معلومات مش أكيدة: لماذا يجب أن يحب زوكربيرج الأخبار المفبركة؟

خلع قميصه الرمادي. فالآن لا وقت للحديث عن دولاب فيه 100 تيشيرت بنفس اللون. ارتدى بدلة كاملة. فهو الآن على رأس شركة تعرف ما يفكر فيه 2 مليار إنسان. جلس مارك زوكربيرج أمس أمام لجنة استماع في الكونجرس الأمريكي كملياردير، وليس صاحب شركة ناشئة على باب الله.

وعندما حان وقت المصارحة؛ قال "من الواضح الآن أننا لم نفعل ما يكفي لمنع استغلال أدواتنا بشكل مسيء، يسري هذا على التدخل الأجنبي في الانتخابات، وخطاب الكراهية، والأخبار المفبركة". لكن على أية حال ما هي مشكلة الأخبار المفبركة.

انتشار هذا المصطلح عالميًا خلَق حالة من الهَوَس، الذي خلق بدوره سوقًا كبيرة. الشركات الأكبر في وادي السيليكون تضخ استثمارات مليونية لشن حرب فعّالة على هذا النوع من الأخبار. الأمر يتحول بسرعة إلى تجارة كلها منافع: ورشات عمل، وظائف جديدة، هاشتاجز، عقول لامعة يتم ضخها في الماكينة الضخمة للصناعة، والهدف المُعلن: منعها. حتى هذا المقال سيكون حسب الـ "تاج" في نهايته؛ واحدًا من الكتابات التي تناقش قضية العام.

نظرة متفحصة لبداية الإنترنت وفكرته المؤسِسِة وما وصل إليه الآن بعد سيطرة جوجل وأمازون وفيسبوك وآبل، ستكشف حقيقة ما وصلنا إليه، وما الأسوأ الذي سيحدث إذا ما نجحت جهود هؤلاء العمالقة في إيقاف سَيل الأخبار المفبركة.

لكن هل الأخبار المفبركة سيئة بالفعل؟ وما هي معايير الخبر الصحيح أو المفبرك؟ وبافتراض الحصول على إجابة لهذه الأسئلة؛ هل يمكنك كقارئ اكتشافها؟ وإذا اكتشفتها؛ هل أنت مستعد لتخالف قناعاتك الراسخة وتقنع نفسك بعكسها؟ دعنا نأخذ الأسئلة لمنطقة أبعد.. ما هي الأخبار أساسًا؟


نحن الحقيقة

في روسيا السوفييتية؛ قرر أحدهم تسمية صحيفة ما "البرافدا"، أو الحقيقة بألف لام التعريف. يبدو ذلك الآن أمرًا مضحكًا لأن الـ 150 أو 200 خبر الموجودين بين يديّ -أنا القارئ- كل صباح، هي الحقيقة. حسنًا؛ وماذا عن آلاف الأحداث دون المائتين؟ بالطبع إما هي أخبار لا يجب أن يقرأها المواطن، أو ببساطة ليست أخبارًا من الأساس من وجهة نظر محرري الجريدة.

حسنًا. في الناحية المقابلة في أمريكا صحيفة عريقة كنيويورك تايمز لم توضّح ما يكفي من تعريفات وقواعد للأخذ بمعلومات المصادر المجهولة، نعرف جميعًا أن هذا غير ممكن عمليًا. تسببت حملتها الصحفية الشرسة في التمهيد لحرب في عام 2003، أسفرت عن إحتلال دولة تُدعى العراق، وإسقاط عاصمته في مثل هذا الشهر قبل 15 عامًا. للأمانة شرح مجلس تحرير الصحيفة ما حدث من أخطاء تحريرية ارتكبوها بعد 13شهرًا من الغزو مع اعتذار رقيق للقراء. شكرًا لهم على سعة صدورهم ولا عزاء لمن ماتوا.. وحصل خير.


قبضة المواطن الدامية

ماذا حدث لمواطن تعرض لهذه الصدمات وآلاف غيرها. ببساطة؛ رَفَض الأخبار كلها وبدأ في ترويج ما يراه هو وحسب تعريفه الشخصي "أخبارًا". فظهر العام الماضي مصطلح آخر سيحكم عالم الصحافة والمعرفة عمومًا لسنوات قادمة: ما بعد الحقيقة.

