أصدقاء الغريب| الرجل الذي أفسد "الفرح" برحيله

قبل نحو عامين من ثورة يناير 2011 اتصلت بالدكتور أحمد خالد توفيق لتسجيل حوار إذاعي معه عبر الهاتف لبضع دقائق ضمن فقرة يتم فيها اختيار قصة قصيرة في مجال الخيال العلمي. كنت أعمل وقتها في محطة إذاعية شهيرة، وقيل لي اسمه للمرة الأولى مصحوبًا بلقب الدكتور. لم أكن أعلم أنه طبيب بشري وأنه أستاذ في جامعة طنطا.

كان أحمد خالد توفيق هو المسؤول عن اختيار القصة الفائزة، وشرح لماذا اختارها وأين تكمن مواطن تميزها. في بداية الاتصال به وقبل بدء التسجيل، بدا وكأن صوتًا مزعجًا مستدامًا يأتي من الطرف الآخر. أخبرت الدكتور أحمد بهذا "الزنّ". بلطف أستأذن لبضع ثوانٍ ثم عاد وقد أختفى الصوت قائلا "دي كانت بس المروحة وأنا قفلتها وقفلت الشباك.. أعتقد كدة الصوت أوضح".

سجلت معه وشكرته ولم أفهم أسباب اختياره للقصة، ولم أفهم النص، وبدا لي هذا التسجيل مهمة عمل روتينية ضمن مهام أخرى كثيرة خلال ذلك اليوم البعيد.

خلال مكالمة هاتفية مع أخي الأصغر في نفس اليوم، أتيت على ذكر هذه المقابلة مع "شخص اسمه أحمد توفيق باين!". "قصدك أحمد خالد توفيق؟!". "آه هو. مين دا؟". في الدقائق اللاحقة حكى لي أخي من هو الدكتور أحمد وما هي مكانته لدى أجيال متتابعة من الشباب في مصر والعالم العربي من المهتمين بأدب الرعب والخيال العلمي.

في الشهور التالية لثورة يناير بدأت في قراءة مقالات أحمد خالد توفيق حول الشأن العام. كانت تلك الفترة مليئة بحراكٍ سياسي وأحداثٍ متلاحقة لم يشهدها المصريون خلال عقود حكم مبارك. بدا الدكتور أحمد صوتًا هادئًا تحركه مجموعة من المبادئ والمواقف الإنسانية. ربما لهذا السبب لم تسلط الأضواء عليه كما سلطت على من امتلكوا صوتًا أعلى ومواقف أكثر حدة وتطرفًا.

في الخامسة والخمسين من عمره رحل أحمد خالد توفيق بهدوء عن عالمنا بسبب أمراض قلبه. لكن خبر رحيله كان مفاجئًا للدولة ومثقفيها الرسميين بقدر ما كان مفاجئًا وصادمًا لمحبيه وأبنائه ممن التهموا رواياته وقصصه خلال ربع قرن.

فما هي الأسباب التي أدت إلى صدمة الدولة ولاحقًا إلى غضب مثقفيها من رحيل رجل هادئ؟!

بدا مشهد وفاته سينمائيًا بامتياز.. فقد رحل في اللحظة التي كان يتم فيها تجهيز البلاد لمراسم احتفالية كبيرة، انتخابات الرئاسة المحسومة مسبقًا، لتتحول الأنظار فجأة إلى إرث رجل لم يكن ظاهرًا على رادار الدولة المصرية.

ستة أسباب للغضب

أولًا: لم يكن أحمد خالد توفيق مشهورًا أو مسلطًا عليه الضوء من قنوات الإعلام والثقافة الرسمية خلال التسعينيات، حين بدأ مسيرته في الكتابة المحترفة، وحتى عام 2011. فقد ابتعد عن قالب المثقف ابن الشِّلة المرتبط بصلات مع وزارة الثقافة أو الصحف والمجلات الحكومية.

ثانيًا: كان مقيمًا في طنطا، وهو ما يعني ابتعاده عن القاهرة، مركز الدولة التي لا تعترف سوى بمركزية السلطة ومركزية الثقافة ومركزية الشهرة! كل مبدعي الصعيد منذ الخمسينيات لديهم إدراك بأن من لم يأتِ إلى القاهرة لن يحظى بالشهرة. ‏أحمد خالد توفيق لم يخرج من طنطا وظل محافظًا على ابتعاده. كان من القلائل الذين لم تبهرهم أضواء المدينة الصاخبة أو فعالياتها الثقافية المرتبطة بالدولة أو سفارات الدول الصديقة.

