أصدقاء الغريب| لهذا أسميناه "العراب"

كيف تعتب على جيل تربى على كلمات أديب استطاع بأسلوبه السلس أن يخلق جسرا للتواصل مع قرائه طوال سنوات عديدة

ما بين أوراق ممزقة وأكثر من ملف "وورد" مفتوح على شاشة اللاب توب، تناثرت كلماتي و تشتّتت أفكاري. عاد بي الزمن لأول مرة حاولت أن أكتب قصة وأنا في سن السادسة، ولم أكتب سوى أربع أو ست كلمات بعد قضاء يوم بأكمله أمام الورقة، اليوم، داهمني نفس الشعور، لكنه مُحّمل بالمسؤولية.

"أتمنى أن أبكي و أرتجف. ألتصق بواحد من الكبار. لكن الحقيقة القاسية هي أنك الكبار"

ربما هى أقرب عبارات دكتور أحمد خالد توفيق التي تستطيع أن تصف صدمتي برحيله.

جيل الثمانينات و ما وراء الحقيقة

في سؤال أحد كبار الإعلاميين :"لماذا يلتفت الشباب حول نعش د أحمد خالد توفيق؟ و لماذا يسمونه العراب؟" إجابة خاصة لجيل الثمانيات _دون غيرهم_.

مع بداية عهد الانفتاح الاقتصادي وانشغال الأهل في جمع الأموال وسفر الأب لدول الخليج لشراء الفيديو والمروحة والكاسيت، لعبت المرأة دور الأب والأم. وأحيانا كانت تسافر هي الأخرى للعمل وتترك الأبناء بين الجدة والجيران.

فقد الجيل روح الأسرة وفقدوا من يوجههم للصواب ومن يراقب خطواتهم في الحياة، لم يكن منتشر- اّنذاك- سوى "الأتاري" ومكتبة الطفل التي بها سلسلة "ما وراء الطبيعة" للدكتور أحمد خالد توفيق.

أذكر كثيرا أنني كنت أسهر خلسة على ضوء "الأباجورة" أقرأ ما وراء الطبيعة لأنني لا أستطيع أن أفتح التلفاز ليلا.

تبدلت الحياة لجيل الثمانينات كثيرا و سريعا، فظهور الفيديو ونوادي الفيديو واختفائها السريع وحل محلها "الدش" والقنوات الفضائية العربية و الأوروبية وظهور الكمبيوتر والإنترنت. اختفى الأتاري وحل محله البلاي ستيشن. ووسط كل تلك المتغيرات، ظل دكتور أحمد خالد توفيق إلى جوارنا و ظل "رفعت إسماعيل" متمسكا بمبادئه.

المشهد الذي لم يلتفت أحد إليه، هو نعي الشباب لبطل ما وراء الطبيعة "رفعت إسماعيل" بعد ثورة 2011، ووسط ظروف سياسية مضطربة.

لم نعاتب أحد على حب جمال عبد الناصر لأننا نتفهم جيدا أنه أغنى الفقير و أنصفه ولم نعتب على السيدات حبهم للرئيس عبد الفتاح السيسي لأنه دائم الحديث عن دور المرأة والإشادة بها وقت أن فقدت التقدير من أسرتها وأرهقها زوجها بالمسئوليات.

كيف تعتب على جيل تربى على كلمات أديب استطاع بأسلوبه السلس أن يخلق جسرا للتواصل مع قرائه طوال سنوات عديدة، وقت أن انشغل عنهم الأهل؟ لا أعتب على الأجيال الأخرى عدم معرفتهم بدكتور أحمد خالد توفيق، لأن ببساطة لم يهتموا بجيلنا منذ الصغر و لم يفهموا لغتنا.

و لذلك د.أحمد خالد توفيق هو عراب الجيل.

3 أبريل بعد صلاة الظهر

تحققت نبؤة العراب بموعد دفنه قبل سبع سنوات من وفاته، أي منذ إصدار روايته "قهوة باليورانيوم". وفي مشهد صادق، أتى إليه الشباب من شتى المحافظات ليودعوه حيث امتلأ مسجد السلام والشوارع المؤدية له بمحافظة الغربية/طنطا أثناء الجنازة.

ودعوه بالحزن الصادق المرتسم على وجوههم و بعبارة ودً أن تُكتب على قبره :"جعل الشباب يقرأون".

يختلف كثيرا د.أحمد خالد توفيق عن صورة الأديب المعروفة، فلم يكن من رواد المشهد الثقافي ممن يترددون على المقاهي أو ينتمون إلى الشللية أو يحتكرون الجوائز في المسابقات الأدبية. بل كان إنسانا.

هاجمه العديد من النقاد لبساطة أسلوبه، لكنهم لا يستطيعون أن ينافسوه في شعبيته.

أثناء قراءتي للسير الذاتية للكُتاب، كنت دوما أتوقف أمام جنازة تشارلز ديكنز، أُسرها في نفسي وأتمنى أن يكون لي جنازة مماثلة، فهو الكاتب الوحيد الذي خرجت بريطانيا كلها تنعيه ولم يكن ذلك بالمتعارف عليه من قبل إلا في الجنائز الرسمية للملوك.

حاولت أن أسير في الشوارع هائمة، أملا في أن تتوقف حركة الحياة لدقائق أو أن أرى دموع على وجنتي أحد مثلي أو أن تمتنع الشمس عن السطوع أو تحترق النجوم حزنا عليه.

و رغم أن كل ذلك لم يحدث ولم تتوقف فاعليات ثقافية في معرض الكتاب أو تنسق ندوة باسمه، إلا أن البعض يستنكر حزن جيل بأكمله على وفاته.

كانت حتفرق في الوداع

لم يحالفني الحظ أن أقابله سوى مرة واحدة في نوفمبر 2016 بمكتبة الأسكندرية قبل ندوته بالمكتبة، التي توقفت بسببها حركة السير في شارع بورسعيد، وتم وضع شاشة عرض أمام قاعات المكتبة ليتمكن من هم خارج المكتبة من متابعة الندوة.

قابلته لأكثر من ساعة وكنت في غاية الاضطراب. عرَّفت نفسي بأنني إحدى قرائه، ولي الشرف أن يتجسد أمامي من كتب سلسة (ما وراء الطبيعة) التي كانت إحدى أمنياتي أن ألقاه يوما، فكيف أن أجلس معه قبل ندوته بساعة كاملة؟

زال الإحساس بالاضطراب ما أن جلست إلى جواره وأنصت للأحاديث الموجهة إليه من الحضور وكان أغلبها حول وفاة "رفعت إسماعيل" أشهر أبطاله وعلاقتها بثورة 2011. كانت ردوده طبيعية بها قدر عال من الثقة و خالية من العجرفة.

ما أن تحدثت إليه حتى استمع لي بإنصات شديد، بالطبع كان الانبهار مسيطرًا عليَ، فقدوتي أمامي وخاصة أنني أشبّه تجربتي بتجربته في المزج بين الطب و الأدب. فقصّ لي أن أبناءه "محمد و مريم" أيضا يدرسان الصيدلة الإكلينيكية بجامعة طنطا، لكنهم خارج المجال الأدبي ولم يقرءا له. فأخذ الحوار يقترب للحميمية وشعرت أنني بجوار أبي.

و أثناء خروجنا من مبنى المكتبة لمبنى القاعات كان الزحام شديد داخل وخارج المكتبة وقابله بالتلويح الشباب.