الـ "بوست تروث" هو التجسيد الحي لهذه الكراهية، وتفضيل الناس قناعاتهم الشخصية في شكلها البدائي البسيط، حمايةً لأنفسهم من التأثيرات الخارجية التي يخلقها تداول الأخبار في نسختها الحديثة. ولأن تعريف الحقيقة أصلًا مستحيل مثل تعريف القيم المطلقة كالحب والخير والجمال، ومع وجود وسائل تداول ونشر الأخبار على نطاق واسع (قد يمتلك مدوّنًا واحدًا عشرات الآلاف من المتابعين لا تمتلكهم مؤسسات صحفية محترفة، أو يمتلك أموالًا يدفعها لتعليّة خبره الكاذب في محركات البحث ووسائل التواصل الاجتماعي)، أصبحت المعايير الشخصية البسيطة للقارئ نفسه هي الوسيلة الوحيدة للحكم على الخبر، إن كان صحيحًا أو غير صحيح.. إذا تجاوزنا افتراضًا عن كون الصح والخطأ بالأساس أمورًا نسبية.

النتيجة النهائية لفرض معايير "صحة أو فبركة" الأخبار، ستنتهي بنا إلى خطّ تصنيع مواطنين متشابهين بلا طعم. مواطنون يفكرون بنفس الطريقة ويؤمنون بنفس الحقائق التي أُريد لهم الإيمان بها

يعرف معظمنا أنه عندما يتعلق الأمر بالمعايير الشخصية للأفراد؛ فلا تحدثني عن التأكد من الحقائق كما يقول المثل الشهير. ولذلك فأي محاولة لتعديل أو تغيير أو تقييد هذه المعايير الشخصية، وفرض معايير يرى مَن يفرضها أنها "صحيحة"؛ يعني ببساطة توجيه رصاصة على رأس حرية الرأي والتعبير.

أساطير مثل الأرض المسطحة، أو حتى تورُط الإدارة الأمريكية في أحداث الحادي عشر من سبتمبر لا تزال تجد صدى واسعًا بين ملايين البشر. حتى لو كنا أمام خبر غير عادي وإنما يرتقي لدرجة الحقيقة المدعومة باعتراف واضح من الفاعلين الرئيسيين. محاولة القبض على الأخبار المفبركة التي تدعم وجهات نظر المؤمنين بنظرية المؤامرة في المثال السابق، لها وجه آخر ديكتاتوري عنيف، سيؤدي بنا جميعًا إلى إعلام سوفيتي على شاكلة صحيفة البرافدا، أو إعلام نازي.

فإذا كان النوع الأول هدفه حشد تأييد لنظام شمولي باستخدام الكذب؛ فإن الثاني كان محفزًا على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية مثل معسكرات الاعتقال النازية لليهود أو معسكرات الاعتقال الأمريكية لليابانيين وقت الحرب العالمية الثانية. هذه الجرائم الصحفية سنشاهدها في المستقبل القريب، إذا وصل الخط لنهايته الطبيعية لتصبح كل وسائل الإعلام نموذجًا من البرافدا. مثلًا مواقع الأخبار التي تنقل ما يخالف الإجماع العام للشركات الكبرى ومصالحها السياسية مع الدول لن تظهر لك في نتائج البحث، وإن ظهرت سيكون ترتيبها متأخرًا للغاية وتحتاج لصبر مكتشف ألغام لتستطيع الوصول إليها.

داروين في صالة التحرير

كتاب بودريار يضم 3 مقالات قصيرة عن حرب الخليج 1991 نشرها في صحيفتي ليبراسيون والجارديان

الخبر الحقيقي قد يتحول إلى آخر مفبرك، والفضل يعود لقبضة التطور الثقيلة التي تخلق هذا النوع من الطفرات. يمكن اعتبار حرب الخليج عام 1991؛ الحلقة التطورية الأوضح لخروج خبر مفبرك من رحم آخر صحيح. هذه الحرب اعتبرها الفيلسوف الفرنسي جان بودريار "لم تحدث أصلًا" عبر ثلاث مقالات قصيرة نشرها قبل وأثناء وبعد الحرب وجمعها هذا الكتاب.

