أصدقاء الغريب | لماذا نرثي العراب؟

عشرون عام كاملة عشناها في رحاب كلماته، نتنقل بين أدب رعب وفانتازيا وخيال علمي و سياسة ومقالات. إنها تربية كاملة وصناعة وجدان جيل بأسره. حقائبنا لا تخل من رواية له، ومكتباتنا عامرة بإصداراته.

مشاعرنا.. تلك التي تحركنا وتتحكم بعقولنا. تعافر وتصارع أي محاولة للتعقل، لتنتصر المشاعر في النهاية وتنطلق من داخلنا معبرة عما يخفى في النفوس، وكلٌ يعبر بطريقته و موهبته، فالبعض يعزف لحناً يقول به ما يشاء والبعض يرسم لوحة بألف كلمة و البعض يحتقن بحزنه حتى ينفجر دمعاً يريحه من عناء الحميم المعتمل بنفسه، والبعض اختار أن يكتب.

إذا صدقنا القول فإن من يكتب لا يختار الكتابة بل هي من تختاره وتصطفيه، فلا وسيلة له غيرها ليعبر عن مكنون صدره. هكذا هو الحال في دفء البوح، فلو استقرت الكلمات داخل النفوس لأحرقتها، فكان لابد لها أن تخرج رثاءً بعدما أصبح البكاء غير كافٍ، لعلنا نجد العزاء في بعض الكلمات و لعلها تلهمنا بعض الراحة والسلوى..

هكذا بكيناه بدماء القلب ورثيناه بدمع الأحرف. كتبنا لترتاح الأنفس من ثقل ما تحمله من حزن، كما كان يكتب هو لترتاح نفسه. نرثيه وفي الواقع نرثي حالنا من بعده، فلقد تركنا في حالة من اليتم الثقافي والروحي.

كيف لا وهو عراب الكثيرين. تتلمذ على يديه كتاب الجيل من الشباب الواعد. فها نحن نرى الأستاذ المهندس أحمد القرملاوي يفوز بجائزة الشيخ زايد للمؤلف الشاب عن رواية "أمطار صيفية" ويدين بالفضل للدكتور أحمد خالد توفيق.

ولا عجب أن يأتي من لايعرفوه حق المعرفة ومن لم يقرأ له بحق ولم يتربى على يديه، فيتشقدون بنقده ويتهمونه برداءة المستوى وتكريس نوعية رديئة من الكتابة أدت لإفساد المهنة وإفساد الذائقة الأدبية، كم هم حقًا مساكين، يطلون من برجهم العاجي، يظنون أنهم عظماء بعد أن سول لهم غرورهم ذلك.

حاشا لله ألا نقنع بقضاء الله، فالموت حق على كل مخلوق، ولكن له في قلوبنا مكانة عظيمة وكان في الحياة قامة أعظم. هو من القلائل الذين تغدو الدنيا بوجودهم أفضل، فغابت عن عقولنا إمكانية رحيله في يوم ما. نكتب مشاعرنا عن وفاته لتكون لنا عزاء في رحيله، فكم هو عظيم رحيل المعلم الأول للكتابة في جيل كامل نشأ يقرض أظفاره كل شهر منتظراً أعداد سلاسله. كم تمنيت مراسلته وخجلت، كم تمنيت لقاءه وأجلت. كم تمنيت صداقته واستكبرتها، كم تمنيت أن يقرأ ما أحاول كتابته ويبدو شبيهاً لأسلوبه. جيلنا استقى اسلوب كتابته وحروفه من تميزه وتفرده، كان أول من كتب (سعيد كخنزير بري). رحمة الله عليه.

شعوري إثر وقوع خبر وفاته علي (لا شك أن هذا مستحيل.. لا شك أن هذا لم يحدث له.. الآخرون فقط هم من يموتون، أما هو فلم ألقاه بعد) – عن رواية شآبيب بتصرف.

لن أستطيع أن أحكي ذاكرة جيل بأكمله، ولكن إحقاقاً لرثائه، فهذه هي قصتي الشخصية ورحلتي مع كتاباته.

