن عمد، حتى غلبني الفضول يومًا وعلمت للمرة الألف مدى سذاجتي؛ لم يسقط الرجل وظل على مبادئه لم يهتز، خطه الإنساني لم يتغير، الإنسان لديه هو الأهم، هو الأعلى. ازددت احتراما وحبا وتبجيلا، تابعت مقالاته عن كثب، حتى رأيت صديقًا ينعيه على صفحته، نعم، لقد رحل، هكذا أكد لي مرارًا حتى تيقنت، سكنت تلك الروح القلقة المتقدة إلى الأبد. سكنت ولن تعود للدوح والشدو من جديد.

وداعا سيدي الفاضل وأستاذي المبجل، وداعا. فقد احترقت النجوم حقا هذه المرة، احترقت هي وبقينا نحن هنا نجتر مزيدا من الأسي حتى ذلك اليوم المعلوم .