وصف بودريار ما حدث بأنه خداع كبير باستخدام الآلة الإعلامية الأمريكية. مشبّهًا صدام حسين بتاجر سجاد لا تربطه أية منافسة مع تاجر سلاح، لكن الأخير أصرّ وهو يقوم بتدمير بائع السجاد على دفع العالم للتصديق بأنه منافس حقيقي وبطل خارق، وبالتالي يصبح من المقبول أن يُلقِي عليه 10 آلاف طن من القنابل يوميًا. وهل هناك أقل من 10 آلاف طن يمكن إلقاؤها لتهزم بطلًا خارقًا؟


هذه الصورة "المزيفة" عبر نقل مشاهد "حقيقية" من الحرب تليفزيونيًا، جعلت مستهلكي الأخبار جزءًا من شيء يبدو وكأنه لعبة رقمية. لكنه في أحياء بغداد كان حقيقة دموية، لم يشعر بحرارتها إلا من كان تحت الأنقاض بفم مليئ بالدم والتراب.

بداية من تغطية سي إن إن لهذه الحرب وحتى الآن؛ تحول الواقع إلى شيء ضعيف وباهت حتى لو كان غنيًا بالتفاصيل، في مقابل الخبر الملون الفاخر حتى لو كان مجرد صورة.

لا يرتبط الأمر بالحروب والدماء والتلاعب في الانتخابات والبروباجندا فقط، وإنما لا يخلو الأمر أحيانًا من الطرافة والضحكة الجميلة مثل المواطن الصومالي الذي نَصَب على نخبة من أهم مراسلي الصحف والمجلات في العالم، ورتب لهم مقابلات مع مجموعة من أصدقائه باعتبارهم قراصنة يهددون حرية الملاحة في واحد من أهم المضايق التجارية في العالم وقت اشتعال أزمة القراصنة الصوماليين بين أعوام 2008 و2010، محققًا دخلًا يوميًا قدره 200 دولار لكل مقابلة صحفية مع القراصنة الأشرار.


طبول المعركة

المواجهة بدأت بالفعل، ويبدو أننا ذاهبون بتصميم كبير إلى المصير المحتوم بعد الانتهاء من خنق الأخبار المفبركة. منتصف العام الماضي أطلقت جوجل خدمة التحقق من الأخبار، وبعدها بثلاثة أشهر انضم فيسبوك للطابور، وبعد فيسبوك بشهرين منع تويتر الحسابات التابعة للشبكات الإخبارية الروسية "آر تي" وسبوتنيك، من شراء إعلانات. ومؤسسة صحفية كبرى مثل بي بي سي تعمل منذ شهور للتخلي عن نشر الأخبار العاجلة، واللجوء لما أسمته "الأخبار البطيئة" كحل للخروج من هذه المأساة العالمية. حيث لا مزيد من السرعة في نقل ما يسمى بالأخبار. فمستخدم تويتر أو سنابشات الموجود في موقع الحدث ويمتلك آلاف المتابعين سيتكفل بالأمر. ليصدّق من يصدّق ويكذّب من يكذّب. هذا أمر غير مهم. ولنا في الروايات المتناقضة "للناشطين الإعلاميين" في مناطق النزاعات المسلحة سابق تجربة.

محاولة الشركات الكبرى فرض معايير لـ "صحة أو فبركة" الأخبار ستنتهي بخط تصنيع مواطنين متشابهين بلا طعم. مواطنون يفكرون بنفس الطريقة ويؤمنون بنفس الحقائق التي أُريد لهم الإيمان بها. ومع سطوة إنفلوسرزر السوشيال ميديا؛ سنكون في مواجهة عالم لا يُطاق. عالم لا يوجد فيه من المختلفين إلا قلّة مارقة مُصابة بالبارانويا مصيرها الفناء.

بناء الإنترنت، وفي قلبه شبكات التواصل الاجتماعي، يعمل أساسًا على فكرة منح الصوت لمن لا صوت له، فعندما حقق الناس هذا المبدأ بدأت التملص/ الحمرقة: سنسحب منك هذا الصوت لنضيف عليه بعضًا من مساحيق التجميل وبعضًا من الضوابط ليتوافق مع ما نراه "نحن الشركات" حقيقيًا.


اقرأ أيضًا: مذكرات ميّت افتراضي.. أو كيف طردني فيسبوك من الجنة الزرقاء