في الصف الثاني الإعدادي

في مدرسة متوسطة وثانوية مرات للبنات بالمملكة العربية السعودية، بدأ الشغف بروايات مصرية للجيب مقترناً بروايات دكتور نبيل فاروق ملف المستقبل ورجل المستحيل، حتى قابلتها في المرحلة الثانوية. صديقة سعودية عزيزة. كنا نتبادل الكتب والروايات فيما بيننا، وتلك كانت عادة في مدرستنا. فإذا ما اقتربت الإجازة، تبادلنا الكتب على اختلاف ألوانها. وكان لدي الكثير من روايات مصرية للجيب مقتصرة على سلاسل دكتور نبيل فاروق, وبلدتنا لم تكن بها مكتبة عامة ولم يكن لدينا وقتها انترنت أو فيسبوك. هي من عرفني على الأستاذ. سألتني مستنكرة "ألا تقرأين لـ د. أحمد خالد توفيق!".

أهدتني رواية من منتصف سلسلة ما وراء الطبيعة في ذلك الوقت. وحدث بعدها ما حدث.

كانت بدايتي مع "أسطورة حسناء المقبرة". أثار دهشتي وجذب انتباهي تميز أسلوبه وتفرد عباراته. أسلوبه سلس, سهل ممتنع ذو تعبيرات حديثة صادمة لم تُستخدم من قبله. مضحك ساخر ممتع، وبعيد كل البعد عن التقعر و الغطرسة الأدبية. خاطب عقولنا في ذلك الوقت ببساطة ودفعنا للاستزادة وتوسيع المدارك. يكفيه شرفاً أن جعل صغاراً دون العشرين يسعون للتعرف على ديستويفسكي وتشيخوف. يهتمون لقراءة أعمال نجيب محفوظ والطيب صالح والعقاد. علمنا البحث والتعرف على عالم كبار الكتاب. لو سألت شاباً في المرحلة الإعدادية أو الثانوية عن أعمال هؤلاء، هل تتوقع منه أن يعرفها، فما بالك بمن عرفهم وقرأ لهم.

رواياته تجدها مليئة بخطوط قلم الرصاص تحت ما تريد أن تقرأه أو تراه بعدها. لن تجد رواية خالية من اسم كاتب عالمي شهير أو مخرج فذ أو اسم لفيلم جيد يستحق المشاهدة، لتبدأ رحلة أخرى بعدها في البحث والتقصي. رواياته كانت مذيلة بالمراجع والمصادر التي يمكن الرجوع لها لتبحث عن أصل المعلومة. علم جيلًا كاملًا البحث، فكان لهم جوجل ويوتيوب قبل أن يكون هناك جوجل ويوتيوب. كان كمن يضع الزبيب داخل الثريد، لتجد المعلومة بداخل الحدوتة.

أثناء الدراسة الجامعية

شرفت بالقبول في كلية الطب، وانتفع بعلمه كل طبيب ناشئ تعلم شيئاً عن الأمراض في رواياته. كان موسوعياً بمعنى الكلمة. يدفعك دفعاً للبحث عن المعلومة والاستزادة منها، لتتخذ المعلومات الطبية الجامدة شكلاً سلساً ممتعاً، تتآلف معه وتدركه وتحبه، ليُدهش من يسألك عن مرض نادر ويجدك أيها الدارس الصغير تعرف عنه ما تعرفه.

كما ألّف بين القلوب. أن تحب شيئاً وتتعلق به، لهو شيء جميل. لكن أن تجد من يشاركك الشغف بذلك الشيء ويشاطرك الاهتمام به فهو الأكثر جمالاً. نشأت أواصر الصداقة والتقارب الفكري بين قرائه ومحبيه في الكلية. فكان كفيلاً بأن تنشأ بيننا صداقة سريعة فور ملاحظة إحدى رواياته في أيدي الآخرين، ليبدأ التعارف بجملة "إيه ده.. انت بتقرا لأحمد خالد توفيق!".