ثالثًا: اشتغل أحمد خالد توفيق في منطقة أدب روايات الجيب المخصصة للشباب، وهي منطقة تحت قدرة رادار الدولة وفضاء مثقفي الشِّلل على رصدها. كانت مجلات الثقافة القاهرية منشغلة بمعارك شِّلل المثقفين مع بعضها البعض أو مع المؤسسات الدينية.

اقرأ أيضًا: أحمد خالد توفيق.. ومرثية كبرى لجيل يحتضن الغريب

على سبيل المثال حين صدرت رواية "وليمة لأعشاب البحر" للأديب السوري حيدر حيدر عام 1983، ثم أعيد نشرها في مصر عام 2000، اندلعت معركة هائلة حولها. منعها الأزهر تحت دعوى انها "تتطاول على الإسلام"، فيما انبرت جماعة من المثقفين بالدفاع عن حرية الإبداع و"رفض الوصاية الدينية"، ومقاومة "تدخل المؤسسات الدينية في الأعمال الروائية والفنون". لم يكن أحمد خالد توفيق طرفًا أو محورًا لمعركة شبيهة أو عنصرًا فاعلًا في تحزبات مثقفي القاهرة.

رابعًا: لم يكن أحمد خالد توفيق مدعيًا في اتجاهاته السياسية المعارضة، ولا محبًا لنيل الأضواء والجدل بأي شكل كما هو حال البعض، كما لم يكن منتفخ الذات أو صاحب شخصية طاووسية مهووسة بكاميرات التليفزيون أو الظهور على قنوات الإعلام الجماهيرية. اختار الدكتور أحمد أن تكون طنطا قاعدته التي يعمل فيها على رواياته وينطلق منها نحو فعاليات تجمعه بقرائه من الشباب في كل أنحاء القطر المصري. في السنوات التالية للثورة كان ظهوره التلفزيوني قليلًا وهادئًا.

بدا الرجل مهتمًا بإرثه أكثر من اهتمامه بالحاضر الصاخب. في أحد اللقاءات التليفزيونية قال إنه يشعر مثل نجيب محفوظ أن قطار عمره مثل قطار انطلق من القاهرة إلى الإسكندرية ويقف الآن في محطة انتظار قصيرة في "سيدي جابر" قبل أن يصل وجهته النهائية، "محطة مصر"!

كان إدراكه أن رحلته قد شارفت على نهايتها عاليًا بعد أن تعرض لأزمة في القلب جعلته يمر بتجربة "الاقتراب من الموت"، والتي عبر عنها بقوله إنها حالة ينقطع فيها النور ثم يعود ثانية بعد فترة انقطاع دون أن يكون للزمن وجود! ربما لهذا لم يكن منشغلًا باهتمام الجماهير ومدى الإضاءة المسلطة عليه.

خامسًا: كان قريبًا من الشباب على الأرض ومن خلال حضور حقيقي ومباشر وليس فقط من خلال الكتابة، وذلك عبر شخصيته الودودة والمتواضعة والبسيطة التي لم تتحول على الرغم من شهرته الواسعة بين الشباب وتأثيره الهائل في أجيال متتابعة من مختلف محافظات مصر.

في الأيام التي أعقبت رحيله، كتب كثيرون في مواقع التواصل الاجتماعي عن مواقف شخصية التقوا خلالها بالدكتور أحمد وأظهرت حجم ولائه ووفائه الشديد لقرائه من الشباب، وهو الذي تجسد في رغبته أن يُكتب على قبره "جعل الشباب يقرأون".

سادسًا: لم يكن أحمد خالد توفيق مثقفًا تابعًا "لحظيرة فاروق حسني"، وزير ثقافة الرئيس الأسبق مبارك، الذي كان فخورًا بأنه "روض" جماعة المثقفين لصالح النظام الحاكم. كما لم يكن تابعًا لحزب أو تيار أو جماعة! كان مستقلًا في كتاباته ومواقفه ومبادئه بصدق ونُبل وبدون إدعاء أو تملق أو نفاق.

لهذا بدا مشهد وفاته سينمائيًا بامتياز.. فقد رحل في اللحظة التي كان يتم فيها تجهيز البلاد لمراسم احتفالية كبيرة، انتخابات الرئاسة المحسومة مسبقًا، لتتحول الأنظار فجأة إلى إرث رجل لم يكن ظاهرًا على رادار الدولة المصرية.

لهذا كان الغضب من رحيله. فقد أفسد، دون قصد، "الفرح" وتحول "المعازيم" إلى حضور في جنازة كبيرة. ألم يكن باستطاعته أن يؤجل ميعاد رحيله؟! بدا هذا السؤال العبثي تلخيصًا للهجوم الذي ناله الرجل من منظمي "العرس الانتخابي" والمستفيدين منه!

..والسيرة أطول من العمر.