تستطيع ملاحظة قراءه في المواصلات العامة بمجرد النظر إليهم. فعندما تجد فتاة عشرينية تجلس في عربة المترو، شاردة بين صفحات رواية صغيرة للجيب، ثم تلاحظ تلك الابتسامة الواسعة التي ارتسمت فجأة على وجهها أو تلك الضحكة التي تقاوم خروجها جاهدة، عندها فقط تعرف بأنها تقرأ له.

يتعدى التثقيف عبر سلسلة ما رواء الطبيعة ليمتد إلى مجال الحواديت التاريخية عبر روايات فانتازيا، لتتعرف على شعوب المايا وكهنة التبت وأمجاد العرب القديمة. تتنقل في عنابر المستشفيات وتسافر لبلدان أفريقية عبر منظمة سفاري لتعرف أكثر عن الأوبئة والأمراض المتوطنة.

أنشأ جيلًا من الكتاب

رسائل القراء الملحقة برواياته كانت هي البذرة والنواة والبداية لعرض مواهب القراء الكتابية. كانت جسر التواصل بين شباب يحبو في عالم الكتابة ويتلمس الطريق، فلم يبخل عليهم بالنصح ومد لهم يد العون. لم أحظ بشرف مراسلته، ربما خجلت وسوفت وانتظرت اللحظة المناسبة لتتراكم الرسائل مسودات مبعثرة لن تصل أبداً.

نشأت بين القراء روابط الصداقة المستمرة حتى الآن. أشخاص من محافظات بل من بلدان مختلفة، جمعهم توافق الميول والثقافة والحب، فنشأ على سبيل الدعابة (نادي كارهي أسطورة الغرباء)، نعم ستبتسمون الآن و ستدمع عيونكم بعدها عندما تذكرون ذلك الاسم. نعم، كره البعض بعضاً من أساطيره، ولكنه كره محبب في إطار من الرقة والنقد الحنون. ليس ككهره الحاقدين له الآن.

كتب كما نكتب الآن، لترتاح نفسه من عبء ما تحمله، فإبداعنا يخرج من رحم المعاناة، وإبداعه كان ابناً لآلام وطن بأكمله. احترف الصدق فكان أميناً مع نفسه ومع كتاباته وقرائه.

القراءة والمسرح والسينما

تذبذب التعلق بالقراءة عامة في الفترة الجامعية لحدوث الشغف بشيء آخر. ألا وهو فريق المسرح. سبعة أعوام متصلة (منذ 1999 وحتى 2005) قدمنا خلالها في كليتنا ما يقارب ال 14 عرضاً مسرحياً من خلال فعاليات مهرجان مسرح الجامعات، لتتفتح العيون والمدارك على آفاق جديدة وقراءات أوسع لمسرحيات عالمية وثقافات مغايرة. لأجد لحسن الحظ في عام 2016 وفي كتاب "اللغز وراء السطور" دكتور أحمد خالد توفيق يشاركنا نفس ذلك الشغف، فيكتب عن المسرح ما شعرنا به، فمن أقواله.

لم يستطع أي واحد أن يفلت من جنون المسرح. الأمر يشبه أول حقنة هيروين أو أول شمة من الكوكايين، بعدها يصير التحرر من قبضة هذا الفن الساحر عسيرة جداً. لكني أفلت من هذا السحر، برغم أني تواجدت في كواليس مسرحيات لا حصر لها. لا شك أن لجو الكواليس سحراً خاصاً. الغبار على كل شيء.. دخان التبغ.. المقاعد المهشمة.. الخيش المعلق.. الإضاءة الخافتة.. البروفات.. ثم يقترب اليوم الموعود وتزداد الصورة جودة. برغم هذا لم أقع في مصيدة المسرح قط. أحببت المسرحيات المكتوبة، ولم أترك مسرحية شهيرة إلا وقرأت نصّها ضمن سلسلة روائع المسرح العالمي الرائعة. لكن رأيي في أداء المسرح يختلف.

كم أرت أن ألقاه وأقول له: نحن من وقع في المصيدة يا أستاذي، ولكنها مصيدة لذيذة، أضافت لنا أكثر مما أخذته منّا، وكونت في النفس نواة لشيء ما أحاول الإعداد له.

وبجانب المسرح كان عشق السينما الذي لا ينتهي. والذي عشقه العرّاب أيضاً وقال عنه في "اللغز وراء السطور"

أعتقد أني خلقت لعشق السينما, و السبب هو أنني لم أستطع قط أن أتجاهل الحائط الرابع الذي يقف بين شخصيات المسرحية وبيني.

وفي رأيي المتواضع أن المسرح والسينما فنان متكاملان, يؤثران ويتأثران ببعضهما. ومن هنا كانت فكرتي "مسرح من جوا سيما" والتي تم تقديم بعض منها خلال "صالون نجيب الثقافي"وانتويت عرضها عليه في إجازة آخر العام المقبل، ولكني لم أُدركه وأَدركه الموت قبلي.

مشاهدة الأفلام هو نوع من الثقافة البصرية السالبة والتي لا تحتاج إلى مجهود أو تركيز كالقراءة. فهي تريح العقل وتغذيه في نفس الوقت، إذا كان الفيلم جيداً. فالقارئ هو من يمنح تركيزه لما يقرأ ويبذل جهداً في تخيل الأماكن والشخصيات، فهي نوع نشط من التلقي active education.

أما المُشاهد, فالصورة هي التي تجذب تركيزه وانتباهه لا إرادياً رغماً عنه، فهي نوع من التلقي السالب المريح passive education، وبالتأكيد لكل فن متعته الخاصة ومذاقه المحبب الذي يجذب المثقف لكليهما، وهذا يعتبر رأي شخصي يحتمل الخطأ أو الصواب.

بكالوريوس جراحة

عدت لمصادقة العجوز رفعت إسماعيل في سلسلة ما وراء الطبيعة، مرة أخرى وقت امتحانات بكالوريوس الجراحة، فكانت قراءتي لها هي الدافع والحافز وقت المذاكرة. أتذكر دراستي لبعض الصفحات، حتى إذا ما كلت نفسي سارعت لقراءة عدة مقاطع من الرواية. فإذا ما وصلت لنقطة مشوقة، قطعت القراءة وعدت للمذاكرة ونفسي ملئى بحافز عظيم أن أنهي ما بيدي لأكافئ نفسي وأعرف ما سيحدث بعد ذلك في الرواية. كم سعدت عندما نجحت تلك الطريقة ووجدتني حاصلة على تقدير امتياز في مادة الجراحة. وقتها اعتبرت دكتور أحمد خالد توفيق صاحب فضل عليّ برواياته في ذلك النجاح.

مرحلة ما بعد روايات مصرية للجيب

نقلنا دكتور أحمد بعد ذلك إلى عالم أكثر رحابة وأوسع أفقاً عبر روايات منفصلة، عبر فيها عن حال الوطن وما يريد المواطن أن يقول. عبر فيها عن مشاعرنا بكلمات كتلك التي أردنا قولها. فكانت "يوتوبيا" و"مثل إيكاروس" و"في ممر الفئران" وغيرهم الكثير وصولاً إلى "شآبيب". روايات تخاطب القارئ الأكثر نضجاً. أي تخاطبنا ونحن على أعتاب الثلاثين من العمر. تلقفنا ونحن أعواد خضر تبحث عما يروي شغفها ليودعنا ونحن رجال ونساء نستعد لتربية جيل جديد.

أرأيتم تلك الرحلة. منذ السادسة عشر من العمر و حتى السادسة والثلاثين. عشرون عام كاملة عشناها في رحاب كلماته، نتنقل بين أدب رعب وفانتازيا وخيال علمي و سياسة ومقالات. إنها تربية كاملة وصناعة وجدان جيل بأسره. حقائبنا لا تخل من رواية له، ومكتباتنا عامرة بإصداراته.

أما حق لنا أن نرثيه؟ أما يحق لنا أن نحزن ونبكي و نتأثر؟ لعمري إنه لشيء صغير ما نكتبه ونفعله بجانب ألم القلب العظيم الذي نشعر به.

عشت عزيزاً ورحلت عزيزاً في قمة مجدك يا دكتور أحمد، رحمة الله عليك.